مع التحولات المفصلية التي تشهدها عدن اليوم باتجاه فرض مركزية الدولة وسيادة القانون بعد سنوات من التشظي المؤسسي، يبرز ملف السجون السرية وغير القانونية كأحد أكثر القضايا إلحاحًا وتعقيدًا في المدينة المعلنة عاصمة مؤقتة للبلاد.

فعلى مدى العقد الماضي، شيّد المجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم إماراتيًا عشرات السجون السرّية خارج رقابة القضاء، وملأها بآلاف اليمنيين الذي اختطفوا من المنازل والطرقات بتهم كيدية، وتمارس بحقهم ألوان التعذيب والحرمان في ظل السلاح المنفلت وغياب المرجعية القانونية. 

صناعة الموت

منذ تحرير مدينة عدن، من جماعة الحوثي المدعومة من إيران في يوليو 2015، شرعت القوات الإماراتية من موقعها ضمن تحالف دعم الشرعية في إعداد وتدريب تشكيلات محلية لإدارة المشهد الأمني والعسكري، وبدأت بتأسيس المجلس الانتقالي الجنوبي وتهيئة الأجواء لفرض مشروعها المتقاطع مع أهداف التحالف المعلنة.

وبعد فترة قصيرة، بدأت سلسلة اعتقالات واغتيالات استهدفت خطباء ودعاة وسياسيين وقيادات أمنية وعسكرية مخالفة لأجندات الإمارات وحلفائها المحليين. وكانت الاختطافات والاعتقالات تجري باسم أمن عدن وأخرى بعناصر مجهولة مقنعة تتبع تشكيلات غير قانونية، مثل جهاز مكافحة الإرهاب “سيئ السمعة” بقيادة يسران مقطري، والذي أقيل بتهمة ارتكاب جرائم جسيمة وفر إلى الإمارات.

وكشفت تقارير حقوقية وصحفية محلية ودولية، عن وجود عدّة سجون سرّية أنشأتها الإمارات والتشكيلات الموالية لها في عدن، وأخفت خلالها عشرات المواطنين، ومارست بحقهم أشد أنواع التعذيب النفسي والجسدي، إلى جانب الترهيب النفسي والمعنوي لأهاليهم.

وحتى اللحظة، تؤكد مصادر حقوقية أن شبكة السجون وأماكن الاحتجاز السرية وغير القانونية ما تزال قائمة في عدن، وتضم آلاف اليمنيين من مختلف المحافظات. وكل سجن من هذه الشبكة يتبع قيادي نافذ في المجلس الانتقالي. مؤكدة أن عمليات الاختطاف والإخفاء القسري تستهدف مواطنين أبرياء دون أي مسوغ قانوني أو وجود تهمة واضحة.

وأكدت تحقيقات فريق الخبراء الأممي المعني باليمن مسؤولة الانتقالي عن انتهاكات تتعلق بالاعتقال والاحتجاز وسوء المعاملة في مرافق خارج النظام القضائي، مؤكدة أن هذه السجون لا تخضع للرقابة القضائية، وأن عددًا من المحتجزين أُخفوا قسراً أو نُقلوا إلى أماكن غير معلنة.

أبرز السجون السرية

ويرصد “برَّان برس” في هذه المادة، من خلال مصادر حقوقية وتقارير محلية ودولية، أبرز 8 سجون سرية ومرفق احتجاز غير قانونية تتبع الانتقالي، وتتوزع في مناطق التواهي والعريش وخور مكسر والمنصورة، وتخفي قسريًا مئات الناشطين والمعارضين السياسيين والمواطنين العاديين منذ عام 2015.

ويأتي سجن “بئر أحمد” غرب عدن، على رأس هذه المعتقلات سيئة السمعة، ويتولى إدارته شخص يدعى “تيمور جواد”، ويوجد به أكثر ضحايا الاعتقالات والاختطافات في المدينة منذ العام 2015. ووفقًا لمصادر حقوقية، فقد كان يخضع في البداية لإدارة إماراتية، وبعد إعلان الإمارات انسحابها من اليمن عام 2019، انتقلت إدارته إلى “الحزام الأمني”، وهو أبرز تشكيل أنشأته الإمارات في عدن. ووثقت تقارير حقوقية انتهاكات جسيمة في هذا السجن، بما فيها التعذيب الوحشي، والمعاملة السيئة، والحرمان من أبسط الحقوق.

وفي منطقة التواهي، يبرز “سجن شلال”، الذي يقع ضمن منزل القيادي الأمني في الانتقالي “شلال شايع” (مدير أمن عدن السابق، وقائد جهاز مكافحة الإرهاب حالياً)، كواحد من أسوأ السجون السرية. ووفقًا للمصادر، فإنه يضم أشخاصًا اختطفوا لأسباب سياسية واتهامات ملفقة، وتمارس فيه جميع أشكال التعذيب.

وفي منطقة العريش، اشتهر سجن “معسكر النصر”، الذي يديره الضابط الانتقالي المتطرف “جلال الربيعي” قائد الحزام الأمني في عدن. وطبقًا للمصادر، فإن غالبية السجناء فيه من أبناء المحافظات الشمالية، ممن اُحتجزوا في نقاط التفتيش التابعة للحزام الأمني على مداخل ومخارج عدن، مؤكدة أنهم يتعرضون لأقسى أشكال التعذيب والامتهان.

ويصنف سجن “قاعة وضاح“ كواحد من أخطر السجون السرية في عدن. يقع في منطقة التواهي، ويتبع جهاز مكافحة الإرهاب بقيادة يسران مقطري، مسؤول مكافحة الإرهاب في أمن عدن، والذي أقيل بتهمة ارتكابه جرائم قتل وإخفاء عديدة، وصدر بحقه أمر قبض قهري العام الماضي، ويقيم حاليًا في الإمارات. ووثقت تقارير حقوقية وفاة مختطفين في هذا السجن تحت التعذيب.

وكشفت تقارير حقوقية عن سجون أخرى في معسكرات رئيسية ومنها: سجن الدائرة الأمنية للانتقالي في معسكر بدر بخور مكسر، ويديره رئيس الدائرة الأمنية في المجلس الانتقالي، العميد أحمد حسن المرهبي، وأغلب المحتجزين فيه بتهم سياسية تزعم مخالفة توجهات الانتقالي بذريعة “تهديد أمن الجنوب”، ويشرف المرهبي مباشرة على الكثير من الانتهاكات والجرائم بحق المختطفين.

إضافة إلى سجن “معسكر الشعب” غرب عدن، والذي يتبع “الحزام الأمني” بإدارة مسؤول الحزام محسن الوالي. ولا يختلف في وحشيّته عن بقية السجون السرية التابعة للانتقالي في حجم الانتهاكات، ويشرف الوالي بنفسه على التعذيب والتنكيل اليومي، وفق مصادر حقوقية وشهادات ضحايا.

وأيضًا سجن “معسكر المشاريع”، في منطقة المنصورة، والذي يديره كمال الحالمي. وبحسب مصادر مطلعة، فقد تحول إلى “مركز للابتزاز المالي”، حيث يستهدف بشكل خاص التجار المنحدرين من المحافظات الشمالية، ويتم ابتزازهم وتهديدهم بمصادرة أملاكهم أو تعذيبهم مقابل دفع فديات مالية طائلة.

وشملت السجون السرّية في المؤسسات الحكومية المختطفة أقسامًا في سجن البحث الجنائي بإدارة أمن عدن الواقعة بخور مكسر، وبعض أقسام السجن المركزي في المنصورة. وأكدت تقارير حقوقية أن هذه المرافق تُستخدم بشكل غير رسمي كأماكن احتجاز تعسفي خارج المسارات القانونية الرسمية.

أبرز الانتهاكات

وبالتزامن مع تصاعد الاختطافات، خلال العقد الماضي، توالت التقارير الحقوقية وشهادات الضحايا التي كشفت عن انتهاكات خطيرة ومتصاعدة للحقوق الأساسية للمختطفين والمحتجزين يمارسها الانتقالي داخل السجون السرية والعامة التابعة له والخاضعة لسيطرته.

وشملت هذه الانتهاكات، وفقًا للتقارير والشهادات، “الاعتقال التعسفي (الاختطاف والإخفاء) خارج الإجراءات القانونية المعروفة”، إضافة إلى “الإخفاء القسري والاحتجاز في مرافق غير قانونية وغير رسمية مع عدم الإفصاح عن مصير الضحايا المحتجزين”.

وأكدت أن احتجاز الضحايا يجري “بدون الاستناد لأي مسوغ قانوني وبدون أي تهمة محددة”. فيما وثّقت التقارير الحقوقية “سوء المعاملة والتعذيب الجسدي والنفسي والاعتداء بشكل مستمر، والحرمان من كل الحقوق بما فيها كشف مصيرهم ومعرفة أماكن تواجدهم وزيارة أقاربهم”. مؤكدة أن “غالبية المعتقلين لم يُعرضوا على المحاكم ولم يحصلوا على الضمانات القانونية الأساسية”.

الجردمي.. أحدث الضحايا

ويعد الشيخ القبلي والناشط “أنيس سعد الجردمي اليافعي”، أحدث ضحايا الانتهاكات في سجون المجلس الانتقالي الجنوبي بمدينة عدن، ففي يونيو الماضي، فارق الجردمي الحياة بعد شهرين من اختطافه من منزله بمنطقة البريقة، وإيداعه في سجن معسكر النصر التابع للحزام الأمني.

وأكدت مصادر حقوقية أن الجردمي، وهو أحد وجهاء يافع، توفي جراء التعذيب الوحشي على يد القيادي في الانتقالي جلال الربيعي ومساعديه في السجن. 

وكانت قوة أمنية بقيادة الربيعي، داهمت منزل الجردمي بتاريخ 2 أبريل 2025، واقتادته إلى المعتقل دون أي مسوغ قانوني أو تهمة محددة، سوى أنه كتب منشورًا على منصات التواصل انتقد فيه المجلس الانتقالي.

وبعد 60 يومًا من الاعتقال والإخفاء القسري، تلقت أسرته اتصالًا في 9 يونيو 2025 يطلب منها القدوم لاستلام جثته، فيما كشفت تقارير التشريح عن آثار تعذيب أدى إلى وفاته.

وتمثل قضية الجردمي، نموذجًا لمأساة المختطفين والمخفيين قسريًا في سجون الانتقالي بعدن، والذين يواجهون الموت تحت التعذيب خارج الرقابة، ولا تزال جراح هذا الملف مفتوحة بانتظار عدالة حقيقية، تجبر الضرر، وتعيد هيبة القانون، وتطوي هذه الصفحة القاتمة.

 

تنويه: هذا الخبر تم نقله تلقائياً من مصدره (بران برس) ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع.