فجر السابع من يناير 2026، أصدر مجلس القيادة الرئاسي اليمني قرارًا بإسقاط عضوية “عيدروس الزبيدي” في المجلس؛ لارتكابه عدّة جرائم في مقدمتها “الخيانة العظمى بقصد المساس باستقلال الجمهورية”، وإحالته إلى النائب العام للتحقيق وفقًا للقوانين النافذة. 

ويُعد الزبيدي، الذي ولد بمنطقة زُبيد جنوبي مدينة الضالع عام 1967، رجل الإمارات الأول جنوب اليمن منذ توليه منصب محافظ عدن في ديسمبر 2015. قبلها كان قد خضع لبرنامج تأهيلي في “أبوظبي” دام ثلاثة أشهر، مع عدد من القيادات العسكرية والأمنية، ليقوموا لاحقًا بتنفيذ أجندات الإمارات في اليمن.

في أبريل 2017، أُقيل من منصبه؛ لإخفاقه في إدارة محافظة عدن، وهي الخطوة التي أثارت غضب الإمارات، وأدت إلى توتر العلاقة بينها والحكومة الشرعية. لتعمد “أبوظبي” إلى تأسيس ما عُرف بـ“المجلس الانتقالي الجنوبي”، برئاسة “الزبيدي”، وتجعل منه واجهة سياسية لمشاريعها وأطماعها في اليمن.

تبنَّى المجلس المطالبة بانفصال جنوب اليمن، ومن خلاله رسّخت “أبوظبي” نفوذها ووسعت سيطرتها على حساب الحكومة اليمنية. ودخل المجلس في مسار صدامي مع مؤسسات الدولة، وخاض، طوال العقد الماضي، سلسلة حروب ضد الحكومة والقوات المسلحة في عدن وأبين وشبوة وسقطرى، وصولًا إلى اجتياح حضرموت والمهرة نهاية العام المنصرم.

تلقى “الزبيدي” تعليمه في الضالع، قبل أن يلتحق بكلية الطيران والدفاع الجوي، ويتخرج منها ضمن الدفعة السابعة. وبعدها التحق بالشرطة العسكرية. وعندما نشبت حرب صيف 1994 اشترك في القتال إلى جانب القوى الانفصالية التي خسرت المعركة، ليفر بعدها مع عسكريين آخرين عبر البحر إلى جيبوتي. ولاحقًا عاد إلى مسقط رأسه في الضالع.

حركة حتم وحكم الإعدام

في أواخر تسعينيات القرن الماضي، أنشئت حركة سياسية معارضة خارج اليمن تنادي بالانفصال تحت شعار “حق تقرير المصير”، واتخذت اسمها من هذا الشعار (حتم). وأنشأت الحركة ذراعًا عسكريًا أُوكلت قيادته الميدانية للمقدم عيدروس الزبيدي، الذي عمل على تجنيد عشرات المسلحين وبدأ بتنفيذ اغتيالات وتفجيرات ضد مسؤولين وقيادات عسكرية وأمنية في الضالع وبعض المناطق الجنوبية.

ومن أبرز العمليات التي خطط لها الزبيدي، محاولة اغتيال الرئيس السابق صالح عبر تفجير موكبه القادم آنذاك من عدن، إلا أن الأجهزة الأمنية اكتشفت المخطط وأحبطته، وقبضت على عدد من العناصر المكلفة بالتنفيذ، والذين اعترفوا بكل تفاصيل العملية. 

 على خلفية تلك الأعمال الإرهابية، حُوكم “الزبيدي” غيابيًا وصدر بحقه حكم بالإعدام، غير أن توقف الدعم المالي الذي كانت تتلقاه الحركة توقف مطلع الألفية، ما أدى إلى توقف أعمالها. وفيما بعد أصدر الرئيس صالح قرارًا بالعفو العام خلال إحدى زياراته للضالع.

الدعم الإيراني

توارى “الزبيدي” عن الأنظار لعدّة سنوات، ثم عاود الظهور مع انطلاق ثورة الشباب الشعبية عام 2011، معلنًا استئناف نشاط حركة (حتم) بإشراف علي سالم البيض. حينها تحالف البيض مع إيران واستقر في الضاحية الجنوبية لبيروت، وأثمر التحالف والتنسيق بين الجانين دعمًا للحركات المسلحة في اليمن، شملت جماعة الحوثي شمالًا، وحركة حتم في الجنوب.

بعد حصوله على الدعم الإيراني بدأ الزبيدي، بتشكيل معسكر في محيط قرية الزَنَد بمنطقة زُبيد، وهو المعسكر الذي استهدفته غارات التحالف العربي مؤخراً. 

في ذلك المعسكر جرى تدريب عشرات المسلحين التابعين للزبيدي، وتلقّى بعضهم دورات تدريب إضافية لدى الحوثيين في صعدة، بينما التحق آخرون بدورات تأهيل عسكرية متقدمة في لبنان وإيران. وكان “مؤمن السقاف”، أحد العناصر الذين حصلوا على عدّة دورات تدريبية، وظل مرافقًا لصيقًا بالزبيدي طوال تلك الفترة.

كان هدف التحالف والتنسيق مع إيران استهداف الحكومة اليمنية والمملكة العربية السعودية بإشراف مكتب التنسيق في ضاحية بيروت، والذي ضم ضباطًا إيرانيين ولبنانيين، إلى جانب عناصر حوثية وأخرى جنوبية. 

حينها، كان المدعو “أبو علي الحضرمي”، الذي ظهر مؤخرًا في اجتياح حضرموت، أحد عناصر هذا التنسيق، والصديق المقرب من عيدروس الزبيدي. ومن أبرز العمليات الإرهابية المنسوبة للحضرمي، اختطاف نائب القنصل السعودي في عدن عام 2012.

الانقلاب على إيران

بدأت عناصر الزبيدي المسلحة باستهداف المعسكرات والنقاط الأمنية في الضالع وردفان. وكانت تعلن مسؤوليتها عن العمليات أحيانًا باسم حركة “حتم” وأخرى باسم “المقاومة الجنوبية”. واستمرت تلك العمليات الإرهابية حتى سقوط العاصمة صنعاء في قبضة الحليف الحوثي في 21 سبتمبر 2014. 

ومع تصاعد السخط الشعبي ضد الحوثيين في محافظات الجنوب، لجأ حلفاء الجماعة الجنوبيون للبحث عن طريق آخر، خاصة وأن طهران أبلغت البيض بأنها ستوقف دعمها المالي له بعد سيطرة الحوثيين على صنعاء.

وتحت الضغط الشعبي الذي تشكل في الضالع إثر تقدم الحوثيين صوب وسط وجنوب اليمن في مارس 2015، اتخذ الزبيدي قرار مفاجئ بالانقلاب على حلفائه الحوثيين، والتحق بالمقاومة. ومع ذلك، رفض معظم قيادات المقاومة في الضالع التعاون معه لارتباطه الوثيق بالمحور الحوثي- الإيراني.

الدعم الإماراتي

بعد تحرير عدن، بدأت لقاءات الزبيدي بالقيادات العسكرية والسلفية الموالية للإمارات، والتي قدمته للضباط الإماراتيين بأنه الشخص المناسب ليكون حليفًا مخلصًا لأبوظبي في اليمن، وأثبت لهم إخلاصه عند توليه منصب محافظ عدن، من خلال تسخير مقدرات العاصمة المؤقتة لليمن في خدمة الأجندة الإماراتية.

ولاحقًا، نفّذ مخطط الاغتيالات ضد قيادات ورموز عدن الاجتماعية والدينية والسياسية ورموز المقاومة الشعبية. وحينها، تعرض العشرات من أئمة المساجد وقيادات المقاومة للاغتيال والتصفية. وشهدت فترة إدارته للمحافظة، ارتكاب جرائم التهجير الجماعي للمواطنين من أبناء المحافظات الشمالية.

وبعد إقالته، بدأ في مواجهة الحكومة عبر المجلس بدعم إماراتي لا محدود، وتمكّن بفضل هذا الدعم من إخراج الحكومية من عدن والمحافظات المجاورة أواخر 2019، وإعلان الإدارة الذاتية للجنوب. ورغم تدخل السعودية لاحتواء الموقف وتوقيع “اتفاق الرياض” الذي أشرك الانتقالي في نصف الحكومة إلا أن المجلس بقيادة عيدروس ظل يفرض هيمنته ويطالب بالانفصال التام.

وواصل الزبيدي ومجلسه وضع العراقيل أمام تنفيذ الاتفاق، مما فاقم الأوضاع وضاعف التوترات، لتتدخل الرياض مرة أخرى لاستضافة “مشاورات الرياض” والتي أفضت لإعلان نقل السلطة من الرئيس هادي إلى مجلس قيادة رئاسي من ثمانية أعضاء بعضوية الزبيدي.

ومع ذلك، ظل الزبيدي عائقًا أمام عمل المجلس، واستغل منصبه لإصدار تعيينات انفرادية لعناصره في مناصب عليا. وجسّد حالة من الازدواج الإداري والسياسي، من خلال عضويته في مجلس قيادة يمثل شرعية اليمن ككل، وترؤسه مكون انفصالي يمنحه ألقاب وتوصيفات مناقضة مثل “قائد القوات المسلحة الجنوبية”. 

الهروب الكبير 

وبالتوازي، استمر في تشكيل وحدات عسكرية خارج إطار وزارتي الدفاع والداخلية. وأواخر نوفمبر الماضي، أقام عرضًا عسكريًا لقوات ما أسماه “جيش الجنوب”، معلنًا العزم على إعلان دولته الجديدة. وظهر في العرض خلف سياج واقي من الرصاص في محاكاة لأسلوب نصرالله والحوثي.

وكان قراره الأخيرة بالتصعيد شرقي اليمن، رافضًا الدعوات المحلية والجهود السعودية لاحتواء التصعيد، ومصرًا على مواجهة الحكومة والتحالف والمجتمع الدولي. وهذا التصعيد المدعوم إماراتيًا، دفع الحكومة اليمنية لإنهاء الاتفاقية الدفاعية مع الإمارات، وإمهال قواها 24 ساعة لمغادرة اليمن، مع طلب تدخل التحالف لحماية المدنيين ووقف أنشطة الانتقالي المزعزعة للاستقرار والمركز القانوني للدولة.

ومع تحرك الحكومة والتحالف لاستعادة الأمن شرق اليمن، بالتوازي مع دعوة لمؤتمر جنوبي-جنوبي في الرياض، اختار الزبيدي التحصّن في عدن، وبدأ بتوزيع السلاح ونقل شحنات عسكرية إلى مرتفعات الضالع.

ورغم منحه مهلة 48 ساعة للحضور إلى الرياض، وفي اللحظة التي كان يفترض صعوده على الطائرة مع وفد المجلس، اختار الهروب إلى جهة مجهولة. فيما واصلت القوات الحكومية بإسناد من التحالف التقدم نحو شبوة وأبين وعدن بعد تأمين حضرموت والمهرة، ومن ثم أعلن مجلس القيادة إسقاط عضويته، واعتباره خائنًا متمردًا على الشرعية والإجماع الوطني. 

وبهذا طويت صفحة الزبيدي، في غضون أيام، لتصمت البندقية المرتهنة منذ عقود، ويُسدل الستار على مسيرة مأزوم أدمن سفك الدماء وتقمّص دور “الرئيس الغاضب”، مستندًا في رفسته العشرية الأخيرة إلى الدعم الإماراتي، وأوهام الشرعية الدولية عبر بوابة التطبيع. 

بطاقة تعريفية

-    عيدروس قاسم عبدالعزيز الزُبيدي.

-    مواليد 1967 منطقة زبيد الضالع.

-    خريج من كلية الطيران والدفاع الجوي.

-    عمل في الشرطة العسكرية حتى حرب 1994.

-    قاد عمليات إرهابية تحت باسم (حتم) في الفترة (1998-2000).

-    تولى منصب محافظ عدن من ديسمبر 2015 حتى أبريل 2017.

-    ترأس المجلس الانتقالي الجنوبي المطالب بالانفصال منذ تأسيسه في مايو 2017.

-    عضو مجلس القيادة الرئاسي منذ أبريل 2022، حتى إسقاط عضويته في يناير 2026.

 

تنويه: هذا الخبر تم نقله تلقائياً من مصدره (بران برس) ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع.