كتاب الرأي
بقلم طه البحر
هناك كتب تُقرأ فتضيف إلى المعرفة معلومة، وهناك كتب تفتح نافذة جديدة للنظر إلى المكان، فتجعلك تراه بعين مختلفة، وتعيد اكتشاف ما كنت تظنه مألوفًا. وهذا الكتاب الذي بين أيدينا ينتمي إلى الصنف الثاني؛ لأنه لا يكتفي بتقديم معلومات عن حضرموت، بل يحاول أن يعيد تقديمها بوصفها فضاءً حضاريًا وسياحيًا متكاملًا، يجمع بين سحر الطبيعة، وعمق التاريخ، وغنى الثقافة، وثراء الإنسان.
وليس من قبيل المبالغة القول إن حضرموت، على الرغم من مكانتها التاريخية، وما تختزنه من كنوز أثرية، ومدن تاريخية، وسواحل ممتدة، ووديان آسرة، وتراث عمراني فريد، ما تزال تعاني نقصًا واضحًا في الأدلة السياحية المنهجية التي تجمع هذه العناصر في كتاب واحد، يخاطب الباحث كما يخاطب السائح، ويقدم المعرفة بلغة علمية رصينة، دون أن يفقدها جمالها الأدبي.
لقد كتب المؤرخون عن حضرموت، وكتب الجغرافيون عنها، وأفرد الباحثون دراسات عن الهجرة الحضرمية، والعمارة الطينية، والمدارس العلمية، والطرق الصوفية، والأسواق القديمة، والقبائل، والأعلام، كما سجل الرحالة مشاهداتهم وانطباعاتهم عنها منذ قرون. غير أن معظم هذه المؤلفات كانت متخصصة في جانب واحد، أو موجهة إلى الباحثين، ولم تتجه إلى بناء دليل سياحي شامل يستطيع الزائر أن يصطحبه معه وهو يطوف في مدن حضرموت وسواحلها وأوديتها.
ومن هنا تبرز أهمية هذا العمل الذي أنجزه الدكتور مسعود سعيد عمشوش، أستاذ السياحة بجامعة حضرموت، والذي يمكن القول إنه نجح في سد فراغ طال انتظاره في المكتبة الحضرمية واليمنية. فالكتاب لا يقدم حضرموت من خلال منظور واحد، وإنما ينظر إليها بوصفها منظومة متكاملة تتداخل فيها الجغرافيا مع التاريخ، والإنسان مع المكان، والتراث مع التنمية، والسياحة مع الثقافة.
وأحسب أن أول ما يلفت القارئ في هذا الكتاب هو الجهد الكبير الذي بذله مؤلفه في جمع مادته العلمية. فمن يطالع صفحاته يدرك أنه لم يعتمد على مصدر واحد، أو على مشاهدات عابرة، وإنما جمع بين المراجع التاريخية، والدراسات الأكاديمية، والخبرة الميدانية، والمعرفة المتخصصة بالسياحة، ليخرج بصورة متكاملة عن حضرموت، قلما اجتمعت في كتاب واحد.
ولا يقل الجانب البصري أهمية عن الجانب العلمي؛ إذ حرص المؤلف على أن يجعل الصورة شريكًا للنص، لا مجرد عنصر تجميلي. فجاءت صفحات الكتاب غنية بالصور الجوية، واللقطات الحديثة، والصور التاريخية، والخرائط، والجداول، وهي عناصر تمنح القارئ فرصة لرؤية المكان وهو يقرأ عنه، وتجعل الكتاب أقرب إلى الأطلس السياحي المصور منه إلى الكتاب الوصفي التقليدي. فالكتاب يخاطب العين كما يخاطب العقل، ويستثمر قوة الصورة في إبراز جمال حضرموت وتنوعها.
ومن الجوانب التي تستحق الإشادة أن المؤلف لم يقف عند التعريف بالمعالم السياحية وحدها، بل أدرك أن الدليل السياحي الحقيقي ينبغي أن يجيب عن الأسئلة العملية التي يطرحها الزائر قبل رحلته وأثناءها. لذلك لم يكتفِ بوصف المدن والآثار والشواطئ والأودية، بل ضمّن كتابه معلومات يحتاجها السائح فعلًا؛ فتحدث عن أفضل أوقات زيارة حضرموت، وبيّن الفروق المناخية بين الساحل والوادي والهضبة، واقترح تقويمًا سياحيًا يمتد على أشهر السنة، بحيث يعرف الزائر متى يزور المكلا للاستمتاع بالشواطئ، ومتى يتجه إلى دوعن في موسم العسل، ومتى تكون مدن الوادي أكثر اعتدالًا وجمالًا.
كما أفرد المؤلف صفحات للمنشآت الفندقية وأماكن الإقامة، وعرّف بأبرز الفنادق والخدمات السياحية، واقترح مسارات سياحية متكاملة تراعي الوقت والمسافة، بحيث يستطيع السائح أن ينتقل بين سيئون وتريم وشبام، أو بين المكلا والشحر وغيل باوزير، وفق برنامج مدروس يحقق أكبر قدر من الفائدة والمتعة. وهذه الإضافات تجعل الكتاب يتجاوز حدود الوصف إلى وظيفة الدليل العملي الذي يمكن أن يصطحبه المسافر في رحلته.
ومن القضايا التي لفتت انتباهي كذلك أن المؤلف لم يجعل الإنسان الحضرمي مجرد عنصر ثانوي في المشهد، بل وضعه في قلب الكتاب. فحضرموت، في نظره، ليست جبالًا ووديانًا وشواطئ وآثارًا فحسب، وإنما هي قبل ذلك الإنسان الذي شيد المدن، وروّض الصحراء، وأبحر في المحيطات، ونشر ثقافته في أرجاء العالم، وحافظ على هويته رغم اتساع الهجرة وتعدد البيئات التي عاش فيها. ومن هنا جاء عنوان الكتاب معبرًا عن مضمونه: (حضرموت... الأرض والإنسان)، إذ لا يمكن فهم المكان دون فهم الإنسان الذي صنعه.
ويحسب للمؤلف أيضًا أنه لم يغفل أنماط السياحة المختلفة، فلم يحصر اهتمامه في السياحة الأثرية، وإنما قدم رؤية واسعة تشمل السياحة الثقافية، والدينية، والبيئية، والبحرية، والريفية، وسياحة المهرجانات، وسياحة العمارة، وهو بذلك يقدم حضرموت باعتبارها مقصدًا سياحيًا متعدد الوجوه، قادرًا على تلبية اهتمامات شرائح مختلفة من الزوار.
ولعل هذا العمل يحمل رسالة أبعد من حدود الكتاب نفسه؛ فهو دعوة مفتوحة إلى الباحثين والمثقفين والمهتمين بالشأن الحضرمي لكي يواصلوا هذا الطريق، وأن يسهموا في التعريف بحضرموت من زوايا متعددة. فما تزال المحافظة بحاجة إلى أدلة متخصصة عن شواطئها، وأوديتها، ومحمياتها الطبيعية، وعمارتها التقليدية، ومطبخها الشعبي، وفنونها، ومهرجاناتها، ومساراتها البيئية، بحيث تتكامل هذه الجهود لتكوين مكتبة سياحية حضرمية تليق بما تمتلكه هذه الأرض من ثراء حضاري وإنساني.
إن الأمم التي تدرك قيمة تراثها لا تكتفي بالمحافظة عليه، بل تعمل على تقديمه للعالم في أفضل صورة. والسياحة اليوم ليست مجرد انتقال من مكان إلى آخر، بل هي صناعة للمعرفة، وبناء للصورة الذهنية، وجسر للتواصل بين الشعوب. ومن هنا فإن مثل هذا الكتاب يؤدي وظيفة ثقافية ووطنية واقتصادية في آن واحد؛ لأنه يسهم في التعريف بحضرموت، ويعزز حضورها في الوعي العربي، ويفتح الباب أمام مزيد من الاهتمام بموروثها الفريد.
لقد بذل الدكتور مسعود عمشوش جهدًا واضحًا في إعداد هذا العمل، فجاء كتابه ثمرة معرفة أكاديمية، وخبرة ميدانية، وشغف بالمكان، وإيمان بأن حضرموت تستحق أن تُقرأ كما تستحق أن تُزار. وإذا كان لكل كتاب فضل، فإن فضل هذا الكتاب أنه لا يكتفي بوصف الطريق إلى حضرموت، بل يفتح للقارئ أبوابها، ويجعله يشعر، منذ الصفحات الأولى، أنه بدأ رحلة حقيقية في أرضٍ لا تنتهي مفاجآتها.
وأرجو أن يكون هذا الكتاب بدايةً لا نهاية؛ وأن يشجع باحثين آخرين، ولا سيما من أبناء حضرموت، على إعداد مؤلفات متخصصة في السياحة، لأن حضرموت أكبر من أن يحتويها كتاب واحد، وأغنى من أن تختزلها دراسة واحدة. إنها عالم كامل من التاريخ والطبيعة والثقافة والإنسان، وما أحوجها إلى أقلام تعرفها جيدًا، وتحبها، وتكتب عنها بعلم ووعي ومسؤولية.
لقد قيل إن بعض الأماكن لا تحتاج إلى من يجمّلها، بل إلى من يُحسن التعريف بها. وأحسب أن الدكتور مسعود عمشوش، في هذا الكتاب، قد قام بهذه المهمة بجدارة، فقدم حضرموت كما تستحق أن تُعرف، وكما ينبغي أن يراها العالم.
تنويه: هذا الخبر تم نقله تلقائياً من مصدره (موقع الأول) ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع.