لم يعد تعثر معركة استعادة الدولة في اليمن وإنهاء انقلاب جماعة الحوثي المصنفة دوليًا في قوائم الإرهاب، مرتبطًا بضعف الحكومة اليمنية المعترف بها أو بقدرة الجماعة المدعومة إيرانيًا، بقدر ما أصبح انعكاسًا لتآكل جبهة الشرعية من الداخل، وتباين القوى المنضوية في إطارها، وفي مقدمة ذلك المجلس الانتقالي الجنوبي.
فمنذ تأسيس المجلس الانتقالي الجنوبي برئاسة "عيدروس الزبيدي" في مايو/آيار 2017 بدعم لا محدود من دولة الإمارات العربية المتحدة، رفع شعار “القضية الجنوبية”، وتحوَّل إلى كيان سياسي وعسكري موازٍ للدولة، ودخل في مسار تصادمي حاد مع الحكومة وسلطات الدولة، ومنع تواجد مؤسساتها (البرلمان نموذجًا) في مدينة عدن المعلنة عاصمة مؤقتة للبلاد.
وبينما حرصت الحكومة اليمنية المعترف بها على تجنب الصراع الداخلي؛ حفاظًا على وحدة الصف الوطني، ركّز الانتقالي الجنوبي جهوده على استهداف مؤسسات الدولة في المناطق المحررة. وهذا النهج المغاير أفرز واقعًا ميدانيًا وسياسيًا متشظيًا خدم بشكل مباشر الانقلاب الحوثي، وتسبب في إرباك جهود الحكومة والتحالف وتعطيل معركة استعادة الدولة.
مسار تصعيدي
في يناير/كانون الأول 2018، وبعد مرور 6 أشهر على تأسيسه، صعّد الانتقالي موقفه تجاه الحكومة المعترف بها بإعلانه “حالة طوارئ” في مدينة عدن المعلنة عاصمة مؤقتة للبلاد. وبعد ذلك بأيام، اندلعت مواجهات عسكرية في المدينة بين تشكيلاته المسلحة التي أنشأتها ودعمتها الإمارات من جهة، وبين وحدات الجيش اليمني وألوية الحماية الرئاسية من جهة أخرى.
ورغم احتواء هذا التصعيد بعد ثلاثة أيام بتدخل من التحالف (السعودية والإمارات)، إلا أنه كرّس واقعًا جديدًا شجع المجلس المطالب بالانفصال على تكرار ممارساته المقوّضة لمؤسسات الدولة، لا سيما بعد هيمنته على عدن عبر “قوات الحزام الأمني” وبقية التشكيلات التي لا تخضع لسيطرة وزارتي الدفاع والداخلية.
وفي أغسطس/أب 2019 أعلن الانتقالي “النفير العام” ضد الحكومة الشرعية. وشهدت مدينة عدن الخاضعة أمنيًا وإداريًا لسيطرته، مواجهات دامية بين الجانبين استمرت عدة أيام، وحسمت لصالح الانتقالي بفعل فارق التسليح الهائل والحديث المقدم له من دولة الإمارات.
ومع ذلك، استعادت الحكومة زمام المبادرة وبدأت معركة لاستعادة عدن، لكنه مع ظهور بوادر هزيمة مدوية للانتقالي تدخل الطيران الإماراتي لقصف قوات الجيش اليمني على تخوم المدينة، ما أسفر عن مقتل وجرح 300 ضابط وجندي، وحسم المعركة لصالح المجلس.
وبينما حاولت الحكومة الاعتراض على الموقف والدور الإماراتي، تدخلت الرياض كوسيط لتهدئة التوتر، وجمعت الطرفين في مفاوضات انتهت بتوقيع “اتفاق الرياض”، وكان أول تحوّل سياسي جعل من الانتقالي طرفًا معترفًا به لدى التحالف، واعتباره ندًا للحكومة وليس جزءًا منها.
ورغم هذا لم يلتزم الانتقالي بالاتفاق، واستمرت سيطرته على عدن ولحج وأبين والضالع بقوة السلاح، رافضًا إخراج تشكيلاته العسكرية من المدن إلى جبهات القتال مع الحوثيين وفقًا للاتفاق، واكتفى بتنفيذ البنود المتعلقة بتقاسم الحكومة، دافعًا بعناصره لشغل مناصب وزراء ونواب وزراء ووكلاء ومحافظين، وفي مواقع قيادية عسكرية وأمنية.
وينص “اتفاق الرياض” على إخراج كافة الوحدات والألوية العسكرية من عدن، باستثناء لواء من الحماية الرئاسية ولواء جبل حديد التابع للانتقالي، لكن الأخير رفض إخراج قواته، بل ومنع دخول لواء الحماية الرئاسي الذي كان مكلفًا بحراسة مجمع الرئاسة في منطقة "معاشيق".
وفوق ذلك، قام المجلس وبدعم وضوء أخضر إماراتي بالسيطرة على قصر "معاشيق" الرئاسي عبر أحد تشكيلاته المسلحة (قوات العاصفة) التي غير اسمها إلى “العاصفة الرئاسية”، كما أطلق على بعض ألويته اسم “ألوية الحماية الرئاسية”، ويقودها محمد قاسم الزبيدي، شقيق رئيس المجلس الانتقالي.
نهب الإيرادات
في أبريل/نيسان 2020، صعّد الانتقالي الجنوبي مجددًا ضد الحكومة، معلنًا ما أسماه “الإدارة الذاتية” للمحافظات الجنوبية، ليستولي من خلالها على بقية مؤسسات الدولة ومنشئاتها الاقتصادية والمالية، بما فيها الموانئ والمطارات والجمارك والمنافذ والضرائب. كما أنشأ حسابات بنكية خاصة به، وألزم المؤسسات الحكومية بتوريد المبالغ إليها.
هذه التحركات التي شكلت ضربة إدارية ومالية جديدة للحكومة، تزامنت مع انتشار جائحة كورونا (كوفيد19)، التي أدت إلى توقيف الكثير من المرافق الحيوية بما فيها الصحية والإيرادية. ومع ذلك، استمرت إدارة المجلس الانتقالي عمليًا في الاستيلاء على الأموال والممتلكات العامة في المحافظات الجنوبي.
واستمرت هذه الإدارة حتى الإعلان عن انتهائها في أواخر يوليو/تموز من نفس العام، بموجب تفاهم جديد رعته السعودية بين الحكومة والانتقالي. ومع ذلك استمرت سيطرة الانتقالي على الموارد المالية في عدن وبقية المحافظات الواقعة تحت سيطرته، ولاحقًا توسعت لتشمل مؤسسات ومنشئات وبنوك لم تكن ضمن كشوفات الاستهداف من قبل.
من التوافق إلى الانقلاب
في أبريل/نيسان 2022، أعادت “مشاورات الرياض” صياغة المشهد السياسي اليمني، حيث أفضت إلى نقل الرئيس عبدربه منصور هادي صلاحياته لـ“مجلس القيادة الرئاسي”، المكوّن من رئيس وسبعة أعضاء، منهم رئيس الانتقالي عيدروس الزبيدي واثنين آخرين موالين له (عُينا لاحقًا نائبين للزبيدي في مايو 2023).
ورغم أن المجلس صُمم ليكون مضلة جامعة تضم الانتقالي كشريك أساسي وتنهي حالة “السلطة الموازية” في المناطق المحررة، إلا أن الممارسات على الأرض كشفت عن تباين عميق في الأهداف. فبينما كان الهدف المعلن لمشاورات الرياض توحيد الجهود لمواجهة الانقلاب الحوثي، استثمر الانتقالي مشاركته وشراكته لتعزيز سيطرته المؤسسية والعسكرية.
عمليًا، اتجه الانتقالي نحو ترسيخ نفوذه في العاصمة المؤقتة عدن ومؤسسات الدولة، بالتوازي مع توسيع قدراته العسكرية. وكانت محافظة شبوة، الاختبار الأبرز لهذا التحالف، حيث أطلق الانتقالي عملية عسكرية للسيطرة عيها وفرض تشكيلاته المسلحة بدلًا عن وحدات الجيش والأمن الرسمية.
وأمام هذا الواقع، ظهر مجلس القيادة الرئاسي عاجزًا، مفضلًا الحفاظ على الشراكة الصورية عن الدخول في صدام مباشر لفرض السيادة قد يعصف بالتوافق السياسي الناشئ. بينما استمر الانتقالي في تعزيز سلطاته الأحادية في المناطق المحررة، متجاوزًا مرجعيات التوافق المتمثّلة في “اتفاق الرياض” و“مشاورات الرياض” و“إعلان نقل السلطة”.
وظهر هذا المنحى في استمرار "عيدروس الزبيدي" بإصدار قرارات خاصة بتشكيل وحدات عسكرية تحت مسمى “الدولة الجنوبية”، وبصفته قائدًا لقوات الجنوب، متجاهلًا دور اللجنة العسكرية المعنية بتوحيد التشكيلات العسكرية تحت مظلة وزارة الدفاع، وفقا لاتفاق نقل السلطة.
ورغم مضي ثلاث سنوات على تشكيل اللجنة العسكرية المعنية بتوحيد التشكيلات العسكرية تحت مظلة وزارة الدفاع، إلا أنه لم تحقق أي تقدم يذكر. في حين أكدت تقارير فريق خبراء مجلس الأمن الدولي المعني باليمن صراحة أن الانتقالي هو من يعيق جهود توحيد القوات والتشكيلات العسكرية.
التصعيد شرقًا
لم تتوقف تحركات المجلس الانتقالي عند حد معين، بل ظلت شهيته مفتوحة لالتهام المزيد في ظل ضعف الحكومة. فبعد أن ضاعف من قدرات تشكيلاته المسلحة تدريبًا وإعدادًا، سارع للسيطرة على المناطق الشرقية في حضرموت والمهرة. ليبدأ بعدها بالدعوة لإعلان الانفصال عبر حشد أنصاره ومؤيديه في الساحات العامة، لا سيما بعدما سيطرت قواته على وادي حضرموت ومحافظة المهرة.
ويرى كثير من المراقبين أن ثمة عوامل داخلية وخارجية أسهمت في تدعيم الانتقالي وتعزيز نفوذه وتوسيع نطاق سيطرته. ويأتي في مقدمة العوامل الداخلية ضعف بنية الشرعية واختلال تركيبتها، وانتشار الفساد في كثير من مؤسساتها؛ مما سهل اختراقها والعبث بها.
وأما العوامل الخارجية فتتضمن وجود دعم عسكري ومالي وغطاء سياسي مقدم من دولة الإمارات، إحدى الدول المشاركة في التحالف العربي، خاصة وأنها وجدت في الانتقالي أداة وظيفية محلية لتحقيق أهدافها، بما في ذلك السيطرة على الموانئ والجزر اليمنية والمناطق الاستراتيجية في جنوب وشرق وغرب اليمن.
كما أدى تضارب المصالح والأجندات داخل تحالف دعم الشرعية– بين الطرفين الفاعلين وهما الرياض وأبو ظبي- إلى تركيز الأخيرة على توظيف الانتقالي في إضعاف الحكومة الشرعية ومحاربة السعودية وتقليص نفوذها والقضاء على حلفائها، لا سيما في التحركات الأخيرة المتمثلة باجتياح محافظات الشرق (وادي حضرموت والمهرة).
تقويض جهود استعادة الدولة
انعكست حروب “الانتقالي” ضد مؤسسات الدولة الشرعية، وخصوصًا في عامي 2018 و2019 سلبًا على موقف الحكومة وجهود استعادة الدولة. فقد أدت إلى إضعاف الحكومة عسكريًا في مواجهة الحوثيين، وسياسيًا في الموقف التفاوضي وأمام المؤسسات الدولية والوسطاء الإقليميين. فالمعارك الجانبية استنزفت الكثير من جهود الحكومة والتحالف والوسطاء والداعمين الخارجيين.
حروب الانتقالي تلك، صبّت في خدمة جماعة الحوثي التي انتهزت الفرصة لاستعادة ما خسرته في العامين الماضيين. وفي ظل هذا التشرذم سارعت الجماعة الحوثية في العام 2019 للقضاء على مقاومة “حجور” بمحافظة حجة، ثم انتقلت لمهاجمة مناطق جديدة في محافظتي الضالع والبيضاء، ووصولًا إلى تخوم مناطق يافع بمحافظة لحج.
كما عززت جبهاتها الشرقية والشمالية في العام التالي، حتى تمكنت من السيطرة على “فرضة نهم” والجوف، ومن ثم الاندفاع صوب مأرب، أهم قلاع الجمهورية الصامدة في وجه المشروع الحوثي الإيراني. وهذا التمدد، وفقًا لمراقبين، لم يكن لينج لولا تفكك جبهة الشرعية وهشاشتها بفعل ضربات المتتالية التي وجهها الانتقالي لجسد الدولة.
ومع تصعيد الانتقالي باجتياح محافظتي حضرموت والمهرة، بدا واضحًا أن اليمن يواجه انقلابًا جديدًا مكتمل الأركان، رغم أن مؤشراته لاحت مبكرًا في عدن وأبين وشبوة وسقطرى وصولًا لإعلان “الإدارة الذاتية”، وسلسلة القرارات الأحادية التي أصدرها الزبيدي تارة باسم الجنوب وأخرى باسم مجلس القيادة نفسه، بصفته عضوًا في المجلس.
وبهذا نجح المجلس الانتقالي الجنوبي وبدعم وضوء أخضر إماراتي، في تحويل الصراع من مواجهة الحوثيين إلى مواجهة الحكومة الشرعية التي هو شريك في بنصف المناصب، وهو ما شتت القوات الحكومية بين جبهتين، الحوثي من الأمام، والشريك المفترض من الخلف، وتعطيل أي قرار عسكري سيادي موحد.
سياسيًا، تم ضرب صورة الشرعية أمام الداخل والخارج، وتقديم نموذج سلطة هشة ودولة عاجزة، وتلاه إضعاف الموقف التفاوضي للحكومة مع الحوثيين. أما اقتصاديًا، فأدت سيطرة الانتقالي على الموارد إلى تعطيل الخدمات مع تحميل الحكومة المسؤولية، تفريغ مؤسسات الدولة من مضمونها، مع ارتفاع أسعار السلع والخدمات بسبب أعمال النهب والجباية اليومية التي تمارسها سلطات الانتقالي في كافة المناطق الواقعة تحت سيطرة ميلشياته.
معالجات ضرورية
ومن واقع المعطيات الراهنة، يشدد مراقبون على ضرورة الشروع في حزمة “معالجات جذرية” لإنهاء حالة الانقسام ووضع حدًا لحالة “التدمير الممنهج” التي طبعت سلوك الانتقالي وطال جسد الدولة خلال السنوات الثمان الماضية. ويأتي على رأس المعالجات “إنهاء الازدواجية القائمة في قرارات الدولة ومؤسستي الجيش والأمن”،
وتتضمن هذه المعالجات أيضاً، صياغة اتفاقات ومعاهدات توضح مهام واختصاصات مؤسسات الدولة ومسؤوليها في المرحلة الراهنة، والالتزام بتعريف محدد للشراكة الوطنية، ورفض أي كيان مسلح خارج سيطرة الدولة وسلطتها القانونية. وكذا تفعيل سلطات القضاء وأجهزة المساءلة مع ضمان استقلاليتها التامة عن أي مكون خارج سيطرة الدولة. ويتوازى مع دعم السلطات المحلية للقيام بدورها.
وتأتي هذه الإجراءات كضرورة ملحّة لإنهاء الانقسام الذي أضعف حضور الحكومة الشرعية وقوّض مؤسساتها السيادية. وتهدف جميعها في النهاية إلى إعادة توجيه “البوصلة الوطنية” نحو المواجهة الحاسمة والمصيرية صوب جماعة الحوثي التي استفادت كثيرًا من الصراعات البينية في المناطق المحررة وداخل مكونات الحكومة الشرعية.
تنويه: هذا الخبر تم نقله تلقائياً من مصدره (بران برس) ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع.