مع إعلان وزارة الدفاع الإماراتية، الثلاثاء، إنهاء ما تبقى من وجودها العسكري في اليمن، عاد إلى الواجهة خطاب قديم متجدد تروجه المنصات الإعلامية لحلفاء أبوظبي، يقوم على تصوير "مكافحة الإرهاب" بوصفها المهمة الحاسمة التي كانت تضطلع بها الإمارات، وعلى الإيحاء بأن مغادرتها تترك اليمن مكشوفاً أمام التنظيمات المتطرفة، وهو خطاب يحمل في جوهره سردية صيغت خلال سنوات الحرب، تقوم على احتكار تعريف الإرهاب، وربطه بقوى بعينها، وتجريم أي مسعى لاستعادة الدولة لسيادتها الأمنية باعتباره مغامرة غير محسوبة تفتح الباب للفوضى والانفلات.

وإن كان للإمارات، بما تملكه من إمكانات وشراكات دولية، دور في محاربة الإرهاب خلال العقد الأخير، إلا أن التجربة اليمنية القريبة، وما راكمته من وقائع ميدانية وسياسية، تكشف أن المشكلة لم تكن يوماً في غياب "وصي أمني"، بقدر ما كانت في إساءة استخدام ملف الإرهاب ذاته، وتحويله من قضية أمن دولة إلى أداة نفوذ وصراع سياسي، فبدلاً من أن يُوظَّف هذا الملف في إطار مؤسسي لحماية البلاد، جرى استثماره في محطات عديدة كوسيلة ضغط، وتبرير لفرض الأمر الواقع، وتجريم الخصوم، وهو ما يصطدم اليوم بحقيقة باتت واضحة، مفادها أن الإرهاب لم يكن يُكافَح بقدر ما كان يُدار، وأن استمرار هذا النهج لم يؤدِّ إلى تحصين اليمن، بل إلى تعميق هشاشة الدولة وإطالة أمد الصراع.

"بدلاً من أن يُوظَّف ملف الإرهاب في إطار مؤسسي لحماية البلاد، جرى استثماره في محطات عديدة كوسيلة ضغط، وتبرير لفرض الأمر الواقع، وتجريم الخصوم"

وملف تسييس الإرهاب في اليمن ليس وليد اللحظة، بل يعود إلى مطلع الألفية الجديدة، حين دخل المصطلح بقوة إلى المجالين السياسي والأمني عقب استهداف المدمرة الأميركية "كول" في عدن عام 2000، ثم تفجير ناقلة النفط الفرنسية "ليمبورغ" قبالة سواحل حضرموت في عام 2002. ومع أحداث 11 سبتمبر 2001، تحول هذا الملف إلى بوابة لإعادة التموضع الخارجي والداخلي في آن واحد، إذ استخدمته السلطة حينها لتكريس أدوار أمنية جديدة، وفي الوقت ذاته لتضييق المجال السياسي على المعارضة التي كانت في طور النشأة، وتحويل الخصومات السياسية إلى شبهات أمنية.

هذا النمط لم يتوقف بتغير الحكومات، بل أُعيد إنتاجه بأشكال مختلفة مع كل مرحلة اضطراب أو انتقال، ما جعل "الإرهاب" مفهوماً سياسياً متحركاً أكثر منه توصيفاً أمنياً ثابتاً، وحتى عندما اندلعت الحرب في 2014 وسيطر الحوثيون على صنعاء، عاد هذا الملف بصورة أكثر حدّة، إذ اتجهت الجماعة نحو محافظة البيضاء وتوسّعت تحت مظلة "مكافحة الإرهاب" والضربات الجوية الأميركية، وفي هذا السياق، قال قائد القيادة المركزية الأميركية (CENTCOM) آنذاك، لويد أوستن، إن بلاده "دعمت بهدوء" الحوثيين في قتالهم ضد تنظيم القاعدة، واعتبرهم "حلفاء جيدين" في مكافحة الإرهاب.

وكما كان هذا الملف هو الأداة التي حصل الحوثيون بموجبها على دعم أميركي مكنهم من التوسع والسيطرة وبناء النفوذ في عدد من المحافظات، فقد أصبح استثماره لاحقاً وجهة لقوى أخرى تسعى لتحقيق الأهداف ذاتها في البلاد.

"فاعلية الإمارات داخل التحالف بدأت تتراجع عملياً قبل إعلانها سحب قواتها في يوليو 2019، بعدما انتقل حضورها الميداني مبكراً من العمل المشترك إلى إدارة نفوذ ذاتي"

فمع تدخل التحالف العربي عام 2015، بدأ ما يمكن تسميته بالدور الإماراتي الخاص في اليمن، وهو دور لم يقتصر على المشاركة ضمن تحالف دعم الشرعية، بل تمثل في مجموعة سياسات وعمليات موجهة لبناء نفوذ مستقل ودوائر سيطرة منفصلة عن القرار السيادي للحكومة اليمنية.

 وتشير دراسات إلى أن فاعلية الإمارات داخل التحالف بدأت تتراجع عملياً بعد وصول القوات التي دعمتها جنوباً إلى الحدود الشطرية بين شطري اليمن حدود ما قبل العام 1990، وأنها لم تعد فاعلة داخل التحالف بالمعنى التقليدي حتى قبل إعلانها سحب قواتها في يوليو 2019، بعدما انتقل حضورها الميداني مبكراً من العمل المشترك إلى إدارة نفوذ ذاتي.

ويمكن قراءة هذا الدور عبر ثلاث مراحل زمنية متعاقبة، تكشف بوضوح كيف جرى توظيف العناوين الأمنية، وفي مقدمتها "مكافحة الإرهاب"، كأدوات سياسية وعسكرية، المرحلة الأولى كانت مرحلة تأسيس النفوذ، التي بدأت مع انطلاق "عاصفة الحزم" في مارس 2015، حين لعبت الإمارات، تحت قيادة السعودية، دوراً بارزاً في تحرير عدن بمساندة المقاومة المحلية، وشاركت وحدات إماراتية خاصة في معارك محددة داخل المدينة، قبل أن تبدأ مساراً مختلفاً، تمثل في إنشاء وتدريب قوات "الحزام الأمني" في عدن وأبين ولحج والضالع، بذريعة مواجهة "الفراغ الأمني"، من دون تنسيق فعلي مع الحكومة اليمنية أو وزارة الداخلية، التي كان يفترض بها الإشراف على الترتيبات الأمنية في المدن المحررة.

"يمكن قراءة الدور الاماراتي عبر ثلاث مراحل زمنية متعاقبة، تكشف بوضوح كيف جرى توظيف العناوين الأمنية، وفي مقدمتها "مكافحة الإرهاب"، كأدوات سياسية وعسكرية"

وبقرارات رئاسية صدرت في أواخر عام 2015، تمكنت قيادات موالية للإمارات من الوصول إلى هرم المواقع الإدارية والأمنية في العاصمة المؤقتة عدن ومحافظات أخرى، ما أضفى غطاءً شكلياً على نفوذ آخذ في التوسع خارج بنية الدولة.

وفي هذه الأثناء، بدأت عدن تشهد واحدة من أكثر الفترات دموية في تاريخها الحديث، مع موجة اغتيالات وتفجيرات منظمة طالت مسؤولين أمنيين وعسكريين وخطباء ودعاة وقيادات سياسية، كان أبرزهم محافظ عدن الأسبق جعفر محمد سعد، الذي قُتل في ديسمبر 2015 في عملية تفجير معقدة لم تُكشف ملابساتها حتى اليوم، وتلا ذلك عشرات العمليات التي استهدفت شخصيات محسوبة على التيار الإسلامي وحزب الإصلاح وأئمة مساجد وخطباء، في نمط عنف منظم أربك المشهد الأمني، وأعاد رسم خريطة القوى داخل المدينة.

وفي تلك الفترة أيضاً، كشفت تحقيقات صحفية غربية عن استعانة الإمارات بشركات أمنية خاصة، وتعاقدها مع فرق أجنبية لتنفيذ عمليات اغتيال محددة في اليمن، في إطار ما قُدّم حينها بوصفه جزءاً من "الحرب على الإرهاب"، وجرى التعامل مع الإرهاب كأداة لإعادة هندسة المجالين السياسي والأمني، إذ لم تُفض الاغتيالات إلى بناء جهاز أمني موحد، بل إلى إضعاف المؤسسات الرسمية وتعزيز دور التشكيلات الموازية.

 وقد أُحيطت هذه المرحلة بخطاب إعلامي مكثف أعاد نسبة تلك العمليات إلى الحوثيين وقوات صالح، وربط بين تصاعد العنف وضرورة استمرار القبضة الأمنية، ما أسهم في تبرير واقع النفوذ القائم.

ومع انتقال الدور الإماراتي إلى مرحلة تعظيم النفوذ أواخر 2016 وبداية 2017، أُخرج تنظيم القاعدة من مدينة المكلا بترتيبات انسحاب غير قتالية، أعقبتها مباشرة عملية إنشاء قوات "النخبة الحضرمية" التابعة عملياً للإمارات، بعيداً عن وزارتي الدفاع والداخلية، ورغم الترويج لهذه العملية بوصفها نموذجاً ناجحاً لـ"مكافحة الإرهاب"، إلا أن ما جرى على الأرض كشف عن نمط إدارة للملف لا يقضي على التنظيم بقدر ما يعيد توزيعه، ويستثمر الحدث سياسياً لتكريس نفوذ طويل الأمد.

"مع انتقال الدور الإماراتي إلى مرحلة تعظيم النفوذ أواخر 2016 وبداية 2017، أُخرج تنظيم القاعدة من مدينة المكلا بترتيبات انسحاب غير قتالية، أعقبتها مباشرة عملية إنشاء قوات النخبة الحضرمية"

وبالتوازي، بدأ التأسيس العلني لمشروع سياسي وأمني موازٍ للدولة، تُوّج بإعلان المجلس الانتقالي الجنوبي في مايو 2017، تحت شعار حماية الجنوب ومحاربة الإرهاب، ومع هذا الإعلان، دخل ملف "مكافحة الإرهاب" مرحلة أكثر تسييساً، إذ بات يُستخدم لتبرير السيطرة على المحافظات، وتقويض سلطة الحكومة في العاصمة المؤقتة عدن، وإضعاف مركزها السياسي داخلياً وخارجياً.

ومع نهاية عام 2018، ودخول اتفاق ستوكهولم حيّز التنفيذ، بدأت ملامح مرحلة تثبيت النفوذ تتبلور بوضوح، فقد وضع الاتفاق حداً للتصعيد العسكري في الحديدة، وأسقط عملياً طموحات التوسع باتجاه أهم موانئ الساحل الغربي، ما دفع الإمارات إلى إعادة ترتيب أولوياتها، والتركيز على تأمين المكاسب الجيوسياسية التي حققتها خلال المرحلتين السابقتين، من دون الانخراط في معارك جديدة ضمن حرب باتت كلفتها السياسية والأمنية أعلى من مردودها.

وفي هذا السياق، أعلنت أبوظبي في يونيو 2019 سحب قواتها وعتادها العسكري من اليمن، مع التأكيد على بقائها ضمن التحالف، ولكن وفق استراتيجية جديدة عُرفت بـ"السلام أولاً"، والتركيز على "مكافحة الإرهاب"، ورافق الإعلان تصريحات رسمية تؤكد أن القوات المحلية التي درّبتها الإمارات، والتي قُدّر عددها بنحو 90 ألف عنصر، قادرة على تثبيت الاستقرار، وأن دور أبوظبي سيتحول من الوجود المباشر إلى الدعم غير المباشر.

"كشفت الغارات الإماراتية التي استهدفت قوات الحكومة اليمنية في بوابة عدن في أغسطس 2019 أن شعار "مكافحة الإرهاب" يمكن استدعاؤه في أي لحظة لتبرير استخدام القوة حتى ضد الدولة نفسها"

غير أن هذا التحول لم يمضي طويلاً حتى تعرّض لاختبار عملي، ففي أغسطس 2019، شنت الطائرات الإماراتية غارات جوية مباشرة استهدفت قوات الحكومة اليمنية أثناء المواجهات مع مسلحي المجلس الانتقالي في بوابة عدن، بذريعة "الدفاع عن النفس" ومواجهة "هجمات إرهابية وشيكة"، وقد حملت تلك الغارات رسالة سياسية وعسكرية مفادها أن الانسحاب لا يعني التخلي عن النفوذ، وأن التدخل المباشر يظل خياراً قائماً متى ما تعرّضت هذه المكاسب للخطر، كما كشفت الغارات، أن شعار "مكافحة الإرهاب" يمكن استدعاؤه في أي لحظة لتبرير استخدام القوة حتى ضد الدولة نفسها.

وهكذا ترسّخ نمط جديد في إدارة الدور الإماراتي، يقوم على حضور عسكري أقل، يقابله نفوذ أمني وسياسي أوسع، مع أدوات محلية جاهزة لملء أي فراغ، إلى جانب خطاب إعلامي يربط الاستقرار ببقاء هذا النفوذ، وفي هذا الإطار، لم يعد الإرهاب يُطرح بوصفه تهديداً ينبغي تحييده عبر مؤسسات الدولة، بل تحوّل إلى فزاعة سياسية تُستدعى عند الحاجة، وتُستخدم لإعادة ضبط المشهد كلما مالت الكفة لصالح استعادة الدولة شيئاً من سيادتها.

ويفسّر هذا النمط، جزئياً، موجة التناول الإعلامي التحذيري التي رافقت إعلان وزارة الدفاع الإماراتية الأخير بإنهاء ما تبقّى من وجودها العسكري، فبدلاً من التركيز على سؤال جوهري يتعلق بكيفية تمكين المؤسسات اليمنية من إدارة الملف الأمني، انصبّ الخطاب على سيناريو "الفراغ" وعودة الإرهاب، مع الإلحاح على أن غياب أبوظبي يمثل خسارة استراتيجية لمعركة مكافحة التطرف، وحين يتحول التحذير إلى خطاب مكثف، ويُقدَّم الخطر بوصفه حتمية لا احتمالاً، يصبح من المشروع التساؤل عمّا إذا كان هذا الخطاب يصف الواقع أم يهيّئ له.

مصادر سياسية وأمنية ترى أن الخطر الحقيقي في المرحلة المقبلة لا يتمثل بالضرورة في عودة واسعة للتنظيمات المتطرفة، بقدر ما يكمن في إدارة الخطر عبر أحداث أمنية محدودة أو عمليات نوعية تُضخَّم دلالاتها، وتُستخدم لتكريس فرضية جاهزة مفادها أن مغادرة الإمارات كانت خطأً، وأن خسارة نفوذها تعني تلقائياً خسارة الاستقرار، ورغم أن هذا السيناريو لا يمكن الجزم به، إلا أنه يستند إلى سوابق معروفة في إدارة ملف الاغتيالات، والاستعانة بشركات أمنية خاصة، وتوظيف خطاب الإرهاب لتبرير السيطرة وإقصاء الخصوم.

"الخطر الحقيقي في المرحلة المقبلة لا يتمثل بالضرورة في عودة واسعة للتنظيمات المتطرفة، بقدر ما يكمن في إدارة الخطر عبر عمليات نوعية تُستخدم لتكريس فرضية أن مغادرة الإمارات كانت خطأً"

وفي هذا السياق، يذهب عدد من الكتّاب والمحللين، ومنهم الكاتب السعودي سليمان العقيلي، إلى أن الإرهاب في السياسة المعاصرة لم يعد ظاهرة تسعى الدول جادّةً إلى إنهائها، بقدر ما تحوّل إلى أداة وظيفية تُدار وتُستثمر، فغياب تعريف دولي ملزم للإرهاب، بحسب العقيلي، لم يكن إخفاقاً قانونياً بريئاً، بل مصلحة سياسية تسمح بالانتقاء والازدواجية، هذا يوصم بالإرهاب لأنه يهدد المصالح، وذاك يُتسامح معه أو يعاد تدويره لأنه يخدمها.

ويقول العقيلي، في تدوينة له على منصة "إكس"، إن الإرهاب، بهذا المنطق، لا يعود عدواً مطلقاً، بل يتحول إلى ورقة نفوذ تستخدم لتوسيع السلطة، وتجاوز السيادة، وشرعنة التدخل، وإدامة حالة الخوف، حيث تدار "الحرب على الإرهاب" بلا نهاية، لا لأن الظاهرة عصية على المعالجة، بل لأن إنهاءها الحقيقي يسقط واحدة من أكثر ذرائع النفوذ فعالية في السياسة الدولية المعاصرة.

من جانبه، يقول رئيس مركز ديمومة للدراسات، الدكتور تركي القبلان، إنه "مع خروج القوات الإماراتية من اليمن، والرواية التي جرى تسويقها حول محاربة الإرهاب، يخشى كثيرون من أحداث إرهابية مفتعلة لإثبات الفراغ الذي قد تكون تركته القوات المغادرة، رغم صغر حجمها. الخشية الحقيقية ليست من الفراغ، بل من "صناعة الفراغ سردياً" عبر افتعال أحداث أو تضخيمها، لإعادة تسويق أدوار سقطت سياسياً وأخلاقياً. المعركة هنا ليست أمنية فقط، إنما إدارة السردية الأمنية على قدر كبير من الأهمية"، وفق قوله.

العقيلي: الإرهاب لا يعود عدواً مطلقاً، بل يتحول إلى ورقة نفوذ تستخدم لتوسيع السلطة، وتجاوز السيادة، وشرعنة التدخل، وإدامة حالة الخوف

ويشير القبلان، في منشور آخر على منصة "إكس"، إلى ما جرى "في صباح 22 أبريل 2016، حين استيقظ سكان المكلا على اختفاء تنظيم القاعدة بشكل مفاجئ، دون معركة تُذكر أو مواجهات ملموسة". ورغم احتفاء وسائل إعلام إماراتية بما وصفته بمقتل أكثر من 800 عنصر من التنظيم خلال "تحرير" المدينة، أكد سكان محليون وصحافيون تابعوا العملية أنهم بالكاد سمعوا إطلاق رصاصة واحدة، إذ جرى الأمر بصفقة واستلام وتسليم مواقع دون قتال.

ونقل القبلان عن الصحفي مايكل هورتون، من وكالة "أسوشيتد برس"، قوله إن جزءاً كبيراً من الحرب التي تخوضها الإمارات والميليشيات المتحالفة معها ضد تنظيم القاعدة هو "مسرحية هزلية". وأضاف أنه "أصبح من شبه المستحيل الآن الفصل بين من هو من تنظيم القاعدة في جزيرة العرب ومن ليس كذلك، بسبب كثرة الصفقات والتحالفات التي أُبرمت".

وخلال العقد الأخير، تُظهر التجربة في المحافظات الخاضعة لسيطرة الحكومة اليمنية أن التعامل المؤسسي مع ملف الإرهاب، رغم الحرب ومحدودية الإمكانات، أسهم في تحجيم نشاط التنظيمات المتطرفة أكثر مما فعلت المقاربات الدعائية، ففي مأرب والمهرة وأجزاء من حضرموت وشبوة، تولّت الأجهزة الأمنية الرسمية التعامل مع هذا الملف بمنهج قائم على الرصد والمتابعة والتنسيق، بعيداً عن التوظيف الإعلامي، وهو ما انعكس في تضييق هامش الحركة أمام التنظيم، مقابل تراجع قدرته على التموضع العلني، في الوقت الذي كان يؤسس لمعسكرات ووجود ظاهر في محافظات أخرى، مثل أبين، الواقعة تحت سيطرة المجلس الانتقالي المدعوم إماراتياً، وهو الفصيل الأكثر حديثاً عن محاربة الإرهاب.

وفي نهاية المطاف، يبقى العامل الحاسم خارج كل هذا الجدل متمثلاً في قدرة الدولة اليمنية على استعادة قرارها الأمني، وتوحيد مؤسساتها، وإخضاع ملف مكافحة الإرهاب لمعايير مهنية وقانونية شفافة، أما دون ذلك، فإن خوض "الحرب على الإرهاب" عبر رعاة إقليميين وبأدوات ما دون الدولة وما دون الوطنية، قد يحقق مكاسب على مستوى الدعاية والاستثمار السياسي، لكنه على المستوى الأمني يزيد الملف تعقيداً، ويمنح التنظيمات المتطرفة أسباباً إضافية للبقاء والاستمرار.

 

تنويه: هذا الخبر تم نقله تلقائياً من مصدره (بران برس) ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع.