في لحظةٍ حزينة، غيّب الموت في العاصمة المصرية القاهرة الفنان اليمني الكبير عبدالرحمن الحداد، عن عمر ناهز 76 عاماً، بعد مسيرة فنية وإعلامية استثنائية امتدت لأكثر من نصف قرن، جعلته أحد أبرز رموز الأغنية اليمنية الحديثة، وصوتاً ارتبط بالهوية الجامعة.
وبرحيله، تفقد الساحة الفنية اليمنية أحد أبرز الأصوات التي جمعت بين الغناء والإعلام، وأسهم في ترسيخ حضور الأغنية اليمنية في الذاكرة الثقافية لأجيال متعاقبة.
وُلِد عبدالرحمن بن عبدالله الحداد في مدينة المكلا عام 1950، في بيئة حضرمية محافظة مرتبطة بالعلم والدين.
في سن الخامسة عشرة، وقف بجرأة على خشبة المسرح ليغني لـ“العملاق” أبوبكر سالم أغنية “علمتني شلون أحبك”، في لحظة شكلت باكورة حضوره الفني وبداية مسيرته الغنائية، ليحمل لاحقاً لواء الأغنية الحضرمية والصنعانية معاً.
لم يكتفِ الحداد بموهبته الفنية، بل عززها بتكوين علمي رصين، إذ غادر إلى بغداد عام 1966 لدراسة الصحافة والإعلام، وتخرج بتقدير امتياز، وعاد إلى وطنه متسلحاً بالعلم والفن وحب الوطن.
بين الميكروفون والوتر
عاش الحداد حياةً مهنية مزدوجة قلّما تتكرر، فبينما كان الجمهور يترقب صوته الرصين عبر نشرات الأخبار في إذاعات وتلفزيونات المكلا وعدن وصنعاء، كان هو ذاته الذي يشنف آذانهم في المساء بأعذب الألحان.
اشتهر بلقب "فنان المواعيد"، ليس لالتزامه بالوقت فحسب، بل لارتباط عدد من أبرز أعماله الفنية بفكرة الموعد والانتظار، من "على الميعاد" إلى "تأجل الميعاد"، وصولاً إلى "يا محلى اللقاء حتى بلا ميعاد".
كان يمتلك قدرة فريدة على التنقل بين المدارس الغنائية، فبينما أبدع في اللون الحضرمي، أجاد اللون الصنعاني بروحٍ جعلته فناناً لكل اليمنيين، عابراً للحدود الجغرافية والسياسية.
لم يكتفِ الحداد بالنطاق المحلي، بل غدا سفيراً للفن اليمني في الوطن العربي، خصوصًا الكويت والسعودية ومصر.
وطوال مسيرته التي امتدت لـ60 عاماً، حصد أرفع الأوسمة، منها وسام الفنون والآداب من الدرجة الأولى عام 1989، تقديراً لدوره في صياغة الوجدان اليمني.
رحيل صامت
رغم رحيله بعيداً عن الوطن في القاهرة، فإن أيامه الأخيرة اتسمت بالهدوء وقربه من عائلته حتى اللحظات الأخيرة.
ونعت ابنته، الفنانة رنا الحداد، والدها بكلمات مؤثرة عبر "فيسبوك"، وهي التي سارت على خطاه الفنية، ليتحول منشورها إلى ساحة عزاء إلكتروني ضم آلاف المحبين والزملاء. ونعى الفنان اليمني حسين محب الراحل، واصفاً رحيله بـ“الخسارة الفادحة”.
وتداول نشطاء مواقع التواصل الاجتماعي أغنيته الشهيرة "وحدة وبالوحدة لنا النصر مضمون" على نطاق واسع، مؤكدين أنها التحفة الفنية التي ستظل تذكر اليمنيين بصوتٍ آمن بالوطن في أوج انكساراته، وبفنانٍ عاش ملتزماً بمواعيد الفن والجمال، وغادر الحياة اليوم "بلا ميعاد".
صوت وطني عظيم
وصف رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، الحداد بأنه "واحد من أعظم الأصوات الغنائية التي حملت الهوية اليمنية إلى آفاق واسعة".
وأشاد العليمي، في بيان نعي، بالإرث الغنائي والموسيقي للفنان الحداد، وإسهاماته الفريدة التي جمعت بين الأصالة والتجديد في الفن والموسيقى والغناء اليمني عموماً، والأغنية الحضرمية خصوصاً.
فيما اعتبرت وزارة الثقافة رحيل الحداد "خسارة فادحة لأحد أعمدة الفن الذين رسخوا الهوية اليمنية الجامعة"، مضيفة أن للحداد مسيرة فنية وإعلامية حافلة امتدت لأكثر من نصف قرن، كان خلالها أحد أبرز رموز الأغنية اليمنية، وصوتاً صادقاً ارتبط بالهوية اليمنية الجامعة، وعبّر بإبداعه عن وجدان الوطن وآمال أبنائه.
وأشارت إلى أن الحداد مثّل قامةً فنية استثنائية، وأسهم عبر عطائه الغنائي في ترسيخ حضور الأغنية اليمنية وتعزيز مكانتها، وترك إرثاً فنياً خالداً، قالت إنه سيظل حاضراُ في ذاكرة الأجيال، بما حمله من مضامين وطنية وإنسانية جسّدها في أعماله التي لامست وجدان الشعب اليمني.
كما لفتت إلى حضوره البارز في المجال الإعلامي، منذ بدايات مسيرته مذيعًا ومعدًا للبرامج في إذاعة المكلا، قبل أن ينتقل إلى إذاعة وتلفزيون عدن، ثم واصل إسهاماته في صنعاء، جامعًا بين الرسالة الإعلامية والعمل الثقافي.
وذكرت أنه شغل منصب مستشار لوزير الثقافة، ونال وسام الفنون والآداب من الدرجة الأولى تقديرا لإسهاماته في خدمة الثقافة والفن اليمني. مؤكدة أن رحيله مثل خسارة كبيرة على الساحة الثقافية والفنية والابداعية، وفقدانا لأحد أعمدة الفن اليمني الذين أسهموا في ترسيخ الهوية الفنية وتعزيز حضورها.
وبرحيل الفنان الحداد، تطوي الأغنية اليمنية صفحة أحد أبرز الأصوات التي جمعت بين الإعلام والفن والغناء على مدى عقود.
ومنذ اللحظات الأولى لرحيله، تحولت منصات التواصل الاجتماعي إلى ساحة نعي واسعة من قبل فنانين وإعلاميين ونشطاء ومواطنين يمنيين وعرب، مستذكرين إسهامات الحداد الفنية والإعلامية، ومشاركين مقاطع من أعماله التي ما زالت حاضرة في الذاكرة الغنائية اليمنية.
تنويه: هذا الخبر تم نقله تلقائياً من مصدره (بران برس) ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع.