مع إعلان جماعة الحوثي المصنفة في قوائم الإرهاب، حظر الملاحة السعودية في البحر الأحمر، تتسع دائرة التصعيد في أحد أهم الممرات البحرية العالمية، وتنتقل الجماعة من استهداف السفن المرتبطة بإسرائيل بذريعة “نصرة غزة”، إلى تهديد مصالح دول الجوار، مستغلة موقع اليمن وممراته البحرية في صراع إقليمي يتجاوز حدود البلاد.
وتثير هذه الخطوة تساؤلات حول دوافعها وتداعياتها على اليمن والمنطقة، وحول انتقال الجماعة من توظيف “القضية الفلسطينية” كذريعة لتبرير هجماتها السابقة إلى استهداف دول الخليج العربي تحت ذرائع جديدة، بما يخدم الأجندات الإيرانية في المنطقة.
في هذا التقرير استطلع “برّان برس” آراء سياسيين وباحثين مختصين حول دوافع هذا التصعيد وسياقاته، وتداعياته على أمن اليمن والمنطقة، والخيارات المتاحة أمام الحكومة وحلفائها لاحتواء المخاطر المحتملة ومنع اتساع دائرة التصعيد.
ورقة ضغط
وقال رئيس مركز اليمن والخليج للدراسات الدكتور علي الأسد، إن إعلان الحوثيين حظر الملاحة السعودية يهدف، قبل كل شيء، إلى “استخدام الموقع الجغرافي لليمن والممرات البحرية كورقة ضغط سياسية وأمنية تتجاوز حدود الصراع الداخلي”.
وأضاف، في حديث لـ“بران برس”، أن الخطوة تعكس محاولة لنقل مركز التأثير من الساحة البرية اليمنية إلى المجال البحري والإقليمي، بما يمنح الجماعة قدرة أكبر على التأثير في حسابات الأطراف الأخرى وإعادة تقديم نفسها “كفاعل إقليمي قادر على تهديد مصالح دولية”.
وأوضح أن هذا الإعلان يكشف اعتماد الحوثيين على “استراتيجية تصعيد محسوب” تقوم على استخدام أدوات الضغط غير التقليدية لتعويض محدودية قدرتهم على فرض واقع سياسي شامل داخل اليمن.
ووفقًا للأسد، فإن “اللجوء إلى تهديد الملاحة يشير أيضاً إلى رغبة في تعزيز الردع السياسي أكثر من كونه مؤشراً بالضرورة على امتلاك القدرة على تغيير قواعد الملاحة الدولية بشكل دائم”.
من جانبه، أوضح مدير عام مكتب الإعلام بمحافظة صعدة، مبروك المسمري، أن الإعلان الحوثي يأتي ضمن محاولة الجماعة تصعيد التوتر في البحر الأحمر وتوسيع دائرة التهديدات الإقليمية، بهدف خلق أوراق ضغط جديدة تتجاوز الشأن اليمني وإظهار نفسها كطرف قادر على التأثير في أمن الملاحة الدولية.
وأضاف لـ“برّان برس”، أن هذا التصعيد يعكس “حالة المأزق السياسي والعسكري” الذي تعيشه الجماعة، في ظل فشلها في فرض أجندتها داخلياً، وسعيها إلى تعويض ذلك عبر “افتعال أزمات خارجية تستجلب الاهتمام وتخدم أجندات داعميها”.
توسيع الاستهداف
وبشأن انتقال الحوثيين من شعار “نصرة غزة” إلى استهداف السعودية، قال الأسد إن هذا “تحول مهم في طبيعة الخطاب والأهداف، إذ انتقلت الجماعة من تقديم عملياتها البحرية باعتبارها مرتبطة بالصراع في غزة، إلى توسيع نطاق التهديد ليشمل طرفاً إقليمياً رئيسياً هو المملكة العربية السعودية”.
وأوضح أن هذا التحول “يعني أن المجال البحري أصبح بالنسبة للحوثيين أداة ضغط تتجاوز البعد المرتبط بإسرائيل، لتدخل ضمن حسابات الصراع الإقليمي الأوسع”.
واعتبر الخطوة “محاولة لإعادة تعريف قواعد الاشتباك مع السعودية، وإرسال رسالة بأن الجماعة قادرة على استهداف المصالح الاقتصادية والأمنية للدول المؤثرة في الملف اليمني”، كما يعكس “رغبة في تحسين الموقع التفاوضي للجماعة من خلال رفع كلفة أي ضغوط سياسية أو عسكرية عليها”.
لكنه حذّر من أن “توسيع دائرة الاستهداف يحمل مخاطر كبيرة، فقد يؤدي إلى تغيير طبيعة التعامل الدولي مع الحوثيين من جماعة طرف في نزاع داخلي إلى فاعل يهدد أحد أهم الممرات التجارية العالمية، بما قد يفتح الباب أمام ضغوط دولية أكبر”.
واتفق المسمري على أن هذا التطور يمثل “انتقالًا خطيرًا” في طبيعة الخطاب والتصعيد، وقال إنه “يكشف أن الجماعة لا تتحرك باعتبارات وطنية أو مرتبطة بالقضية الفلسطينية كما تدّعي، وإنما وفق حسابات سياسية وعسكرية تمتد لاستهداف أمن المنطقة ومصالحها الحيوية”.
وأضاف أن ذلك “يؤكد استعداد الجماعة لتوسيع دائرة التهديد كلما اقتضت مصالحها أو مصالح الأطراف الداعمة لها”.
إعلان حرب
بدوره، قال عضو مجلس الشورى وعضو البرلمان العربي الشيخ علوي الباشا بن زبع، إن “استهداف السفن المرتبطة بإسرائيل كان مرحلة بررتها الجماعة بالعدوان الإسرائيلي على غزة”.
وأضاف، في حوار مع “برّان برس”: “مع أن تلك الاستهدافات لم تكن مؤثرة في الاقتصاد الإسرائيلي، ولم تسهم بفاعلية في وقف الحرب على غزة، فإنها لم تواجه برفض يمني أو عربي واسع، رغم ما جرّته من أضرار على بعض المقدرات اليمنية. أما اليوم، فما أعلنه الحوثيون يمثل إعلان حرب على دولة جارة تمثل أهم ثقل عربي مؤثر، وأكبر داعم لليمن وحكومتها وشعبها”.
ولذلك، قال الشيخ الباشا إن “هذا القرار المليشياوي هو إعلان حرب على السعودية واليمن معًا، وعلى أمن المنطقة والعالم”.
قرار إيراني
وفيما يتعلق بالعلاقة بين الإعلان الحوثي والحسابات الإيرانية، قال الشيخ “بن زبع” إن “هذا القرار إيراني بوضوح لا لبس فيه، ولو كان قرارًا حوثيًا مستقلًا، لسمعنا به خلال أربع سنوات من هدنة هشة وفاشلة، لم يتوقف خلالها القصف والاعتداءات الحوثية على الشعب اليمني، وحتى على المناطق الحدودية السعودية”.
وأضاف أن الجماعة انتقلت اليوم إلى “مستوى مختلف يعكس ارتباط قرارها بالحسابات الإيرانية أكثر من ارتباطه بأي مصلحة يمنية”.
فيما قال الدكتور الأسد إنه “يصعب فصل إعلان الحوثيين حظر الملاحة السعودية عن السياق الإقليمي الأوسع”، مؤكدًا أن الخطوة تتقاطع مع الحسابات الإيرانية القائمة على استخدام أدوات النفوذ الإقليمية للضغط على الخصوم وتخفيف الضغوط السياسية والعسكرية عليها”.
وفي الوقت نفسه، قال إن “التصعيد يخدم مصالح الحوثيين أيضًا، من خلال تعزيز حضورهم كفاعل إقليمي قادر على التأثير في ملفات تتجاوز الساحة اليمنية، وتحسين موقعهم التفاوضي في أي ترتيبات سياسية مقبلة”.
وفي السياق ذاته، أكد المسمري صعوبة فصل هذا القرار عن المشروع الإيراني، وقال إن “الجماعة ترتبط بعلاقات عسكرية وسياسية وثيقة مع طهران، وأثبتت الوقائع أن تحركاتها الإقليمية تأتي في إطار تنسيق يخدم الاستراتيجية الإيرانية الرامية إلى استخدام المليشيا المسلحة كورقة ضغط في الممرات البحرية والمفاوضات الإقليمية والدولية”.
ولهذا، يرى أن هذا التصعيد الحالي يمثل “امتدادًا لهذا النهج، أكثر من كونه قرارًا مستقلًا”.
تداعيات التصعيد
وحول التداعيات المحتملة، أشار الشيخ بن زبع إلى أن “من شأن هذا التصعيد أن يزيد من تعقيد الأزمة اليمنية، ويُلحق أضرارًا إضافية بالاقتصاد الوطني، ويقوض فرص العملية السياسية”.
فيما حذّر الدكتور الأسد من أن الخطوة قد تزيد الضغوط على الاقتصاد اليمني الهش، خصوصًا إذا انعكست على حركة الموانئ والتجارة البحرية أو أدت إلى ارتفاع تكاليف التأمين والشحن.
وقال إن اليمن يعتمد على الواردات، وبالتالي أي اضطراب في حركة الملاحة سيؤثر على أسعار السلع الأساسية وتدفق المساعدات الإنسانية وفرص التعافي الاقتصادي، مضيفًا أن استهداف المصالح الاقتصادية المرتبطة بالنفط أو الموانئ قد يزيد من تعقيد الوضع المالي للحكومة اليمنية ويعرقل جهود استعادة موارد الدولة.
أما سياسيًا، فأكد الأسد أن التصعيد البحري قد يضعف فرص التسوية إذا أعاد إنتاج منطق المواجهة بدلًا من التفاوض، ويدفع الأطراف إلى تبني مواقف أكثر تشددًا.
وفي المقابل، رأى أن الحكومة اليمنية تستطيع توظيف التطور لإعادة التأكيد على أن القضية اليمنية لم تعد مرتبطة فقط بصراع داخلي، وإنما باتت تمس الأمن الإقليمي والدولي، بما يعزز موقفها الدبلوماسي في المحافل الدولية.
من جانبه، أشار المسمري إلى أن التداعيات ستكون مباشرة على الاقتصاد اليمني، من خلال ارتفاع تكاليف النقل والتأمين وتعطيل حركة التجارة وزيادة الأعباء المعيشية على المواطنين.
وأضاف أن “هذه الممارسات تقوض جهود السلام، وتبعث برسائل سلبية إلى المجتمع الدولي بأن الحوثيين يفضلون التصعيد العسكري على الانخراط الجاد في عملية سياسية شاملة، وهو ما يعرقل فرص التوصل إلى تسوية مستدامة للأزمة اليمنية”.
خيارات مواجهة التصعيد
وعن الخيارات المتاحة أمام الحكومة اليمنية وحلفائها لاحتواء التصعيد ومنع اتساعه، يرى الأسد أنها تتطلب التحرك عبر مسارين متوازيين؛ أمني وردعي، وسياسي ودبلوماسي.
وأوضح أن المسار الأول “يهدف إلى منع الحوثيين من فرض واقع جديد في البحر الأحمر، عبر تعزيز قدرات حماية الموانئ والمنشآت الاقتصادية، ورفع مستوى التنسيق مع الشركاء الإقليميين والدوليين لضمان حرية الملاحة ومنع تهديد خطوط التجارة والطاقة”.
وأما المسار الثاني، فيقوم على “استثمار هذا التطور لإعادة تقديم القضية اليمنية باعتبارها مرتبطة بأمن إقليمي ودولي، وليس مجرد صراع داخلي”.
وقال إن الحكومة اليمنية تستطيع “توظيف التصعيد الحوثي لتعزيز موقفها أمام المجتمع الدولي، من خلال التأكيد على أن تهديد الملاحة يمثل اعتداء على سيادة الدولة اليمنية ومصالحها الاقتصادية، ويقوض فرص السلام والاستقرار”.
وأضاف أن ذلك يتيح “فرصة لإعادة التأكيد على أهمية دعم مؤسسات الدولة الشرعية وتمكينها من ممارسة وظائفها السيادية، بدلاً من السماح بترسيخ نموذج الجماعات المسلحة التي تستخدم الجغرافيا الوطنية كأداة ضغط إقليمية”.
وشدد الأسد على أن “نجاح الحكومة في مواجهة هذه المعادلة لا يعتمد فقط على الأدوات العسكرية، بل يتطلب بناء استراتيجية متكاملة تجمع بين الردع، والتحرك الدبلوماسي، وتعزيز الجبهة الاقتصادية والمؤسسية، بما يمنع تحويل التصعيد الحوثي إلى ورقة تفاوضية جديدة ويعيد التأكيد على أن أمن البحر الأحمر واستقرار اليمن يرتبطان بوجود دولة قادرة على إدارة مواردها وحماية مصالحها”.
بدوره، دعا المسمري الحكومة اليمنية، بالتنسيق مع التحالف العربي بقيادة السعودية والشركاء الدوليين، إلى تكثيف التحرك الدبلوماسي لـ“فضح الممارسات الحوثية” باعتبارها تهديدًا مباشرًا للأمن الإقليمي والدولي، وتعزيز تنفيذ قرارات مجلس الأمن ذات الصلة، وتجفيف مصادر تمويل وتسليح الجماعة، ودعم قدرات الدولة لاستعادة مؤسساتها وبسط سلطتها على كامل الأراضي اليمنية.
وبرأي المسمري فإن التصعيد يمثل فرصة لإبراز الحكومة باعتبارها الممثل الشرعي للدولة والمسؤول عن حماية أمن الملاحة الدولية واحترام القانون الدولي، في مقابل جماعة مسلحة تواصل تهديد الاستقرار الإقليمي.
وأضاف أن بإمكان الحكومة البناء على هذا التطور للتأكيد على أن تحقيق الأمن في البحر الأحمر وخليج عدن يبدأ بدعم الدولة اليمنية وإنهاء انقلاب الحوثيين واستعادة مؤسسات الدولة.
وبينما تسعى جماعة الحوثي إلى توسيع نطاق نفوذها واستخدام الممرات البحرية ورقة ضغط في الصراع الإقليمي، فإنها تضع اليمن أمام مخاطر متصاعدة، وتحول موقعه الجغرافي ومقدراته إلى أدوات إيرانية في صراع ممتد يتجاوز حدود البلاد ويمس أمن الملاحة الدولية واستقرار المنطقة.
تنويه: هذا الخبر تم نقله تلقائياً من مصدره (بران برس) ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع.