السبت 18 يوليو ,2026 الساعة: 08:41 مساءً
المقدمة
منذ اندلاع النزاع في اليمن، أشارت تقارير حقوقية، وتغطيات إعلامية، وشهادات ناجين وأفراد من عائلاتهم، إلى وجود أماكن احتجاز غير رسمية في مناطق جنوب اليمن، ولا سيما في المحافظات التي كانت خاضعة لسيطرة جماعات مسلحة تابعة للمجلس الانتقالي الجنوبي وقوات مدعومة من دولة الإمارات العربية المتحدة . وخلال الفترة الممتدة من عام 2015 إلى عام 2025، وثّقت التقارير مزاعم متكررة بوقوع حالات احتجاز تعسفي، وإخفاء قسري، واحتجاز خارج الإطار القضائي، وتعذيب داخل هذه الأماكن.
في عام 2016، شهدت مدينة عدن تدهورًا ملحوظًا في الوضع الأمني، شمل موجة من الهجمات وعمليات الاغتيال. ونشرت السلطات نقاط تفتيش على نطاق واسع، وعززت الحواجز الأمنية، وشددت التدابير الأمنية. وخلال الفترة نفسها، بدأت قوات الحزام الأمني تنفيذ حملات مداهمة واعتقال، واحتجزت ورحّلت مئات الأشخاص من المحافظات الشمالية. ومنذ ذلك الحين، شهدت المناطق الخاضعة لسيطرة المجلس الانتقالي الجنوبي في اليمن، ولا سيما مدينة عدن، بيئة أمنية اتسمت بتداخل عمليات مكافحة الإرهاب الرسمية مع عمليات الاحتجاز خارج إطار القانون والانتهاكات التي نُفذت بذريعة الحفاظ على الأمن. وشملت هذه الانتهاكات، بحسب ما ورد في التقارير، تمييزًا على أساس الانتماء المناطقي وعمليات ترحيل قسري نُفذت خارج إطار السلطة القضائية.
وفي يونيو/حزيران 2017، أفادت وكالة أسوشيتد برس بوجود أماكن احتجاز غير قانونية تديرها قوات مدعومة من دولة الإمارات العربية المتحدة في جنوب اليمن، حيث وصف محتجزون سابقون حالات إخفاء قسري واحتجاز دون أوامر قضائية وتعذيب. وذكرت الوكالة أن نحو 2,000 شخص اختفوا داخل أماكن احتجاز سرية في المناطق الخاضعة لسيطرة المجلس الانتقالي الجنوبي، وهو رقم يُرجح أنه ازداد خلال السنوات الأخيرة، إلا أن الأرشيف اليمني لم يتمكن من تحديد تقدير شامل أحدث.
ومع اتساع نفوذ القوات المدعومة من دولة الإمارات العربية المتحدة عقب تأسيس المجلس الانتقالي في عام 2017، وفرض تلك القوات إجراءات أمنية في المناطق الخاضعة لسيطرتها، برزت أماكن الاحتجاز السرية والاحتجاز خارج نطاق الإشراف القضائي كأحد أبرز المخاوف الحقوقية. وامتد هذا النمط، بحسب ما ورد في التقارير، إلى أرخبيل سقطرى، حيث نفذت عناصر مسلحة تابعة للمجلس الانتقالي الجنوبي حملات اعتقال استهدفت مسؤولين محليين وناشطين.
في هذا التحقيق، يستعرض الأرشيف اليمني ومنظمة سام للحقوق والحريات معلومات من مصادر مفتوحة حول الانتهاكات المرتبطة بحملات الاعتقال التعسفي في المناطق التي كانت خاضعة لسيطرة المجلس الانتقالي الجنوبي، مع التركيز على أماكن احتجاز محددة تكرر ذكرها في التقارير الحقوقية والتغطيات الإعلامية والشهادات. كما يتناول التحقيق عددًا من الأسماء التي وردت في المصادر المفتوحة باعتبارها جهات أو أفرادًا يُزعم مسؤوليتهم عن هذه الانتهاكات. ويأتي هذا التحقيق ضمن سلسلة أوسع من التحقيقات التي يجريها الأرشيف اليمني حول أنماط الاعتقال والاحتجاز في المناطق الخاضعة لسيطرة مختلف أطراف النزاع، بهدف تقديم فهم أشمل للسياقات المختلفة لهذه الممارسات في المناطق المتأثرة بالنزاع، والحفاظ على الأدلة الرقمية ذات الصلة.
تحذير بشأن المحتوى
يحتوي هذا التحقيق على محتوى بصري ونصي قد يكون صادمًا، بما في ذلك أوصاف لأشخاص قُتلوا، وإشارات إلى أساليب تعذيب، بالإضافة إلى مواد بصرية تُظهر أشخاصًا مصابين ومتوفين. وقد تُحجب المصادر التي تتضمن مواد مرئية أو مكتوبة صادمة أو تُرفق بتحذيرات بشأن المحتوى
المنهجية
بالتعاون مع منظمة سام للحقوق والحريات، أجرى الأرشيف اليمني هذا التحقيق باستخدام منهجية بحث متعددة المراحل تعتمد على المصادر المفتوحة، وشملت ما يلي:
جمع وحفظ وتحليل 366 سجلًا رقميًا، استخدما منها 195 في هذا التقرير، بما في ذلك مواد مرئية، وتقارير منشورة على المواقع الإخبارية ومنصات التواصل الاجتماعي، وتقارير صادرة عن منظمات محلية ودولية.
تحديد المواقع الجغرافية لعدد من أماكن الاحتجاز المختارة باستخدام المواد المتاحة عبر الإنترنت.
مراجعة منهجية للمزاعم المتعلقة بحالات الاعتقال والاحتجاز، وتحليل الجهات التي يُزعم مسؤوليتها عنها.
التحقق من المعلومات من خلال المقارنة المرجعية بين التقارير الرسمية، وشهادات الناجين وأفراد عائلاتهم، والروايات التي نشرها ناشطون على منصات التواصل الاجتماعي، مع التحقق من اتساق المعلومات عبر مصادر مستقلة متعددة.
الخلفية: المجلس الانتقالي
في منتصف يونيو/حزيران 2015، أدت الهجمات البرية المنسقة التي نفذتها قوات المقاومة الجنوبية، بدعم من الحملة الجوية التي قادها التحالف بقيادة المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة، إلى انسحاب قوات أنصار الله (الحوثيين) والقوات المتحالفة معها من مواقعها المتبقية في مدينة عدن، بما في ذلك المطار والميناء وعدد من الأحياء الحضرية. وأعلنت الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا بعد ذلك التحرير الكامل لمدينة عدن.
وتأسس المجلس الانتقالي الجنوبي رسميًا في 4 مايو/أيار 2017 ككيان سياسي يتبنى توجهًا انفصاليًا، وذلك عقب أشهر من تصاعد التوترات السياسية والأمنية في مدينة عدن. وجاء تأسيسه استجابة مباشرة لقرار أصدره رئيس الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا، عبد ربه منصور هادي، في 27 أبريل/نيسان 2017، قضى بإقالة عيدروس قاسم الزبيدي من منصبه محافظًا لعدن، وهاني بن بريك من منصبه وزير دولة. وأثارت تلك القرارات احتجاجات واسعة النطاق في مدينة عدن مطلع مايو/أيار 2017، طالب خلالها المتظاهرون بقيادة جنوبية تمثل تطلعات الجنوبيين.
الهياكل العسكرية والأمنية المرتبطة بالمجلس الانتقالي
ضمّت البنية القيادية للمجلس الانتقالي الجنوبي عددًا من المحافظين والمسؤولين المحليين والشخصيات العسكرية من محافظات جنوب اليمن، ولا سيما تلك التي كانت جزءًا من دولة اليمن الجنوبي السابقة. وفي أبريل/نيسان 2020، أعلن المجلس الانتقالي الجنوبي حالة الطوارئ والإدارة الذاتية في جنوب اليمن. إلا أن بيانًا صادرًا عن الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا في يوليو/تموز 2020 رفض هذه الخطوة، واعتبر إعلان المجلس الانتقالي الجنوبي "الإدارة الذاتية" تمردًا وانتهاكًا لاتفاق الرياض، بما يهدد وحدة البلاد.
ومن الناحية الهيكلية، برز المجلس الانتقالي الجنوبي باعتباره الجهة الأكثر نفوذًا ضمن مكونات الحراك الجنوبي، وإن لم يكن المكوّن الوحيد. ووفقًا للمعهد الألماني للدراسات العالمية والإقليمية، تلقّى المجلس دعمًا عسكريًا وماليًا كبيرًا من دولة الإمارات العربية المتحدة، شمل دعم تشكيل قوات الحزام الأمني ووحدات عسكرية أخرى تعمل خارج الهيكل الرسمي لوزارة الدفاع اليمنية. وقد وفر هذا الدعم للمجلس الانتقالي الجنوبي ذراعًا عسكرية مكّنته من ترسيخ سيطرته على مدينة عدن ومحافظات أخرى في جنوب اليمن. وفي المقابل، سعت المملكة العربية السعودية، من خلال اتفاق الرياض والجهود اللاحقة، إلى دمج القوات التابعة للمجلس الانتقالي الجنوبي في مؤسسات الدولة الرسمية، بهدف الحد من القوة العسكرية المستقلة للمجلس وإعادة موازنة السلطة في جنوب اليمن.
ووفقًا لمركز العرب في واشنطن، وُصفت العلاقة بين المجلس الانتقالي الجنوبي والحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا بأنها علاقة إشكالية، نتيجة تراكم المظالم الجنوبية منذ الوحدة اليمنية وحرب عام 1994. وتفاقمت هذه التوترات بعد عام 2015، ولا سيما في ظل عجز الحكومة عن توفير الخدمات الأساسية في مدينة عدن خلال عام 2018، والاشتباكات التي شهدها عام 2019. وفي أبريل/نيسان 2022، جرى ضم المجلس الانتقالي الجنوبي والحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا ضمن مجلس القيادة الرئاسي، ما أوجد ترتيبًا عمليًا مؤقتًا تعايش فيه مشروع 'استعادة الدولة الجنوبية' مع أطر 'الشرعية' المعترف بها دوليًا. وفي ذلك الوقت، أشارت تقارير إخبارية إلى أن العلاقة اتسمت بالتعاون، مع مشاركة الطرفين في ترتيبات أمنية وسياسية مشتركة.
خلال هذه الفترة، برزت ثلاثة تشكيلات مسلحة رئيسية هيمنت على المشهد الأمني في مدينة عدن. ومن بينها، برزت قوات الحزام الأمني باعتبارها إحدى أبرز التشكيلات من حيث الانتشار والنفوذ، وشكلت الركيزة الأساسية للجهاز الأمني التابع للمجلس الانتقالي الجنوبي، حيث سيطرت على منافذ المدينة البرية والبحرية والجوية، وامتدت عملياتها إلى محافظات الضالع وأبين ولحج. ووفقًا لتقرير صادر عن ديفنس لاين، أُنشئت هذه القوات في عام 2015 بدعم من دولة الإمارات العربية المتحدة، ثم أُدرجت لاحقًا ضمن مظلة المجلس الانتقالي الجنوبي، مع احتفاظها بهيكل تنظيمي مستقل عن وزارة الداخلية التابعة للحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا، إذ عملت من خلال هيكل قيادة موازٍ إلى جانب مؤسسات الدولة الرسمية. وتشير التقارير إلى أن العميد محسن عبد الله الوالي تولى قيادة قوات الحزام الأمني في عام 2020 ضمن الترتيبات الأمنية المدعومة من دولة الإمارات العربية المتحدة. وفي يناير/كانون الثاني 2026، أُعيدت تسمية قوات الحزام الأمني إلى قوات الأمن الوطني، بالتزامن مع تغيير شعارها. وجاء هذا التغيير في إطار جهود أوسع لإعادة هيكلة بعض التشكيلات الأمنية ضمن إطار وزارة الداخلية التابعة للحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا، وذلك في أعقاب الاشتباكات التي شهدتها الفترة بين ديسمبر/كانون الأول 2025 ويناير/كانون الثاني 2026.
أما التشكيل الثاني، فكان أمن عدن، وهو أحد الأجهزة الأمنية الرسمية التابعة لوزارة الداخلية في الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا. وفي عام 2015، عُيّن اللواء شلال علي شايع مديرًا لأمن عدن في إطار الجهود الرامية إلى إعادة تنظيم المنظومة الأمنية خلال تلك الفترة. وشملت مهام أمن عدن تنفيذ عمليات مكافحة الإرهاب، والتي تطورت لاحقًا إلى وحدات أكثر تخصصًا. ومع مرور الوقت، تطورت هذه المهام بصورة أكبر، ما أدى إلى إنشاء جهاز مستقل لمكافحة الإرهاب، وتعيين شلال شايع رئيسًا له في يناير/كانون الثاني 2024. ومع تصاعد نفوذ المجلس الانتقالي الجنوبي، ولا سيما بعد أحداث أغسطس/آب 2019 التي أسفرت عن سيطرته على مدينة عدن، شهدت العلاقة بين أمن عدن والمجلس الانتقالي الجنوبي تحولات ملحوظة، اتسمت بالتنسيق والتداخل في بعض الملفات الأمنية، بما في ذلك عمليات مكافحة الإرهاب، إلى جانب فترات من التوتر والتنافس على النفوذ
أما التشكيل الثالث، فكان قوات النخبة الحضرمية، التي أُنشئت في عام 2016 بدعم من دولة الإمارات العربية المتحدة. وانتشرت هذه القوات في محافظة حضرموت، ولا سيما في مدينة المكلا، ضمن ترتيبات أمنية هدفت إلى مواجهة الجماعات المسلحة وتعزيز السيطرة المحلية. وارتبطت بقيادات محلية، من بينها فرج سالمين البحسني، الذي شغل سابقًا منصب قائد المنطقة العسكرية الثانية ومحافظ حضرموت. وفي وقت لاحق، أُنشئت قوات النخبة الشبوانية في محافظة شبوة بدعم من دولة الإمارات العربية المتحدة، التي اضطلعت بدور رئيسي في تدريبها وتطويرها. وتولت هذه القوات مسؤوليات أمنية ومهام مكافحة الإرهاب في عدد من مديريات المحافظة، وعملت ضمن شبكة أوسع من التشكيلات الأمنية المحلية المدعومة من دولة الإمارات العربية المتحدة. ووفقًا لمنظمة العفو الدولية، ارتبطت هذه القوات أيضًا بإدارة أماكن احتجاز في المناطق الخاضعة لسيطرتها، بما في ذلك مواقع في المكلا وشبوة، حيث وُثقت مزاعم بوقوع حالات احتجاز تعسفي وانتهاكات.
كما برز فاعل مسلح آخر، هو ألوية العمالقة، كتشكيل عسكري نشأ بعد عام 2015 من مقاتلين ذوي انتماءات سلفية، ولعب دورًا بارزًا في العمليات العسكرية على طول الساحل الغربي لليمن، ولا سيما خلال معارك باب المندب والمخا. وتشير تقارير إعلامية إلى أن هذه القوات تلقت دعمًا من التحالف، ولا سيما من دولة الإمارات العربية المتحدة، وكان يقودها عبد الرحمن المحرمي (أبو زرعة)، الذي أصبح لاحقًا عضوًا في مجلس القيادة الرئاسي. وحتى مطلع عام 2026، ظلت ألوية العمالقة قوة فاعلة، وأُعيد نشرها للقيام بمهام أمنية.
تراجع نفوذ المجلس الانتقالي الجنوبي وإعادة هيكلة قواته
تشير التقارير إلى أنه في أعقاب الاشتباكات التي شهدتها الفترة بين ديسمبر/كانون الأول 2025 ويناير/كانون الثاني 2026، واصلت التشكيلات الأمنية التابعة للمجلس الانتقالي الجنوبي، بما في ذلك قوات الحزام الأمني وألوية العمالقة، عملها على الأرض، بالتزامن مع محاولات لإعادة هيكلتها ودمجها في مؤسسات الدولة. وفي عام 2026، شهدت هذه التشكيلات تغييرات تنظيمية، من بينها إعادة تسمية بعض الوحدات في إطار ترتيبات أمنية جديدة في مدينة عدن. كما تولت ألوية العمالقة مسؤوليات أمنية في المدينة عقب انسحاب القوات التابعة للمجلس الانتقالي الجنوبي، بما في ذلك تأمين مواقع رئيسية مثل قصر معاشيق والبنك المركزي، وذلك في إطار إعادة توزيع أوسع لمناطق النفوذ.
خلال يناير/كانون الثاني 2026، شهد المجلس الانتقالي الجنوبي تراجعًا سياسيًا وعسكريًا غير مسبوق، في ظل تصاعد التوترات مع الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا وتنامي الانقسامات داخل التحالف الإقليمي الداعم له. وعقب محاولات التوسع العسكري في عدد من محافظات جنوب اليمن خلال ديسمبر/كانون الأول 2025، واجه المجلس انتكاسات ميدانية وضغوطًا سياسية متزايدة، بما في ذلك من المملكة العربية السعودية. وأعقب ذلك مغادرة قياداته اليمن وتصاعد الانقسامات الداخلية داخل بنيته التنظيمية. وفي مطلع عام 2026، أُعلن عن خطوات لإعادة هيكلة المجلس وتقليص حضوره المؤسسي في إطار ترتيبات قادتها المملكة العربية السعودية هدفت إلى إعادة تشكيل توازن القوى في جنوب اليمن، تمهيدًا لمسار تفاوضي أوسع ضمن الجهود الرامية إلى التوصل إلى تسوية سياسية شاملة في اليمن. وتعكس هذه التطورات هشاشة البنية السياسية للمجلس، واعتماده الهيكلي على الدعم الخارجي، وتحوله من فاعل مهيمن في جنوب اليمن إلى طرف خاضع لإعادة ترتيب إقليمية ودولية في سياق النزاع اليمني المستمر.
التدخل المباشر لدولة الإمارات العربية المتحدة
إلى جانب دعمها للمجلس الانتقالي الجنوبي والجماعات المسلحة التابعة له، شاركت دولة الإمارات العربية المتحدة أيضًا بصورة مباشرة في النزاع. وعند انضمامها إلى التحالف العسكري في اليمن عام 2015، أعلنت دولة الإمارات العربية المتحدة أن مشاركتها تهدف إلى دعم الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا، وتحقيق الاستقرار، والمساهمة في جهود مكافحة الإرهاب. وعلى الرغم من هذا الموقف المعلن، شهدت السنوات اللاحقة حوادث نفذت خلالها طائرات إماراتية غارات جوية استهدفت وحدات من الجيش اليمني وقوات موالية للحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا، ولا سيما في المناطق الجنوبية. ومن أبرز هذه الحوادث الغارات التي وقعت في مدينة عدن خلال أغسطس/آب 2019، والتي أسفرت عن مقتل وإصابة عشرات الجنود التابعين للحكومة. وبررت دولة الإمارات العربية المتحدة هذه الغارات في ذلك الوقت بأنها جاءت ردًا على ما وصفته بتهديدات صادرة عن "جماعات متطرفة" ضمن القوات المستهدفة. وفي 30 ديسمبر/كانون الأول 2025، أعلنت دولة الإمارات العربية المتحدة سحب ما تبقى من فرقها المختصة بمكافحة الإرهاب من اليمن، مشيرةً إلى مراجعة الوضع الأمني والمتطلبات التشغيلية.
أنماط الانتهاكات أثناء الاحتجاز
استنادًا إلى التقارير الإعلامية والمحتوى المتداول على منصات التواصل الاجتماعي، تكررت أنماط معينة من الانتهاكات أثناء الاحتجاز في المناطق التي كانت خاضعة لسيطرة قوات المجلس الانتقالي الجنوبي. وتشمل هذه الأنماط الاحتجاز خارج نطاق الإشراف القضائي ودون أوامر قانونية واضحة؛ والإخفاء القسري من خلال نقل المحتجزين إلى أماكن احتجاز لا تخضع لإشراف النيابة؛ ومنع الزيارات والتواصل مع أفراد العائلة. كما أشارت التقارير إلى سوء المعاملة والتعذيب أثناء الاستجواب، فضلًا عن الإهمال الطبي، مما فاقم المخاطر الجسدية والنفسية التي واجهها المحتجزون، وقوّض أي ضمانات للإجراءات القانونية الواجبة.
المداهمات الليلية واقتحام المنازل
أفادت وسائل إعلام وجهات حقوقية وثّقت الانتهاكات بتكرار نمط من المداهمات الليلية للمنازل. ووفقًا لتقارير صادرة عن منظمة سام وهيومن رايتس ووتش، نُفذت هذه العمليات على يد قوات مسلحة، وشملت ممارسات وُصفت بأنها استهدفت ترهيب السكان، من بينها إطلاق النار في المناطق السكنية. كما ذكرت التقارير أن هذه المداهمات رافقتها اعتداءات لفظية وجسدية بحق النساء، ونهب للممتلكات الشخصية، واستخدام للقوة أثناء تنفيذ عمليات الاعتقال. وأفادت منظمة العفو الدولية أيضًا بأن شهودًا وصفوا أفرادًا ملثمين لم يكشفوا عن هوياتهم، واستخدموا قوة مفرطة أثناء تنفيذ هذه المداهمات.
التوقيف عند نقاط التفتيش واقتياد المدنيين من الشوارع
وثّقت منظمات حقوقية شهادات تشير إلى نمط متكرر من الاعتقال التعسفي عند نقاط التفتيش الأمنية في عدد من محافظات جنوب اليمن، ولا سيما في عدن وشبوة وحضرموت. وشمل ذلك نقاط تفتيش رئيسية، من بينها نقطة العلم عند المدخل الشرقي لمدينة عدن، ونقاط التفتيش التابعة لقوات النخبة الحضرمية في محافظة حضرموت، ونقاط التفتيش التابعة لقوات الحزام الأمني المنتشرة في أطراف حضرموت.
ووفقًا لهذه الشهادات والمعلومات المستقاة من المصادر المفتوحة، لم تقتصر ممارسات الاعتقال على نقاط التفتيش، بل شملت أيضًا اختطاف مدنيين مباشرة من الشوارع، ولا سيما في مدينة عدن. وذكرت التقارير أن الحالات الموثقة استهدفت في كثير من الأحيان مسافرين قادمين من محافظات أخرى، أو أفرادًا كانوا في طريقهم إلى مطار سيئون أو مطار عدن أو عائدين منهما.
الاحتجاز خارج الإطار القضائي
ذكرت معلومات مفتوحة المصدر بأن إجراءات الاحتجاز في مناطق خاضعة لسيطرة قوات المجلس الانتقالي الجنوبي جرت في عدد واسع من الحالات دون أي مسار قضائي، بما في ذلك غياب مذكرات توقيف رسمية، وعدم توجيه اتهامات، وحرمان المحتجزين من مقابلة محامين أو المثول أمام قاضٍ. وفقًا لمحامٍ لأحد المحتجزين نقلت عنه منظمة هيومن رايتس ووتش، تلقى أعضاء في النيابة العامة أوامر من مسؤولين في المجلس الانتقالي الجنوبي ودولة الإمارات العربية المتحدة بعدم الإفراج عن موكله. وبحسب التقارير، احتُجز عدد من المحتجزين لفترات طويلة في أماكن احتجاز تابعة لقوات الحزام الأمني دون إحالتهم إلى النيابة العامة أو القضاء، ودون تمكينهم من الحصول على المساعدة القانونية.
استهداف فئات اجتماعية وسياسية محددة
تشير مصادر حقوقية وشهادات موثقة إلى نمط متكرر من الاعتقالات التي استهدفت فئات اجتماعية وسياسية محددة. وشملت هذه الفئات محامين وصحفيين وناشطين سياسيين عُرفوا بانتقادهم للمجلس الانتقالي الجنوبي أو الوجود الإماراتي، بالإضافة إلى أفراد منتمين سياسيًا إلى حزب التجمع اليمني للإصلاح.
ظروف الاحتجاز داخل مرافق السجون
تشير المواد مفتوحة المصدر, بما في ذلك المقابلات المنشورة، إلى أن أماكن الاحتجاز في المناطق التي كانت خاضعة لسيطرة المجلس الانتقالي الجنوبي اتسمت بظروف احتجاز قاسية، شملت اكتظاظًا شديدًا، وانعدامًا لمقومات النظافة الأساسية، وقصورًا في الرعاية الطبية. وذكرت المصادر أن المحتجزين احتُجزوا في زنازين ضيقة، مع محدودية في الحصول على المياه والغذاء والرعاية الصحية، مما أدى إلى انتشار الأمراض وتدهور أوضاعهم الصحية. كما وثّقت المقابلات الاستخدام المنهجي للتعذيب الجسدي والنفسي، إلى جانب العزل المطول ومنع التواصل مع أفراد العائلة أو العالم الخارجي. وبصورة عامة، تُظهر المصادر المتاحة بيئة احتجاز اتسمت بالإذلال وغياب الضمانات الإنسانية الأساسية.
صورتان نشرتهما منظمة إنسان (أُزيل الرابط حفاظًا على خصوصية الشخص المعرض للخطر، إلا أن المواد مؤرشفة ومتاحة عند الطلب)، ويُقال إنهما تُظهران آثار تعذيب جسدي تعرض لها أحد المحتجزين عقب اعتقاله عند نقطة تفتيش تابعة للمجلس الانتقالي الجنوبي في محافظة أبين. التقطت منظمة سام الصورة في 2 فبراير/شباط 2026.
صورة (أُزيل الرابط حفاظًا على خصوصية الشخص المعرض للخطر، إلا أن المواد مؤرشفة ومتاحة عند الطلب)، يُقال إنها تُظهر آثار تعذيب جسدي على ظهر أحد المحتجزين، يُزعم أنه تعرّض لها عقب اختطافه على يد قوة أمنية تابعة لمدينة عدن لم يُحدد اسمها. التقطت منظمة سام الصورة في 2 فبراير/شباط 2026.
صورة (أُزيل الرابط حفاظًا على خصوصية الشخص المعرض للخطر، إلا أن المواد مؤرشفة ومتاحة عند الطلب)، نشرها الصحفي عادل الحسني، ويُقال إنها تُظهر آثار تعذيب جسدي على ظهر أحد المحتجزين، يُزعم أنه تعرّض لها أثناء احتجازه في أماكن احتجاز سرية بمدينة عدن. التقطت منظمة سام الصورة في 3 فبراير/شباط 2026.
منذ اندلاع النزاع واتساع نفوذ الجهات العسكرية والأمنية في محافظات جنوب اليمن، أشارت تقارير حقوقية وإعلامية متعددة إلى وجود شبكة من أماكن الاحتجاز غير الرسمية التي تعمل خارج الإطار القضائي، وارتبطت بمزاعم تتعلق بالاحتجاز التعسفي، والإخفاء القسري، والتعذيب، وغيره من ضروب سوء المعاملة.
وتُعد هذه القضية ممتدة منذ سنوات؛ ففي يونيو/حزيران 2017، وثّقت منظمة هيومن رايتس ووتش وجود 11 مكان احتجاز غير رسمي في محافظتي عدن وحضرموت، من بينها ستة أماكن احتجاز داخل مدينة عدن وحدها. وفي الشهر نفسه، نشرت وكالة أسوشيتد برس تقريرًا أشار إلى وجود شبكة واسعة من أماكن الاحتجاز غير الرسمية في جنوب اليمن، يُعتقد أن مئات الأشخاص احتُجزوا فيها داخل ما لا يقل عن 18 مكان احتجاز كانت تُدار أو تُشرف عليها قوات محلية مدعومة من دولة الإمارات العربية المتحدة. وتشير أحدث البيانات الصادرة عن رابطة أمهات المختطفين إلى وجود ما يصل إلى 15 مكان احتجاز غير قانوني يُرجح وجودها في مدينة عدن حتى يناير/كانون الثاني 2026.
نماذج من مراكز الاحتجاز وشخصيات يحتمل ارتباطها بها
في ظل العدد الكبير من أماكن الاحتجاز التي وردت الإشارة إليها، ركّز الأرشيف اليمني ومنظمة سام للحقوق والحريات في هذا التحقيق على ثلاثة أماكن احتجاز محددة، هي: مكان الاحتجاز في قاعة وضاح بمدينة عدن، وأماكن الاحتجاز في مطار الريان ومنشأة الضبة النفطية في محافظة حضرموت.
واستند اختيار هذه المواقع الثلاثة إلى عدة اعتبارات، من بينها حجم الشهادات والمواد المستقاة من المصادر المفتوحة المرتبطة بها، وتكرار الإشارة إليها في تقارير منظمات حقوقية دولية ومحلية، وتوافر معلومات بصرية وجغرافية مكانية تدعم تحديد مواقعها وتحليلها ضمن منهجية التحقيق المعتمدة على المصادر المفتوحة. كما تمثل هذه المواقع أنواعًا مختلفة من أماكن الاحتجاز غير الرسمية من حيث طبيعة الموقع، إذ تشمل مبنى مدنيًا سابقًا، وموقعًا عسكريًا، ومنشأة اقتصادية استراتيجية، بما يتيح فهمًا أوسع لكيفية استخدام مواقع متنوعة كمراكز احتجاز خارج الإطار القانوني خلال سنوات النزاع.
1- مكان الاحتجاز في قاعة وضاح، عدن
استنادًا إلى تقرير صادر عن منظمة مواطنة لحقوق الإنسان، حدّد الأرشيف اليمني موقع مكان الاحتجاز في قاعة وضاح باعتباره يقع بمحاذاة مقر المجلس الانتقالي الجنوبي وقناة عدن المستقلة (وهي قناة فضائية تابعة للمجلس الانتقالي الجنوبي)، داخل معسكر مكافحة الإرهاب في مديرية التواهي (جولد مور)، بمدينة عدن. وكان المبنى يُستخدم في الأصل لاستضافة الفعاليات والاحتفالات العامة، قبل أن يُحوّل إلى مكان احتجاز غير رسمي في عام 2016، عقب اتساع نفوذ التشكيلات الأمنية التابعة للمجلس الانتقالي الجنوبي، وذلك وفقًا للمعهد القاهري لدراسات حقوق الإنسان ورابطة أمهات المختطفين. ووفقًا لمنظمة مواطنة لحقوق الإنسان، يتكون مكان الاحتجاز في قاعة وضاح من قاعتين تقعان تحت مستوى سطح الأرض، وعدة غرف استُخدمت كزنازين للحبس الانفرادي.
وفقًا لشهادات ناجين وتقارير صادرة عن منظمات، من بينها منظمة سام، ورابطة أمهات المختطفين، والمعهد القاهري لدراسات حقوق الإنسان، ارتبط هذا المكان بحالات تعذيب شديد، شملت الضرب، والصعق بالكهرباء، والحرمان المطول من النوم، والتهديد بالاعتداء الجنسي، ونزع الأظافر، والتعليق من القدمين. ووثّقت منظمة مواطنة لحقوق الإنسان احتجاز ما لا يقل عن 51 شخصًا في هذا المكان، أفادت التقارير بأن ما لا يقل عن 21 منهم تعرضوا لأشكال شديدة من التعذيب الجسدي والنفسي. كما سجلت المنظمة ما لا يقل عن 37 حالة إخفاء قسري مطول لأشخاص نُقلوا إلى هذا المكان.
وتشير شهادات عدد من المحتجزين السابقين إلى أن بعض الأشخاص الذين توفوا داخل مكان الاحتجاز دُفنوا داخل مجمعه، بدلًا من نقل جثامينهم إلى خارج الموقع أو تسليمها إلى ذويهم. كما نشر الصحفي عادل الحسني مقطع فيديو متداولًا على نطاق واسع (تحذير: يحتوي على مشاهد صادمة)، يُظهر جثة يُزعم أنها كانت تطفو في مياه خليج عدن، مربوطة بحبل ويبدو أنها كانت مثقلة من القدمين. وذكر الحسني أن الجثة عُثر عليها بالقرب من مكان الاحتجاز في قاعة وضاح، مرجحًا أنها تعود لأحد المحتجزين الذين توفوا داخل المكان. ولم يتمكن الأرشيف اليمني من تحديد الموقع الجغرافي أو التوقيت الزمني لمقطع الفيديو، إلا أن الأشخاص الذين ظهروا فيه بدوا وكأنهم يتحدثون بلهجة يمنية جنوبية.
نقلاً عن موقع منظمة سام
تنويه: هذا الخبر تم نقله تلقائياً من مصدره (موقع الحرف 28) ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع.