أفرزت المواجهة الأمريكية الإسرائيلية مع إيران إغلاق مضيق هرمز؛ فبينما أعلنت طهران من جانبها السماح بعبور سفن محددة، ردّت الولايات المتحدة الأمريكية بفرض حصار بحري، ومنعت بموجبه عبور السفن من وإلى موانئ إيران، مما أدى إلى إغلاق شبه تام للمضيق.

ويعتمد الحوثيون، كأحد أبرز وكلاء إيران، بدرجة أساسية على الدعم العسكري والاقتصادي القادم من إيران عبر هذا المضيق، والذي تسيره شبكة تهريب واسعة النطاق إلى سواحل اليمن.

ومع إغلاق المضيق، صار الحوثيون مهددين بانقطاع “شريان الحياة” عنهم، مما يؤدي إلى عجز سلطتهم في صنعاء على الصمود.

تكيّف دول الخليج

في خضم هذه التطورات، ابتكرت إيران مسلكًا احتياليًا لتهريب سفنها من الحصار البحري الأمريكي، إذ تعتمد على ما يُعرف بـ“الزحف الساحلي” للالتفاف على الرقابة الصارمة في المياه الدولية. 

ورغم تصريح “ترامب” مطلع الأسبوع الجاري بأن الجيش الأمريكي يفرض حصارًا كاملًا على إيران، إلا أن 34 ناقلة نفط إيرانية على الأقل تجاوزت آليات الرقابة الأمريكية ووصلت الهند. 

وبحسب مركز أبحاث “وول ستريت”، فإن إيران تستغل ثغرة قانونية عبر تهريب نفطها بمحاذاة ساحلها باتجاه باكستان دون الدخول إلى المياه الدولية حيث يمكن للولايات المتحدة اعتراضها، ومن هناك تمر السفن عبر مياه باكستان والهند الساحلية باستخدام إجراء يُدعى “المرور البريء”.

 ويُعد هذا الإجراء حقًا مضمونًا بموجب القانون الدولي لا تستطيع الدول الساحلية عرقلته، كما أن الجيش الأمريكي لا يملك سلطة توقيف السفن الإيرانية بمجرد دخولها تلك الممرات.

أما دول الخليج العربي، فبالرغم من تحويل إيران هرمز لورقة ضغط استراتيجية ومنع مرور النفط، إلا أنها في الواقع تمكنت من تصدير الطاقة عبر ممرات بديلة؛ حيث أثبتت السعودية قدرتها على نقل الطاقة من المنطقة الشرقية عبر أنبوب بري إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر بقدرة تصل إلى 7 ملايين برميل يوميًا، بينما تصدر الإمارات نفطها عبر الفجيرة إلى بحر العرب.

كما شرعت قطر بتفعيل استثماراتها الضخمة في مشاريع الغاز بالولايات المتحدة، مثل مشروع “غولدن باس”، مما أمن لها القدرة على الوفاء بالتزاماتها تجاه أوروبا من خارج مياه الخليج.

هذا التكيف الجماعي يشير عملياً إلى أن “ورقة هرمز” التي لوحت بها إيران لثلاثة عقود كأداة ردع استراتيجية، قد فقدت مفعولها الحقيقي كأداة لشل الاقتصاد العالمي.

تهديد مباشر للحوثيين

يُعد الحوثيون أهم وكلاء إيران حاليًا، بعد الضربات التي تلقاها “حزب الله” اللبناني، وبعد أن أثبتوا قدرتهم على إقلاق أمن البحر الأحمر ومضيق باب المندب خلال السنتين الماضيين. لذا فإن الحصار البحري على إيران يمثل تهديدًا مباشرًا لسلطة الجماعة الموالية لطهران في صنعاء.

ويعتمد الحوثيون على مضيق هرمز في توريد الغاز الإيراني “المجاني” لتمويل مجهودهم الحربي؛ بعد أن كانوا يعتمدون على الغاز المنزلي القادم من مأرب عقب سيطرتهم على صنعاء.

وبحسب مختصين حصد الحوثي من فارق سعر كميات غاز مأرب خلال 2022 أكثر من 200 مليون دولار، لكنه في العام ذاته أوقف التوريد واستبدله بالغاز الإيراني الذي حصل عليه كمنحة.

وفي أبريل/نيسان 2025، فرضت الخزانة الأمريكية عقوبات على كبير مسؤولي الغاز الطبيعي الإيراني “سيد اسد الله إمام جمعة” وشبكته التجارية، واعتبرت أن الغاز والبترول المسال والنفط الخام تُشكل جميعها مصدر دخل رئيسي لإيران ووكلائها في المنطقة، وأبرزهم جماعة الحوثي.

ويبيع الحوثيون أسطوانة الغاز المنزلي (20 لترًا) بسعر 6500 ريال من الطبعة القديمة (ما يعادل 12 دولارًا)، في حين لا يتجاوز سعرها 4 دولار في المناطق المحررة، وهو ما يُعد مصدر إثراء مهم لتمويل حروبهم العسكرية.

وإلى جانب إمداد الوقود، يحصل الحوثي على دعم عسكري واسع من إيران، يشمل أسلحة متطورة ومكونات تقنية، مما مكنهم من امتلاك ترسانة صواريخ ومسيرات متقدمة، وفقاً لتحقيقات وتقارير دولية متعددة، بما فيها تقارير فريق الخبراء الأممي المعني باليمن.

وتتنوع هذه الأسلحة بين صواريخ باليستية، وصواريخ كروز، وطائرات بدون طيار “مسيرات”، وزوارق مفخخة تستخدمها لاستهداف الملاحة الدولية.

ووفقًا لتقارير “مجموعة الأزمات الدولية”، تستخدم إيران شبكات تهريب معقّدة ومتعددة الوسائط لإيصال هذه الأسلحة إلى الحوثيين، وتعتمد أساسًا على الحرس الثوري لإدارة هذه العمليات. 

وتتخذ طرق التهريب مسارات متعددة، تبدأ من موانئ إيران أبرزها “بندر عباس” و“جاسك”، حيث تُشحن في سفن كبيرة أو قوارب صيد، ثم تُفرغ في قوارب أصغر قبالة سواحل الصومال (منطقة بونتلاند) بالتعاون مع شبكة تهريب محلية، لتُنقل لاحقًا إلى الحوثيين عبر سواحل الحديدة (الصليف ورأس عيسى) أو عبر محافظة المهرة شرقًا.

وجميع هذه الإمدادات العسكرية تمر عبر مضيق هرمز الذي يخضع الآن لحصار شبة تام، وقد بدأت مؤشرات ذلك تظهر في أزمة لوجستية واقتصادية حادة لدى الجماعة في صنعاء.

أزمة مالية ومخاوف متصاعدة

وقال مصدر في وزارة الدفاع في حكومة الجماعة غير المعترف بها لـ“برّان برس” عدم استلام مستحقاتهم المالية منذ شهر رمضان، أي بداية اندلاع المواجهة الأمريكية الإيرانية، وهذا ينطبق على بقية الموظفين في السلك المدني، مشيرًا إلى وجود عجز تام في حركة الدوائر الحكومية.

وأضاف المصدر، الذي طلب عدم ذكر اسمه، أن الجماعة قادرة على تسليم الرواتب من مخزون المال الذي لديها، ومن أموال الضرائب، لكنها تتخوف من إطالة أمد الحصار البحري على إيران، وتعطل سلاسل الإمداد المالي والعسكري الإيراني، ولهذا تفضل الاحتفاظ بما لديها من مخزون عسكري ومالي كـ“احتياط طوارئ” في حال تجدد المعارك مع الحكومة المعترف بها دوليًا.

وتشير التقديرات إلى استمرار الصراع الأمريكي الإيراني، وعدم فتح مضيق هرمز على المدى القريب، وهو ما يجعل الحوثي يشعر بخطر تآكل سلطته، خاصة إذا استمر الحصار البحري طويلًا.

التوجه الأمريكي لإغلاق الثغرات القانونية والميدانية أمام طهران، يضع الجماعة الحوثية في صنعاء أمام خيارات أحلاها مرّ؛ فبينما تنجح دول المنطقة في تحييد مخاطر إغلاق المضيق، يواجه الحوثيون إجراءات “التجفيف المالي” وحيدون بعد سنوات من الاتكاء على المنح الإيرانية. 

وإذا ما استمر الحصار لفترة أطول، فإن استنزاف المخزون المالي والعسكري للطوارئ قد يحول أزمة الرواتب واللوجستيات الحالية إلى انهيار هيكلي متسارع، يجعل من بقاء سلطة الجماعة رهيناً بمدى قدرتها على الصمود أمام واقع جيوسياسي جديد، لم تعد فيه “ورقة هرمز” قادرة على حماية حلفاء طهران.

 

تنويه: هذا الخبر تم نقله تلقائياً من مصدره (بران برس) ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع.