على مدى خمسة أيام، تحولت منطقة اليتمة شمالي محافظة الجوف (شمال شرقي اليمن) إلى ساحة احتشاد قبلي واسع فيما يُعرف بـ“المطارح”، عقب اختطاف جماعة الحوثي المصنفة دوليًا في قوائم الإرهاب، لأحد مشائخ “ذو حسين”.
تدفقت حشود قبائل “بكيل” من عدّة محافظات استجابة لداعي “النكف”، في واحدة من أكبر حالات التعبئة القبلية خلال الفترة الأخيرة، قبل أن تنجح وساطة قبلية في إنهاء الأزمة بإطلاق الشيخ المختطف.
لكن التهدئة لم تصمد طويلًا، إذ قُتل في اليوم التالي أحد أبرز المشائخ المشاركين في “النكف” عند نقطة تفتيش تابعة للجماعة، في واقعة ربطتها مصادر قبلية بدوره في قيادة التحرك الشعبي.
تكشف هذه الوقائع نهج تعامل الجماعة الحوثية مع القبائل، يقوم على استخدام القوة المباشرة، واستهداف القيادات القبلية، والتأثير في توازناتها الداخلية، بما يُضعف بنيتها ويُعيد تشكيل أدوارها.
ومنذ تراجع المعارك عقب الهدنة الأممية في أبريل/نيسان 2022، اتجهت الجماعة نحو الداخل، مستهدفة القبائل بالحصار والاغتيالات والاعتقالات والجبايات وإثارة النزاعات، إلى جانب فرض “المشرفين” على حساب الأعراف القبلية.
تصعد متعدد الأدوات
رصد معد التقرير 20 حادثة خلال الفترة بين أبريل 2025 وأبريل 2026، شملت حصار مناطق قبلية، واستهداف مشائخ ووجهاء، ومداهمات واعتقالات، واعتداءات على منازل بالاقتحام أو التفجير والنهب، إضافة إلى تدخلات في نزاعات داخلية.
تركزت الحوادث في الجوف وعمران وصنعاء والبيضاء وصنعاء، وامتدت إلى إب والضالع، وأسفرت عن مقتل أكثر من 50 شخصًا وإصابة العشرات، بينهم مشائخ ووجهاء، إلى جانب أكثر من 53 حالة اعتقال وإخفاء قسري.
ويقتصر هذا الرصد على الحوادث التي تدخلت فيها الجماعة بشكل مباشر ضد القبائل، ولا تشمل النزاعات البينية أو الحوادث الفردية، استنادًا إلى مصادر إعلامية وقبلية.
وشملت 9 حوادث فرض حصار عسكري مباشر باستخدام الأطقم والمدرعات والطيران المسيّر، استمر بعضها لأيام وأسابيع، وانتهى باقتحام القرى وتنفيذ اعتقالات جماعية. ومن أبرزها حصار “حنكة آل مسعود” في البيضاء، الذي أسفر عن مقتل 30 مدنيًا وتفجير 11 منزلًا، واعتقال عشرات المدنيين.
كما سُجلت 7 عمليات استهداف مباشر لمشائخ ووجهاء، عبر الاغتيال أو الاختطاف أو فرض الإقامة الجبرية، كما في حالة الشيخ حمير الأحمر، في سياق مرتبط بأدوارهم في الحشد أو الوساطة أو رفضهم توجيهات الجماعة.
وارتبطت 6 حوادث بمحاولات فرض جبايات، وثلاث حوادث بمحاولات الاستيلاء على أراضٍ وممتلكات زراعية، فيما أظهرت حادثتان تدخلًا مباشرًا في نزاعات قبلية عبر دعم أطراف على حساب أخرى.
جذور وسياق متحول
قال الباحث والأكاديمي، عادل دشيلة، إن النزاعات في المجتمع القبلي اليمني متعددة الأوجه، وأبرزها “النزاعات على الأراضي والمرعى والماء والثارات القبلية”، والتي اعتبرها “السمة السلبية” في هذا المجتمع.
وأضاف، في حديث خاص لـ“برّان برس”، أن “الثارات القبلية موجودة منذ عشرات السنين، ولم تُحل كثير من هذه القضايا، وهي من أبرز المعوقات التي تواجه البنية القبلية”، مشيرًا إلى أن “هناك ثارات كثيرة سقط فيها مئات الضحايا خلال الأعوام العشرة الماضية، منها ثارات في الحداء وفي البيضاء، وعمران، وصنعاء وغيرها”.
من جانبه، قال الناشط الحقوقي، ناصر الصانع، إن محافظة البيضاء، وخصوصًا مديريات رداع السبع، “شهدت خلال السنوات الأخيرة تصاعداً ملحوظًا في النزاعات القبلية”، مضيفًا أن “هذه النزاعات لم تعد حوادث متفرقة، بل أصبحت نمطًا شبه دائم”.
وربط هذا التصاعد بعدة عوامل، أبرزها “تغذية جماعة الحوثي لهذه النزاعات، وتداخل العوامل القبلية مع الصراع المسلح الأوسع”، إلى جانب “إعادة إحياء منظومات الثأر في ظل غياب القضاء الفاعل”.
أنماط النزاع
أوضح “الصانع” أن النزاعات تتركز في نمطين أساسيين؛ أولهما “الثارات القبلية” وهي الأكثر شيوعًا وخطورة، إذ تقوم على منطق “الدم بالدم”، وغالبًا تتوارثها الأجيال، متحولة “من حادثة فردية إلى صراع ممتد يهدد السلم الاجتماعي لعقود، ولا يتوقف عند حدود أطرافه المباشرين بل يتوسع ليشمل القبيلة بأكملها”.
أما النمط الثاني، فيتعلق بـ“النزاعات على الأراضي والحدود، خصوصًا في المناطق الزراعية أو ذات الأهمية الاقتصادية مثل مزارع القات أو الأراضي الخصبة، والتي “تبدأ كخلافات محدودة، لكنها سرعان ما تتصاعد وتتحول إلى ثارات مفتوحة”.
غياب الدولة وتعدد المصالح
أشار “دشيلة” إلى أن معالجة هذه النزاعات تظل رهينة بوجود دولة قادرة على الحسم، مؤكدًا أن النظام القبلي “نظام مجتمعي محلي يحاول أن يوازن، أو يميل إلى الصلح لا إلى العقاب”.
وأضاف أن “الوساطة القبلية مطلوبة، ولكن لابد أن يكون هناك نظام دولة يستطيع حل القضايا العالقة الكبرى التي تعجز القبيلة عن حلها”.
ويتفق الصانع مع هذا الطرح، مشيرًا إلى تداخل عدة عوامل، أبرزها “غياب القضاء الفاعل، وتداخل العوامل السياسية، وضعف مؤسسات الدولة، وانتشار السلاح” ما يجعل أي خلاف مرشحًا للتصعيد.
وأضاف أن “سعي جماعة الحوثي إلى إدارة هذه النزاعات بدلًا من حلها يسهم في إضعاف البنية القبلية وإطالة أمد الصراعات”، مشيرًا إلى “تراكم الثارات القديمة” التي “لم تُحل جذريًا”، والتي قال إن الجماعة تقوم بإعادة “توظيفها وإشعالها من جديد”.
تدخل انتقائي وإدارة للصراع
وأضح “دشيلة” أن الجماعة تتعامل مع هذه الأحداث “من منظور أمني، وتلجأ لاستخدام الوسائل القبلية فقط إذا لم يؤثر ذلك على حضورها الأمني والسياسي”.
في المقابل، يرى “الصانع” أن تدخل الجماعة يتخذ غالبًا مسارين: “الترقب وعدم التدخل المبكر” بما يسمح بتصاعد النزاع، أو “التدخل الانتقائي”، عبر دعم طرف ضد آخر أو فرض وساطات قسرية أو “الإكراه” كاحتجاز الأطراف أو إجبارهم على توقيع اتفاقيات صلح لا تعالج جوهر المشكلة، مؤكدًا أن هذا النمط من التدخل “لا يستهدف إنهاء النزاع بقدر ما يسعى إلى إدارته”.
وأضاف أن قيام الجماعة بفرض “مشرفين” بدل الأعراف التقليدية يعمق الشعور بالظلم ويجعل الصلح “شكلياً” وقابلاً للاشتعال مجدداً.
استغلال وتبعات
قال “دشيلة” إن الإشكالية تكمن في “تسييس النزاعات”؛ حيث تستغل بعض الأطراف الموالية للحوثيين علاقتها بالجماعة للبطش بخصومها، مما يجعل القبائل التي تعاني من الثارات “غير قادرة على قول (لا) للجماعة، خوفاً من دعم خصومها”.
وأوضح أن هذا الوضع أدى إلى إضعاف القبائل، ودفع بعضها للصمت عن الانتهاكات تجنباً لمشكلة أكبر مع الجماعة أو القبائل الموالية لها.
تبعات اجتماعية وإنسانية
وعن الكلفة الاجتماعية، قال “دشيلة” إن الرجال في مناطق الثارات يظلون “رهن الإقامة الجبرية” في منازلهم خشية الانتقام، وبالتالي تتحمل النساء أعباء الإعاشة والنفقة”. كما تمتد التداعيات إلى التعليم، حيث يُحرم كثير من الشباب من الدراسة خوفًا من الاستهداف.
وأضاف أن هذه النزاعات تعطل الفعل المجتمعي، موضحًا أن القبائل في مناطق الثأر “لا تستطيع أن تتحرك للمطالبة بخدمات في أي منطقة كانت”، ما يعمّق العزلة ويكرّس التهميش، فضلاً عن عودة “التفاوت الطبقي” بصورته السلالية (سيد وقبيلي).
من جانبه، أشار “الصانع” إلى أن تهميش دور المشايخ والوجاهات القبلية لصالح وساطات مفروضة أضعف آليات الحل القبلية، وعزز حالة العزلة وكرّس التهميش المجتمعي.
سيناريوهات محتملة
طرح الباحث "عادل دشيلة" ثلاثة سيناريوهات محتملة لمستقبل العلاقة بين جماعة الحوثي والقبائل، في ظل استمرار الوضع الراهن دون حل جذري للأزمة اليمنية.
يتمثل السيناريو الأول في “التعايش الحذر”، حيث يرجّح أن تخفف الجماعة من القبضة الأمنية المباشرة، وتمنح القبائل هامشًا لإدارة شؤونها الداخلية، تجنبًا للاصطدام بها. ويرى أن هذا المسار قد يدفع القبائل إلى التكيّف مع سلطة الجماعة، ما يشكل، على المدى البعيد، تحديًا خطيرًا على المجتمع عمومًا يتعلق بتكريس واقع يصعب تغييره لاحقًا.
ويشير دشيلة إلى أن هذا التوجه بدأ يظهر بالفعل، إذ منحت الجماعة بعض الرموز القبلية مساحة للتحرك، في ظل تعثرها في إدارة النزاعات القبلية بشكل مباشر.
أما السيناريو الثاني، فيرتبط بمتغيرات اقتصادية وسياسية، إذ يرى أن استمرار التدهور الاقتصادي وغياب الخدمات، قد يضعف هذه العلاقة سريعًا. ويرجّح في هذا السياق أن أي تحرك حكومي فاعل، في ظل الظروف الحالية، سيجعل القبائل تنحاز إلى جانب الحكومة، وسيكون في صالحهما التخلص من حكم الجماعة.
والسيناريو الثالث يتمثل في “انتفاضة داخلية للقبائل”، ويرى أنه غير مرجح، محذرًا من أن أي تحرك من هذا النوع دون غطاء حكومي قد يتحول إلى مغامرة غير محسوبة، قد تصب نتائجها في صالح الجماعة أكثر من القبائل.
وتؤكد هذه المعطيات أن النزاعات القبلية في مناطق سيطرة الحوثيين تتجاوز كونها حالة اجتماعية تقليدية، لتصبح أداة ممنهجة لإعادة تشكيل موازين القوّة في المجتمع اليمني، وإضعاف البنية القبلية بما يخدم ترسيخ نفوذ الجماعة.
تنويه: هذا الخبر تم نقله تلقائياً من مصدره (بران برس) ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع.