أخلص لمحافظته "مأرب" ولليمن عموماً، وافتداهما بدمه شاباً يافعاً ومصوراً محترفاً وإعلامياً طموحاً وقبل كل ذلك إنساناً من طينة هذه الأرض، "كريماً وودوداً" كما يقول عنه كل من عرفه، وقالته "كاميرته" كذلك والتي مات وهو محتضناً لها في استهداف حوثي غادر.
ففي 13 أبريل/ نيسان 2018 وفي منطقة قانية بمحافظة البيضاء المحاددة لمأرب، غادر "القادري" وهو الصورة والخبر، رغم أنه لم يكن يبحث هناك عن بطولة، بل كان موثقاً وباحثاً عن صورة صادقة من قلب المعركة.
"القادري" خرج صباح ذلك اليوم من منزله، كعادته حاملاً كاميرته، التي لم تفارقه منذ اختار أن يكون شاهداً على الحقيقة، لم يحمل بندقية، ولم يقف خلف متراس، بل وقف حيث يقف الصحفيون دائماً بين الحقيقة والخطر.
وفي ذكرى استشهاده الـ 8، وعند النظر إلى ما تركه "القادري" من إرث ومحبة لم ينسها له زملاؤه وأصدقاؤه، ندرك أنه كان يعرف أن الطريق الذي اختاره لا يقود إلى حياة طويلة، بل إلى معنى طويل.
والقادري، حتى يوم استشهاده كان قد بلغ عمره الصحفي والإعلامي 8 أعوام، حيث بدأ عمله الإعلامي مصوراً في ثورة 11 فبراير 2011، بينما كان يمشي في الربيع الـ 28، فهو من مواليد 1990، بوادي عبيدة.
ومع عمره القصير، إلاّ إنه كان قد تجاوز أقرانه في الحقل الصحفي والإعلامي إذ صار له حضور كبير كما أن أعماله وصوره وصلت إلى بعض وكالات دولية ومنها الوكالة الفرنسية.
ساعده ذلك وفق ما تحدث عنه عدد من زملائه في مركز سبأ الإعلامي الذي كان أحد كوادره، بحثه الدائم عن ما يطور من أدائه المعرفي والمهني، كما كان يتعلم بسرعة، فأصبح في بضع سنين قليلة علماً من أعلام المشهد الإعلامي في محافظة مأرب مصوراً ومراسلاً ومتعاوناً مع عدد من المؤسسات الإعلامية المحلية والدولية.
وعند النظر إلى مسيرته المهنية نجد أنه عمل مصوراً لقناة بلقيس الفضائية، ومتعاوناً مع الوكالة الفرنسية، وقناة سهيل، إضافة إلى عمله في القسم المرئي في مركز سبأ الإعلامي، فضلاً عن نشاطه الإعلامي والمجتمعي الواسع.
من أرض سبأ
وُلد القادري واسمه كاملاً هو "عبد الله حسن علي القادري"، عام 1990 في قرية آل عبد القادر بمديرية الوادي بمحافظة مأرب، تلقى تعليمه الأساسي في مدرسة الشيخ عامر حصيان بمنطقة جو العبر، ثم واصل دراسته الثانوية في مدرسة الدار الخيرية بحصون آل جلال.
منذ سنواته الأولى، بدا شغوفاً بالإعلام والعمل العام. اختار دراسة الإعلام والعلاقات العامة في جامعة العلوم والتكنولوجيا، حيث حصل على درجة البكالوريوس عام 2014، واضعاً أولى خطواته المهنية نحو عالم الصحافة.
لكن حضوره لم يقتصر على الإعلام فقط، فقد عُرف كشخصية اجتماعية شابة ذات تأثير قبلي ومجتمعي، عمل وسيطاً للإصلاح بين الناس، وساهم في مساعدة الأسر المحتاجة ودعم طلاب العلم في منطقته.
ميلاد نجم
في ثورة 2011، لمع نجم "القادري" في سماء وأرض محافظة مأرب، حيث شارك في قيادة ساحة الحرية، ووثّق أحداثها ومسيراتها الجماهيرية بعدسته، مؤمناً بأن الكاميرا يمكن أن تكون أداة تغيير لا تقل تأثيراً عن أي وسيلة أخرى.
وعند انقلاب جماعة الحوثي المصنفة دولياً في قوائم الإرهاب وبدئها الحرب وزحفها باتجاه مأرب وجد القادري نفسه أمام اختبار جديد، نقل الحقيقة في زمن الحرب، حين أصبحت مأرب خط الحقيقة.
ومع بدء الهجوم الحوثي على المحافظة، كان القادري من أوائل الإعلاميين الذين واكبوا الاستعدادات القبلية والاجتماعية للدفاع عن المحافظة. وثّق اللقاءات القبلية، والمطارح، وحالة التعبئة المجتمعية التي سبقت المعارك، وعندما اشتدت المواجهات، أصبح حضوره في خطوط التماس أمراً معتاداً.
سلاح الكاميرا
منذ مطلع العام 2015 تغيرت حياة القادري تماماً غدا وقته كله في الجبهات ومن النادر أن تجده في المدينة وفي منزله، ظل مطارداً للصورة التي تشرح ما يحدث للناس البعيدين عن صوت المعركة.
وفي وقت كانت فيه الشائعات تتكاثر، تحولت صفحته الشخصية إلى مصدر موثوق للأخبار الميدانية حول مأرب، حتى أن جماعة الحوثي لجأت أكثر من مرة إلى نشر شائعات عن مقتله في محاولة للتأثير على معنويات جمهورها.
أصيب القادري عدة مرات أثناء تغطيته المعارك، أبرزها خلال تغطية تحرير معسكر الفرصة عام 2016، لكنه عاد في كل مرة إلى الميدان.
اللقطة الأخيرة
في الـ 13 من أبريل 2018، تناقل الناس في مأرب والمحافظات اليمنية بل وعدد من الوكالات الدولية اللقطة الأخيرة لعبدالله القادري الذي لم يأخذها لنفسه ولمن حوله بالطبع ولكاميرته كذلك التي ظهرت مضرجة بدمة، لتغدو إلى اليوم شاهدة على واحدة من أكثر لحظات الصحافة اليمنية قسوة.
يومها كان قد تقلد القادري كاميرته متجهاً مع عدد من زملائه نحو جبهة قانية، حيث كانت المعارك مشتعلة، لم يكن ذاهباً مقاتلاً، بل ناقلاً للحقيقة.
وأثناء تغطيته المباشرة لانتصار ميداني للجيش الوطني، استهدف الحوثون الموقع بصاروخ حراري موجّه، فأصابت القذيفة الصحفي الشاب الذي دفع حياته ثمناً للصورة التي أراد إيصالها.
عدسة لن تموت
بعد استشهاده، عُثر على كلمات كتبها بخط يده فيها أشار "منذ بداية الحرب وأنا أبحث عن الشهادة، وكم أحزن حين لا تستجاب دعوتي."
بدت الجملة وكأنها تلخيص لحياة عاشها بكامل إيمانه بما يفعل، إلا إنها عدسة لا تموت، فـ "عبد الله القادري" لم يترك أرشيف صور أو تقارير ميدانية، ترك إرثاً من القيم المهنية لصحفي وثق الحقيقة وانحاز للناس، وآمن بأن الكاميرا يمكن أن تكون صوتاً لمن لا صوت لهم.
تنويه: هذا الخبر تم نقله تلقائياً من مصدره (بران برس) ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع.