بينما كانت أروقة “هيئة المستشفى الجمهوري التعليمي” بصنعاء تضج بالأمل وحركة الباحثين عن الشفاء، بات يخيم عليه اليوم صمت جنائزي ثقيل بعدما أُجبر على إغلاق أبوابه أمام المرضى؛ نتيجة صراع أجنحة داخل جماعة الحوثي، ليُحرم البسطاء من خدمات ثاني أكبر القلاع الطبية التاريخية في العاصمة.
وأعلنت إدارة المستشفى، السبت الماضي، تعليق استقبال المرضى، مرجعة القرار إلى إيقاف الدعم المالي المقدم للحالات العلاجية، لا سيما من “الهيئة العامة للزكاة”، في خطوة أثارت قلقاً واسعاً بشأن مصير آلاف المرضى، خصوصاً من ذوي الدخل المحدود.
ويُعد المستشفى الجمهوري ثاني أكبر المؤسسات الصحية في صنعاء، وكان يستقبل يومياً أعداداً كبيرة من المرضى ويجري أكثر من 100 عملية جراحية يوميًا في تخصصات متعددة، ما جعله مقصدًا رئيسيًا لذوي الدخل المحدود غير القادرين على تحمل تكاليف العلاج الباهظة في المستشفيات الخاصة.
ولم يصدر حتى اللحظة أي توضيح من سلطات الجماعة الحوثية عن هذا التوقف المفاجئ، ما اعتبره مراقبون امتدادًا لسياسات الإهمال والتسييس والنهب التي تنتهجها الجماعة تجاه القطاع الصحي.
أزمة تمويل وصراع نفوذ
مصادر طبية في مستشفى الجمهوري قالت لـ“برّان برس” إن توقف الخدمة يأتي نتيجة صراع نفوذ بين الجهات الحوثية المشرفة على القطاع الصحي، وتحديداً بين وزارة الصحة في حكومة الجماعة (غير المعترف بها دوليًا) والهيئة العامة للزكاة، التي كانت تمول جزءاً من الخدمات العلاجية.
ووفق المصادر، فقد تصاعد الخلاف بين الطرفين على خلفية مساعي “هيئة الزكاة” للإطاحة بمدير المستشفى، محمد طاهر جحاف، واستبداله بشخصية موالية لها، وهو ما قُوبل برفض قاطع من الوزارة، قبل أن يتطور الخلاف إلى حرب مالية استهدفت ميزانية التشغيل.
وأوضحت المصادر أن تداعيات هذا الصراع انعكست مباشرة على استمرارية الخدمات الطبية، التي شُلّت كليًا، مخلّفة آلاف المرضى أمام مصير مجهول، في ظل ارتفاع تكاليف العلاج في القطاع الخاص.
وتابعت: “نحن ضحية صراع نفوذ وتصفية حسابات؛ حيث تسعى هيئة الزكاة لفرض إملاءات وتعيينات معينة، وعندما رُفضت، كان العقاب هو قطع التمويل عن المرضى الذين يمثل لهم المستشفى ملاذهم الأخير”.
كما أشارت إلى أن الكوادر الطبية تعمل منذ أشهر دون رواتب، الأمر الذي فاقم من تدهور الوضع، وأثّر على قدرة المستشفى في الاستمرار بتقديم خدماته، خاصة الخدمات المجانية.
تداعيات إنسانية
توقف المستشفى عن العمل قلّص الخدمات الصحية المجانية في صنعاء، ويهدد بتفاقم الوضع الصحي لشريحة واسعة من السكان، التي تعتمد كلّيًا منذ عقود على هذه المرافق العامة.
واستغربت المصادر استمرار الجماعة في ضخ مليارات الريالات لإحياء مناسباتها السياسية والاحتفالية، بينما ترفض صرف مستحقات الكوادر الطبية المتوقفة منذ ثلاثة أشهر، أو تغطية نفقات العلاج المجاني للفئات المسحوقة.
ولفتت إلى أن الحوثيين سبق أن ضيقوا على المنظمات التي كانت تسهم في تشغيل المستشفى، قبل إيقاف دورها وطردها، ما ترك المرضى من دون علاج أو رعاية صحية كافية.
وأشارت إلى أن المتضرر الأكبر هم المرضى من محدودي الدخل، في حين تتجه قيادات الجماعة وأتباعها لتلقي العلاج في مستشفيات خاصة مرتفعة التكلفة، يعود بعضها إلى مستثمرين موالين للجماعة.
تحذير من اتساع الأزمة
حذّرت المصادر الصحية من أن استمرار توقف المستشفى قد يؤدي إلى تداعيات إنسانية خطيرة، مؤكدة أن “توقف الخدمة المجانية يعني الحكم بالموت على مئات الحالات اليومية”، محذرة من أن “المرضى يواجهون الآن مصيرهم أمام البوابات المغلقة”.
وقالت إن الأمر تحول إما ما شبه “الإعدام السريري” لآلاف البسطاء بقرارات من أروقة وزارة الصحة وهيئة الزكاة، التي استكثرت على المواطن جرعة دواء أو سرير علاج مجاني”.
تحذيرات دولية
يأتي توقف المستشفى في حين تشير تقارير دولية إلى تدهور واسع في النظام الصحي بالبلاد. فقد أوضح تقرير مشترك صادر عن منظمة الصحة العالمية ومجموعة البنك الدولي حول التغطية الصحية الشاملة لعام 2025، أن نسبة الحصول على الخدمات الصحية الأساسية في اليمن لا تتجاوز 43% من السكان.
ووفق التقرير، فإن نحو 57% من اليمنيين يواجهون صعوبات في الوصول إلى الرعاية الصحية، بينما يعاني نحو 30% من أعباء مالية كبيرة تحول دون قدرتهم على تحمّل تكاليف العلاج.
وفي السياق، ذكرت منظمة الأمم المتحدة للطفولة “يونيسف” أن النظام الصحي في اليمن لا يزال تحت ضغط شديد، مما يحرم أكثر من نصف السكان من الخدمات الصحية الأساسية.
تنويه: هذا الخبر تم نقله تلقائياً من مصدره (بران برس) ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع.