وتختلف هذه التجربة عن الاستخدامات المعتادة للذكاء الاصطناعي في علم الأحياء، التي تركز غالبًا على تصميم بروتينات أو تعديل جينات منفردة؛ إذ تعامل الباحثون هذه المرة مع جينوم فيروسي كامل، بما يحتويه من مجموعة مترابطة من العناصر الوراثية اللازمة لعمل العاثية داخل الخلية البكتيرية.
والعاثيات، أو الفيروسات البكتيرية، هي فيروسات متخصصة في إصابة البكتيريا والتكاثر داخلها، ولا تستهدف خلايا الإنسان بالطريقة التي تفعلها الفيروسات البشرية.
وبحسب الدراسة المنشورة في دورية Science، استخدم الفريق نموذجين للذكاء الاصطناعي أطلق عليهما EVO 1 وEVO 2، وهما نماذج صُممت للتعامل مع تسلسلات الأحماض النووية، بصورة تشبه من حيث المبدأ الطريقة التي تتعلم بها النماذج اللغوية الأنماط والعلاقات بين الكلمات، لكن بدلًا من اللغة البشرية تتعامل هذه النماذج مع تسلسلات DNA.
وبدأ الباحثون من العاثية ΦX174، وهي عاثية صغيرة ومعروفة بقدرتها على إصابة بكتيريا الإشريكية القولونية، ويضم جينومها عددًا محدودًا من الجينات مقارنة بجينومات كثير من الفيروسات الأخرى.
ودرب الباحثون النماذج على جينومات عاثيات مرتبطة بالعاثية المستهدفة، قبل أن يطلبوا منها توليد تسلسلات DNA جديدة تحافظ على الخصائص والعناصر الضرورية التي تسمح للجينوم بالعمل وإنتاج عاثية قادرة على التكاثر.
لكن الذكاء الاصطناعي لم ينتج الفيروسات بصورة مباشرة؛ إذ اقتصر دوره في هذه المرحلة على اقتراح تسلسلات وراثية جديدة. وبعد ذلك جرى تصنيع التسلسلات التي اختارها الباحثون كيميائيًا واختبارها داخل خلايا بكتيرية في المختبر لمعرفة ما إذا كانت قادرة على إنتاج عاثيات فعالة.
ومن بين 285 جينومًا صممه الذكاء الاصطناعي واختبره الفريق، نجح 16 تصميمًا في إنتاج عاثيات حقيقية قادرة على التكاثر داخل البكتيريا، مع قدرة بعضها على إبطاء نمو الخلايا البكتيرية أو قتلها.
وتكشف هذه النسبة في الوقت نفسه عن حدود التقنية الحالية؛ فالغالبية العظمى من التصميمات لم تنتج عاثيات فعالة، ما يعني أن القدرة على تصميم جينوم فيروسي كامل قابل للعمل ما تزال في مرحلة بحثية مبكرة، ولا يمكن التعامل معها باعتبارها عملية مضمونة أو جاهزة للتطبيق على نطاق واسع.
ومع ذلك، تمثل النتائج نقطة مهمة في تطور استخدام الذكاء الاصطناعي في البيولوجيا التركيبية، لأنها تقدم دليلًا تجريبيًا على إمكانية استخدام النماذج الحاسوبية لاقتراح جينومات فيروسية كاملة، ثم اختبار بعضها وإثبات قدرته على العمل في نظام بيولوجي حقيقي.
العاثيات المصممة ظلت متخصصة
ولم تكن العاثيات الجديدة قادرة على مهاجمة نطاق واسع من البكتيريا؛ إذ أظهرت الاختبارات أنها بقيت متخصصة إلى حد كبير في إصابة سلالات محددة من الإشريكية القولونية.
وتعد هذه الخصوصية من الخصائص المعروفة للعاثيات، وهي في الوقت نفسه أحد الأسباب التي تجعل استخدامها المحتمل في مكافحة بعض العدوى البكتيرية موضوعًا بحثيًا مهمًا، لأن العاثية قد تستهدف البكتيريا المسببة للمشكلة مع ترك أنواع أخرى من البكتيريا دون إصابة.
لكن هذه الميزة تعني أيضًا أن تصميم عاثية مناسبة لعلاج عدوى معينة قد يتطلب معرفة دقيقة بالبكتيريا المستهدفة، إضافة إلى التأكد من سلامة العاثية وفعاليتها قبل أي استخدام طبي.
الذكاء الاصطناعي يواجه مقاومة العاثيات
اختبر الباحثون بعض العاثيات المصممة بالذكاء الاصطناعي ضد بكتيريا طورت مقاومة للعاثية الطبيعية ΦX174.
وأظهرت التجارب أن العاثية الطبيعية لم تعد قادرة على إصابة البكتيريا المقاومة، بينما تمكن مزيج من العاثيات المصممة من التغلب على المقاومة بعد عدة جولات من التكاثر.
وتكتسب هذه النتيجة أهمية خاصة في ظل الاهتمام العالمي بتطوير بدائل أو أدوات مساندة لمواجهة البكتيريا التي أصبحت مقاومة للمضادات الحيوية.
ومن الناحية النظرية، يمكن لتقنيات التصميم الحاسوبي أن تسمح بإنتاج عدد كبير من التصورات الجينية ثم اختبارها لاختيار العاثيات الأكثر قدرة على استهداف سلالة بكتيرية محددة.
لكن الباحثين لم يقدموا في هذه الدراسة علاجًا جاهزًا للاستخدام الطبي، كما أن التجارب أُجريت في المختبر وعلى سلالات بكتيرية غير ممرضة، وهو ما يجعل الانتقال من هذه النتائج إلى علاج للمرضى مسألة تحتاج إلى مراحل بحثية وتجارب إضافية واسعة.
ولا يعني نجاح بعض العاثيات في المختبر أنها ستكون آمنة أو فعالة تلقائيًا داخل جسم الإنسان، إذ يتطلب الاستخدام العلاجي دراسة تفاعل العاثيات مع البيئة الحيوية المعقدة داخل الجسم، وتحديد الجرعات وطريقة الإعطاء والاستقرار والاستجابة المناعية وغيرها من العوامل.
ماذا يعني ذلك لمستقبل الذكاء الاصطناعي والبيولوجيا؟
تفتح الدراسة بابًا جديدًا أمام استخدام الذكاء الاصطناعي في تصميم الأنظمة البيولوجية، لكنها تثير في الوقت نفسه أسئلة تتعلق بالسلامة البيولوجية، خصوصًا مع انتقال النماذج من تحليل الجينات والبروتينات إلى اقتراح تسلسلات لجينومات كاملة.
وأكد الباحثون أهمية إدماج خبراء السلامة والأمن البيولوجي منذ المراحل الأولى لمشروعات تصميم الجينومات، إلى جانب وضع ضوابط مناسبة تمنع إساءة استخدام الأدوات القادرة على توليد تسلسلات بيولوجية جديدة.
وفي المقابل، لا تثبت هذه الدراسة أن الذكاء الاصطناعي أصبح قادرًا على تصميم فيروسات بشرية أو كائنات ممرضة معقدة، كما أنها لا تقدم دليلًا على قرب استخدام هذه التقنية في أغراض عسكرية. ما تثبته التجربة تحديدًا هو إمكانية استخدام نماذج متخصصة في تسلسلات DNA لاقتراح جينومات كاملة لعاثيات، وأن بعض هذه التصميمات يمكن أن يصبح فعالًا بعد تصنيعها واختبارها في المختبر.
وقد يكون أحد أهم التطبيقات المستقبلية لهذا المسار هو تسريع البحث عن عاثيات جديدة قادرة على استهداف بكتيريا بعينها، خاصة في الحالات التي تواجه فيها البكتيريا مقاومة للعلاجات المتاحة. إلا أن الطريق من تجربة مخبرية إلى تطبيق طبي آمن وفعال لا يزال طويلًا ويتطلب أدلة وتجارب إضافية.
وبذلك لا تكمن أهمية الدراسة في أنها صنعت علاجًا جديدًا للبشر، وإنما في أنها أظهرت أن الذكاء الاصطناعي يستطيع الانتقال خطوة أبعد في البيولوجيا التركيبية، من اقتراح أجزاء وراثية منفردة إلى تصميم جينومات فيروسية كاملة، ثم اختبار ما إذا كانت تلك التصاميم قادرة على العمل داخل الخلايا البكتيرية.
تنويه: هذا الخبر تم نقله تلقائياً من مصدره (المشهد اليمني) ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع.