مسعود عمشوش

يُعدّ سعيد عولقي واحدًا من أبرز الأسماء الأدبية في الجنوب، إذ أسهم إسهامًا واضحًا في إثراء المشهد الثقافي من خلال كتاباته المسرحية والروائية والقصصية. وتمثل أعماله الأدبية مرآةً للتحولات الاجتماعية والسياسية التي شهدها المجتمع، كما تعكس وعيًا فنيًا وفكريًا بقضايا الإنسان والواقع. وقد برز عولقي خصوصًا في المسرح، حيث استطاع أن يوظف الحوار والشخصية والصراع الدرامي في معالجة موضوعات تمس المجتمع والحياة اليومية، إلى جانب حضوره في مجال السرد الروائي والقصصي.  

وتسعى هذه الدراسة إلى التعريف بسعيد عولقي، وبيان مكانته في الأدب اليمني، وتحليل بعض ملامح تجربته الإبداعية، مع التوقف عند عملين بارزين هما: "التركة" و"السمّار الثلاثة"، للكشف عن القضايا التي يعالجها، والوسائل الفنية التي اعتمدها في بناء نصوصه.

من هو سعيد عولقي؟

سعيد عولقي أديب جنوبي عُرف بوصفه مسرحيًا وروائيًا وقاصًا، وكان له حضور بارز في الحياة الثقافية ، ولا سيما في مدينة عدن والمشهد الأدبي الجنوبي عمومًا. ارتبطت كتاباته بالواقع الاجتماعي والسياسي، وتميزت بمحاولة التعبير عن هموم الإنسان وتحولات المجتمع. وقد أسهم في ترسيخ فن المسرح في بلادنا من خلال نصوص ذات طابع واقعي ونقدي، كما ظهرت في أعماله السردية قدرة على تصوير الشخصيات والبيئات المحلية، مع اهتمام بالقيم الاجتماعية، والصراعات الإنسانية، والتغيرات التاريخية.

سعيد عولقي كاتبًا مسرحيًا:

يُنظر إلى سعيد عولقي على أنه من الأسماء المهمة في المسرح بلادنا، لأنه لم يكتب المسرح بوصفه ترفًا فنيًا، بل باعتباره وسيلة للتعبير عن مشكلات المجتمع. وتتناول مسرحياته قضايا مثل: الصراع الاجتماعي وسلطة العادات والتقاليد والتفاوت الطبقي والتحولات السياسية وأزمة الفرد داخل المجتمع.

وقد تميزت كتابته المسرحية بعدة خصائص لعل أهمها: الواقعية في عرض الأحداث والشخصيات و الحوار الحي القريب من البيئة المحلية و النقد الاجتماعي الواضح المشوب بالسخرية والاهتمام بالشخصية الإنسانية وصراعاتها الداخلية، و البناء الدرامي القائم على التوتر والتدرج.

ومسرحية التركة بجزأيها الأول والثاني مسرحية يمنية تعتبر من كلاسيكيات المسرح الجنوبي وأكثرها شهرة وإثارة للجدل، تدور أحداثها حول شخصية عبدالله بن أحمد بن علوان الشخصية المتلونة والتي ترمز إلى الشخصية السياسية في بلادنا التي لا تستقر على مبدأ وتتقلب بتقلب الأوضاع في البلاد وتبحث عن مصلحتها الذاتية الصرفة.

رمزية العنوان التركة في الجزء الأول تشير إلى الإرث الثقيل الذي تركه الاستعمار، ليس ماديًا فحسب، بل فكريًا واجتماعيًا. أما في الجزء الثاني فالتركة هنا لم تعد مرتبطة بالاستعمار فقط، بل بالصراعات الداخلية والتدخلات الخارجية التي أعاقت بناء الدولة. وفي كلا الجزئين ظهرت شخصيات المسرحية عاكسة صراعات النخبة السياسية اليمنية وتأثيرها على الطبقة العاملة.

وتعد المسرحية من أوائل الأعمال التي مزجت بين التراث المحلي والأساليب المسرحية الحديثة، مما جعلها مرجعًا للحركات الفنية في بلادنا.

ومسرحية "التركة" بجزأيها ليست مجرد عمل فني، بل وثيقة تاريخية تعكس تحولات السياسية والاجتماعية عبر عقود. رغم التحديات، حافظت على حضورها عبر الذاكرة الشعبية والتسجيلات المسربة ، مما يؤكد دور الفن كسلاح مقاومة.

ويمكن النظر إلى "التركة" بوصفها عملًا يعالج قضية ذات أبعاد اجتماعية وإنسانية، إذ توحي دلالة العنوان بالصراع حول الإرث، لكن التركة هنا قد تكون أوسع من المعنى المادي، فقد تشير أيضًا إلى تركة العادات، أو تركة الماضي، أو الإرث الاجتماعي والثقافي الذي يثقل الشخصيات.

أبرز الأفكار الممكنة في تحليل "التركة":

- الصراع بين أفراد الأسرة أو المجتمع - أثر المال أو الإرث في تفكيك العلاقات الإنسانية - كشف الجشع أو الأنانية أو الظلم و التناقض بين القيم المعلنة والسلوك الحقيقي و تصوير المجتمع في لحظة اختبار أخلاقي

من الناحية الفنية: يحمل العنوان رمزية واضحة والشخصيات قد تمثل أنماطًا اجتماعية والحوار يكشف طبيعة الصراع و الحدث يتطور نحو فضح أزمة أخلاقية أو اجتماعية

رواية"السمّار الثلاثة":

يحمل عنوان "السمّار الثلاثة" دلالة شعبية وفنية، إذ يوحي بجلسة حكي أو سمر، ما يجعل النص قريبًا من الأجواء الحكائية والتراثية. وقد يكون العمل قائمًا على تعدد الأصوات، أو على عرض أفكار ومواقف مختلفة من خلال ثلاث شخصيات رئيسية.

في سياق دراسة لي بعنوان (عدن فضاء روائيا) كرست صفحة كاملة لرواية السمار الثلاثة قلت فيها :"بسبب استمرار الصراعات السياسية والأيديولوجية والعسكرية الدامية التي لا تزال عدن مسرحا لها منذ مطلع الستينيات من القرن الماضي، أصبحت عدن مرادفا للعنف والصراع الدائم في أذهان كثير من القراء العرب. وإذا كان الأدباء لم يتجرؤوا على نقد مرتكبي تلك الممارسات بشكل مكشوف إبان هيمنة اليسار في عدن، فبعد عام 1990 ظهرت عدد من الروايات، في عدن وخارجها، واختارت عدن فضاءً لأحداثها وذلك بهدف فضح تلك الممارسات العنيفة. وسنركز هنا على تقديم موجز جدا لرواية (السمار الثلاثة) التي صدرت سنة 1993، والتي تدور أحداثها في ثمانينيات القرن الماضي، اختار سعيد عولقي السور القصير لـ(النادي الثقافي) الذي يطل على شارع الملكة أروى في كريتر عدن، فضاءً للأحاديث التي يتبادلها السمار مساء كل يوم. وبما أن هؤلاء السمار، الصحفي أحمد القاضي الذي ولد في الحجرية، والموسيقي أنور خان من مواليد (حافة حسين)، والكاتب المسرحي مهدي عوض باسنبل الذي جاء طفلا من الشحر، يتحدثون عن أحداث عنيفة وقعت خارج سور النادي وفي مختلف أحياء عدن، وشاركوا هم فيها، فأن فضاء الرواية يتمدد تلقائيا ليشمل مدينة عدن كلها. فمثلما تعكس المدينة ما يدور داخل النادي يجسد النادي المدينة ويختزلها ويكثفها.

ويتركز حديث السمار أولا حول جريمة قتل قام بها القاتل (الرسمي) عمر عبد السلام قبل عشر سنين، وكان الضحية صديقهم الأعزل بدر الهاشمي. وسرعان ما أكدت الجهات الرسمية أن العدالة أخذت مجراها وأطلقت سراح القاتل. عندئذ يقتنع مهدي باسنبل أن العدالة قد تعطلت في هذه المدينة، ويلاحظ أن اللافتة التي كانت معلقة على جدار مكتب أخيه، وتحمل عبارة (عندما يتعطل القانون يبدأ الطغيان) قد سقطت.

وفجأة يتعرض السمار الثلاثة أنفسهم لنوع من القمع الكافكاوي حينما تلقي الشرطة القبض عليهم بتهمةٍ لا يعرفون عنها شيئا تماما مثل الضابط الذي قام بمهمة القبض. وأثناء التحقيق يكتشفون أنهم مطلوبون للشهادة في جريمة قتل جديدة ضحيتها شكري المرشدي ونفذها عمر عبد السلام قاتل زميلهم في النادي بدر الهاشمي. وعليهم تبرئة المتهم القاتل. ويتحدث الراوي عن تفرق رواد النادي؛ فمنهم من أعدِم أو قُتِل في حادث مروري، ومنهم من سُجِن، ومنهم من سافر، ومنهم من أصبح رئيساً لمؤسسة حكومية أو سفيرا.

ومن أبرز ملامح الرواية:حضور البنية الحكائية أو الشعبية و تعدد وجهات النظر واستخدام الحوار بوصفه أداة للتفكير والنقد و المزج بين التسلية والدلالة الفكرية و استحضار البيئة المحلية والثقافة الشعبية

وبالنسبة لدلالة العدد الثلاثة يمكن أن نرى أنه يرمز هنا إلى:

- تنوع المواقف الاجتماعية و- تمثيل شرائح مختلفة من المجتمع ومحاولة إقامة توازن درامي بين الشخصيات.

من أبرز ما يمكن الإشارة إليه في أسلوب سعيد عولقي: - لغة واضحة غير متكلفة و ميل إلى الحوار الطبيعي و حضور النبرة الواقعية والإفادة من البيئة المحلية وتوظيف الرمز أحيانًا دون غموض شديد والجمع بين البعد الفني والهم الاجتماعي وهذا ما يجعل أعماله قريبة من القارئ والمتلقي المسرحي في آن واحد.

في ضوء ما سبق، يتبين أن سعيد عولقي يمثل تجربة أدبية مهمة في مسار الأدب الجنوبي، لما قدّمه من إسهامات في المسرح والسرد، ولما حملته أعماله من ارتباط عميق بقضايا المجتمع والإنسان. وقد أظهرت دراسة نماذج من أعماله، مثل "التركة" و"السمّار الثلاثة"، أنه كاتب واعٍ بوظيفة الأدب في النقد والتصوير والكشف عن تناقضات الواقع. كما تكشف تجربته عن قدرة على توظيف الفن المسرحي والروائي في التعبير عن التحولات الاجتماعية والثقافية، الأمر الذي يجعل من أعماله مادة جديرة بالبحث والدراسة في سياق الأدب الجنوبي الحديث.

تنويه: هذا الخبر تم نقله تلقائياً من مصدره (موقع الأول) ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع.