الأحد 10 مايو ,2026 الساعة: 08:24 مساءً

تحليل خاص : الحرف28 - هشام المحيا

في الوقت الذي كانت فيه الملاحة الدولية تتنفس الصعداء بعد سنوات من الهدوء النسبي في خليج عدن، أعادت حادثة اختطاف الناقلة "يوريكا" إلى الأذهان كوابيس القرصنة الصومالية، لكن هذه المرة مع تفاصيل تثير الريبة .

فبينما تشير البيانات الرسمية إلى "عملية اختطاف" تقليدية، يرى مراقبون أن مسار السفينة، وهويتها، والوجهة التي استقرت فيها، ترسم صورة مختلفة تماماً؛ إذ تشير معطياتها الى انها عملية نقل لوجستي معقدة تتم تحت غطاء "الفوضى البحرية" لخدمة أجندات جيوسياسية إقليمية. 

اختطاف أم تسليم؟

بدأت القصة في الثاني من مايو 2026، عندما أبلغ خفر السواحل اليمني عن تعرض الناقلة "يوريكا"، التي ترفع علم بنما، للاختطاف قبالة سواحل محافظة شبوة اليمنية. 

وبحسب تقارير اعلامية، فإن تسعة مسلحين اعتلوا ظهر السفينة التي كانت تحمل على متنها 2800 طن من الديزل، إلا أن السلوك الملاحي للسفينة قبل الحادثة كان يثير التساؤلات، حيث تشير بيانات تتبع السفن، الى ان السفينة "يوريكا" توقفت بشكل غير مبرر لمدة يومين كاملين قبالة سواحل شبوة قبل وقوع "الاختطاف"، وهي المحافظة التي ما تزال القوات الموالية للامارات تحتفظ بوجودها على الارض، وارتبط اسمها سابقا مع الامارات بعمليات تهريب للنفط اليمني. 

والأكثر غرابة، هو الوجهة التي سلكها الخاطفون؛ فبدلاً من التوجه إلى معاقل القراصنة التقليدية في "هوبيو" أو "جالمدج" حيث يتم عادة احتجاز السفن لطلب الفدية، اتجهت "يوريكا" مباشرة نحو ميناء بوصاصو في ولاية بونتلاند الصومالية، وهو المكان التي رصد ظهورها الاول منذ اختطافها، بحسب بيانات تتبع السفن. 

خيوط تمتد إلى طهران

لا يمكن فهم لغز "يوريكا" دون النظر إلى مالكيها، فالسفينة مملوكة لشركة "رويال شيبينغ لاينز"، وهي كيان لم يغب عن رادار الرقابة الدولية، ففي أبريل 2026، أصدرت وزارة الخزانة الأمريكية تقريراً مفصلاً أدرجت فيه هذه الشركة ضمن قائمة العقوبات، متهمة إياها بالعمل كجزء من "أسطول ظل" يدير شبكة لتهريب النفط لصالح نخب مرتبطة بالنظام الإيراني. 

هذا الارتباط يضع الحادثة في سياق أوسع من مجرد جريمة بحرية، حيث يرى تقرير صادر عن مؤسسة "ستراتيجي إنترناشيونال"، في فبراير 2026، أن استخدام سفن "مشكوك في قانونيتها" يعد تكتيكا متبعا لنقل الإمدادات إلى مناطق النزاع دون إثارة الشبهات الرسمية. 

النفوذ الإماراتي في الواجهة

تعد مدينة بوصاصو، حيث رست السفينة أخيراً، نقطة ارتكاز حيوية في الصراع على النفوذ في القرن الأفريقي، وميناء المدينة هو المقر الرئيسي لقوات الشرطة البحرية في بونتلاند، وهي قوة عسكرية تم إنشاؤها وتمويلها وتدريبها بالكامل من قبل دولة الإمارات العربية المتحدة، وفقاً لتقارير "بي إل نيوز". 

ورغم أن الحكومة المركزية في مقديشو كانت قد أعلنت في يناير 2026 إلغاء كافة الاتفاقيات الأمنية والدفاعية مع الإمارات، إلا أن ولاية بونتلاند رفضت هذا القرار متمسكة بعلاقاتها مع أبوظبي. 

وتشير تقارير استخباراتية حديثة إلى أن عناصر تقنية واستشارية إماراتية لا تزال تتواجد في قاعدة بوصاصو، مما يعزز الفرضية القائلة بأن وصول "يوريكا" إلى هذا الموقع تحديداً لم يكن مصادفة. 

الديزل كـ "وقود" للصراع

يرى مراقبون أن شحنة الديزل التي تحملها السفينة (2800 طن) ليست مجرد بضاعة تجارية، بل هي "عملة سياسية" في سوق الصراعات المحلية، ففي اليمن، تواجه القوات الموالية للإمارات في شبوة وحضرموت ضغوطاً متزايدة من قوات "درع الوطن" المدعومة سعودياً. 

وبحسب تقرير "مبادرات الحوار"، فإن تأمين إمدادات الوقود يعد أمراً حيوياً لتمويل وتحريك الخلايا الموالية لزعزعة استقرار المناطق التي خرجت عن السيطرة الإماراتية المباشرة. 

أما في الصومال، فإن هذا الوقود قد يساهم في تعزيز استقلالية ولاية بونتلاند عن مقديشو، خاصة في ظل التوترات المتصاعدة حول تقاسم الموارد والسلطة المركزية. 

صمت دولي مريب

من أكثر الجوانب إثارة للحيرة في قضية "يوريكا" هو موقف القوى الدولية، فقد أكدت قوة "أتالانتا" التابعة للاتحاد الأوروبي، أن إحدى فرقاطاتها كانت "تراقب" السفينة المختطفة عن كثب، ومع ذلك، لم يتم اتخاذ أي إجراء عسكري لتحريرها، رغم امتلاك القوة تفويضاً واضحاً بالتدخل في حالات القرصنة. 

هذا "الجمود العملياتي" يفسره خبراء ومراقبون بأنه إدراك دولي بأن العملية ليست قرصنة إجرامية بالمعنى التقليدي، بل هي "انتقال شحنة" بين أطراف إقليمية تحت غطاء أمني متفق عليه ضمناً، مما يجعل التدخل العسكري مخاطرة دبلوماسية غير محسوبة العواقب. 

سياق القرصنة في 2026

تأتي حادثة "يوريكا" وسط موجة مقلقة من نشاط القرصنة في المنطقة، فمنذ بداية عام 2026، سجلت التقارير الدولية هجوماً على 78 سفينة، تم اختطاف 19 منها بنجاح. 

وبحسب بيانات "مارين ترافيك"، فإن "يوريكا" هي السفينة الرابعة التي يتم اختطافها في غضون أسبوعين فقط، لكن الفارق الجوهري يكمن في "التسييس"، فبينما كانت قرصنة العقد الماضي تهدف للربح المادي الصرف، تبدو عمليات 2026، وعلى رأسها حالة "يوريكا"، وكأنها أدوات في صراع "هجين" يمزج بين الجريمة المنظمة والأهداف السياسية للدول. 

رسائل مشفرة عبر البحر

إن السيناريو الأكثر ترجيحاً الذي يتبناه مراقبون للشأن اليمني والصومالي هو أن "اختطاف" الناقلة "يوريكا" كان عملية لوجستية مغلفة بالقرصنة، الهدف منها مزدوج، فمن جهة، إيصال الديزل والتمويل للحلفاء المحليين في بونتلاند وجنوب اليمن، ومن جهة أخرى، توجيه رسالة قوية مفادها أن الأمن البحري في المنطقة سيظل هشاً وقابلاً للانهيار في غياب النفوذ الإماراتي المباشر، وهو ما يصفه تقرير "ستراتيجي إنترناشيونال" بتكتيك "خلق الفوضى لفرض الضرورة". 

ومع بقاء "يوريكا" راسية في مياه بونتلاند، تظل الأسئلة مفتوحة حول مستقبل الملاحة في واحد من أهم الممرات المائية في العالم، وحول المدى الذي يمكن أن تصل إليه القوى الإقليمية في استخدام "غطاء القرصنة" لتمرير أجنداتها العابرة للحدود.

تنويه: هذا الخبر تم نقله تلقائياً من مصدره (موقع الحرف 28) ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع.