الصبيحة ليست مجرد منطقة تقع على هامش عدن، ولا مجرد كتلة قبلية ذات حضور تاريخي في جنوب اليمن. فالمعطيات التي قدمها د. حافظ قاسم القطيبي في مقاله « *الصبيحة في قلب الصراع.. تشظي الماضي ورهانات الحاضر!!* »، بالاستناد إلى قراءة *"ر. ج. جافن"* لتاريخ عدن ومحيطها، تكشف عن معادلة أعمق تتصل بعلاقة الجغرافيا بالقوة، وكيف يمكن للموقع الاستراتيجي أن يتحول من مصدر استقلال ومكانة إلى مجال دائم للتنافس والاستدعاء والاستنزاف.
أهمية التاريخ هنا لا تكمن في معرفة ما حدث فقط، بل في فهم لماذا تتكرر بعض المعادلات بأشكال مختلفة.
فالصبيحة التي كانت في القرن التاسع عشر مجالاً تتقاطع فيه مصالح البريطانيين والعثمانيين وسلاطين لحج والقبائل المحلية، ظلت في مراحل لاحقة حاضرة في حسابات الأمن والسياسة والصراع، بينما بقي السؤال التنموي متأخراً عن السؤال العسكري.
ومن هنا، لا يصبح السؤال: لماذا كانت الصبيحة قوية؟ بل السؤال الأعمق: لماذا تحولت قوة الصبيحة وموقعها الاستراتيجي إلى موارد تستثمرها الصراعات أكثر مما تحولت إلى أدوات تفاوض تفرض التنمية؟
هذا السؤال يقودنا من التاريخ القبلي إلى طبيعة الدولة، وإدارة الأطراف، واقتصاد الصراع، وكيف تُستثمر الجغرافيا في البيئات الهشة.
التاريخ مرآة للحاضر
تكمن أهمية قراءة "جافن"، كما عرضها د. حافظ القطيبي، في أنها تضع الصبيحة ضمن سياق التنافس على عدن والحدود وممرات التجارة والنفوذ، بدلاً من النظر إليها باعتبارها كياناً قبلياً معزولاً.
فالصبيحة كانت تقع بين الداخل والساحل، وعلى مقربة من المجال الحيوي لعدن وباب المندب، وتتحكم في مسارات للحركة والتجارة والاتصال. ولذلك لم يكن ممكناً للقوى المتنافسة على عدن التعامل معها باعتبارها هامشاً.
لكن هذه الأهمية تحمل مفارقة تاريخية: كلما ارتفعت القيمة الاستراتيجية للصبيحة، ارتفعت معها قابليتها لأن تصبح ساحة للصراع.
فالموقع الاستراتيجي لا ينتج التنمية تلقائياً. في ظل دولة مستقرة ومؤسسات قادرة، يمكن أن يتحول الموقع إلى موانئ وطرق وأسواق واستثمارات. أما في ظل دولة ضعيفة وتعدد مراكز القوة، فقد يتحول الموقع ذاته إلى جبهة وممر عسكري ومصدر نفوذ.
الجغرافيا واحدة، لكن وظيفتها تتغير بتغير طبيعة الدولة.
قبيلة قوية.. أم قوة سياسية غير مكتملة؟
تقدم صورة الصبيحة في القرن التاسع عشر مفارقة مهمة لفهم القوة القبلية. فهي - وفق الرواية التي استند إليها القطيبي - كتلة بشرية كبيرة ومسلحة وقادرة على المقاومة، لكنها لم تكن تمتلك مركزاً سياسياً واحداً يحتكر القرار.
وهنا يظهر الفرق بين القوة الاجتماعية والقوة السياسية. فقد يكون المجتمع قوياً، لكنه لا يمتلك بالضرورة مؤسسة قادرة على تحويل هذه القوة إلى مشروع تفاوضي وتنموي. وقد تكون القبيلة عصية على الإخضاع، لكنها لا تكون بالضرورة قادرة على فرض أولوياتها في التنمية أو منع القوى المختلفة من محاولة استقطاب مكوناتها.
اللامركزية تمنح القوة القبلية قدرة على الصمود، فسقوط مركز واحد لا يعني انهيار المجتمع كله. لكنها في الوقت نفسه تجعل القوة الموزعة قابلة للاستقطاب السياسي بطرق متعددة.
ومن هنا، يمكن فهم الصبيحة باعتبارها قوة يصعب إخضاعها، ويصعب كذلك اختزالها في قرار سياسي واحد. وهذا تحديداً ما يجعلها ذات جاذبية للفاعلين السياسيين في البيئات المضطربة.
عندما يتحول السلاح إلى رأس مال سياسي
إن الإشارة إلى انتشار السلاح الحديث في الصبيحة خلال أواخر القرن التاسع عشر تتجاوز الوصف العسكري. ففي مجتمع لا تمتلك فيه الدولة احتكاراً مستقراً للقوة، تصبح البندقية وسيلة لإعادة توزيع النفوذ.
السلاح يمنح الجماعات قدرة أكبر على حماية مصالحها، لكنه يفتح أيضاً المجال لنزاعات أكثر تعقيداً، ويتحول تدريجياً إلى رأس مال سياسي.
وهنا تظهر قاعدة مهمة في الحالة اليمنية: عندما لا تحتكر الدولة القوة، تتحول أدوات القوة إلى أدوات سياسية. وكلما أصبح السلاح جزءاً من الحياة الاجتماعية والاقتصادية، أصبح الفصل بين القبيلة والسياسة والأمن والتجارة أكثر صعوبة.
وهذا يجعل انتقال الصبيحة المبكر إلى عصر السلاح الحديث نقطة مفصلية. إذ لم يرفع قدرتها على المقاومة فحسب، بل أعاد تشكيل موازين القوة داخلها وفي محيطها.
من التجارة إلى اقتصاد الصراع
يكشف تاريخ الصبيحة أيضاً أهمية التجارة في صناعة الاستقرار. فحركة السلع بين المرتفعات وعدن ولحج كانت تربط المجتمعات ببعضها، وتخلق مصالح مشتركة وحوافز للاستقرار.
لكن عندما تدخل تجارة السلاح والتهريب والاحتكار بقوة، تتغير طبيعة هذه الحوافز. حيث يصبح التحكم في الطرق والممرات ومواقع العبور مصدراً للنفوذ، وقد تتحول الجغرافيا من مساحة للتبادل إلى مورد لتمويل التنافس.
وهذه قاعدة تتجاوز التاريخ: المشكلة ليست في التجارة، وإنما في نوع الاقتصاد الذي ينمو حول الجغرافيا.
فالاقتصاد القائم على الإنتاج والتبادل والاستثمار يميل إلى الاستقرار. بينما الاقتصاد القائم على التهريب والجباية والسلاح والاحتكار يصبح جزءاً من بنية الصراع.
1886م.. حين تتحول القبيلة إلى فاعل سياسي
تقدم مقاومة الصبيحة لمحاولة السيطرة على تجارتها عام 1886م، مثالاً على قدرتها على تعطيل مشاريع الهيمنة، وإجبار القوى المتنافسة على إعادة حساباتها.
وهنا تظهر القبيلة بوصفها فاعلاً سياسياً، وليس مجرد قوة عسكرية.
لكن هذه التجربة تكشف في الوقت ذاته الفرق بين المقاومة والدولة. فالمقاومة تحتاج إلى إرادة جماعية في لحظة الخطر، أما الدولة فتحتاج إلى مؤسسات تستمر بعد انتهاء الخطر.
وقد تكمن إحدى المفارقات التاريخية للصبيحة في نجاحها في الدفاع عن المجال المحلي، مقابل صعوبة تحويل هذه القوة إلى مؤسسات سياسية وتنموية دائمة.
-
عندما يصبح الحليف المحلي أداة للهيمنة
تكشف تجربة أحمد فضل العبدلي مع البريطانيين عن جانب آخر من علاقة القوة المحلية بالخارج. فالقوى الاستعمارية لم تكن دائماً بحاجة إلى السيطرة المباشرة.. كان بإمكانها بناء تحالفات محلية وإعادة توجيه موازين القوة القائمة لخدمة مصالحها.
وهنا يصبح الخارج والداخل جزءاً من علاقة تبادل: دعم وغطاء من الخارج مقابل توسيع نفوذ الحليف المحلي.
والدرس الأهم هو أن القوى الخارجية لا تحتاج دائماً إلى صناعة قوة جديدة.. أحياناً يكفيها إعادة توجيه قوة موجودة أصلاً.
ولهذا، فإن استقلال القرار المحلي لا يعني فقط رفض التدخل الخارجي، بل امتلاك مؤسسات تمنع تحويل القوة الاجتماعية إلى أداة في صراعات الآخرين.
الصبيحة وضريبة الموقع الاستراتيجي
يمكن قراءة جانب كبير من تاريخ الصبيحة باعتباره تاريخاً لـ «ضريبة الموقع».
فالمناطق الاستراتيجية لا تعاني دائماً من قلة الاهتمام، بل قد تعاني من كثرة الاهتمام الخاطئ: القوى العسكرية تهتم بها، والسياسية تهتم بها، وشبكات التجارة والتهريب تهتم بها. بينما التنمية تحتاج إلى اهتمام من نوع آخر.. اهتمام لا يبحث عن السيطرة، بل عن بناء القدرة.
لا تبحث التنمية عن الرجال بقدر ما تبحث عن الإنسان، ولا عن الممرات العسكرية بقدر ما تبحث عن الطرق الاقتصادية، ولا عن نقاط النفوذ بقدر ما تبحث عن المؤسسات.
ولهذا، فإن السؤال الحقيقي ليس لماذا كانت الصبيحة مهمة للصراع؟ بل لماذا لم تتحول أهميتها الاستراتيجية بالقدر نفسه إلى أولوية تنموية؟
الإجابة لا تكمن في الجغرافيا نفسها، وإنما في طبيعة النظام السياسي والاقتصادي الذي يديرها.
الدولة الهشة تستهلك الجغرافيا ولا تستثمرها
في الدولة المستقرة، تتحول الجغرافيا الاستراتيجية إلى قيمة عامة: الميناء يصبح مؤسسة اقتصادية، والطريق شرياناً تجارياً، والساحل قطاعاً منتجاً، والقرب من الممرات الدولية فرصة للاستثمار.
أما في الدولة الهشة، فقد تتحول الجغرافيا إلى قيمة أمنية قبل أن تكون قيمة اقتصادية.. تصبح المنطقة مهمة لأنها قريبة من الجبهة، لا لأنها قريبة من السوق.
وهنا تتشكل معادلة خطرة: كلما زادت أهمية المنطقة في الأمن، لم يزد بالضرورة الاستثمار فيها، بل قد يزداد استنزافها.
وهذا أحد أوجه مأساة المناطق الطرفية في اليمن.
الصبيحة ليست خزاناً بشرياً
ربما آن الأوان للتخلي عن الصورة التي تختزل المناطق القبلية في كونها «خزانات بشرية» يمكن تعبئتها وقت الحرب.
فالشاب الذي يُنظر إليه باعتباره مقاتلاً، يجب أن يُنظر إليه أيضاً باعتباره مشروع مهندس أو طبيب أو مستثمر. والمجتمع الذي تقاس أهميته بعدد الرجال الذين يستطيع تقديمهم للجبهة، ينبغي أن تقاس أهميته كذلك بحجم اقتصاده ورأس ماله البشري ومؤسساته.
المطلوب ليس إلغاء القبيلة، وإنما إعادة تعريف وظيفتها داخل الدولة والمجتمع: من الحشد إلى المشاركة، ومن التعبئة إلى الإنتاج، ومن حماية المجال بالسلاح إلى حماية المصالح بالمؤسسات.
من الجغرافيا العسكرية إلى الجغرافيا الاقتصادية
تمتلك الصبيحة مقومات تسمح بطرح هذا التحول. فالساحل يمكن أن يصبح مورداً اقتصادياً، والقرب من الممرات البحرية يمكن أن يفتح آفاقاً لوجستية، والامتداد البري يمكن أن يدعم حركة التجارة.
كما أن الترابط مع مناطق، مثل العند وكرش والمسيمير وردفان، يمكن قراءته من زاوية التكامل الاقتصادي والخدمي، لا فقط من زاوية الاتصال العسكري.
فالجغرافيا الاقتصادية لا تتطابق دائماً مع الحدود الإدارية.. فالطريق لا يسأل إلى أي مديرية ينتمي، والسوق لا يتوقف عند حدود الوحدة الإدارية، والإنسان يحتاج إلى الخدمة الأقرب لا إلى الخدمة الواقعة داخل نطاق إداري محدد.
ولهذا، ينبغي أن تنطلق إعادة التفكير في الإدارة المحلية من سؤال التنمية والتكامل، لا من إعادة توزيع النفوذ.
التنمية بوصفها سياسة أمنية
من الخطأ النظر إلى التنمية باعتبارها ملفاً خدمياً منفصلاً عن الأمن. ففي مناطق مثل الصبيحة، يمكن للتنمية نفسها أن تكون أداة للاستقرار.
فالطريق يقلل العزلة، والمدرسة تقلل التسرب، والعمل يقلل قابلية الاستقطاب، والاقتصاد المحلي يحد من الاعتماد على اقتصاد الحرب، والمؤسسات تقلل الحاجة إلى الوساطة القبلية.
ومن هنا، فإن الاستثمار في الصبيحة ليس مجرد إنفاق على منطقة محرومة، بل استثمار في تحييد جغرافيا استراتيجية عن اقتصاد الصراع.
من «الصبيحة التي يحتاجها الصراع» إلى «الصبيحة التي يحتاجها المستقبل»
لا يحتاج أبناء الصبيحة إلى مزيد من الأدلة على أهميتهم، فالتاريخ قد قدمها.. ولا يحتاجون إلى إثبات قدرتهم على الصمود، فقد قدمتها الوقائع.
لكن المستقبل يطرح سؤالاً مختلفاً: هل تستطيع هذه القوة أن تتحول إلى مشروع سياسي وتنموي جامع؟
فالمشكلة ليست أن الصبيحة بلا قوة، بل ربما أن قوتها ظلت موزعة بين وظائف متعددة، كان الصراع أكثر قدرة على استثمارها من التنمية.
ولهذا، فإن التحدي أمام النخب القبلية والاجتماعية والسياسية في الصبيحة هو بناء تصور جديد للقوة: قوة لا تقاس فقط بعدد البنادق، بل بعدد المؤسسات.. ولا بعدد الرجال، بل بحجم رأس المال البشري.. ولا بالقدرة على إغلاق طريق، بل بالقدرة على فتح سوق.. ولا فقط بمن يستطيع حماية الأرض، بل بمن يستطيع بناء مستقبل عليها.
لقد ظل السؤال الذي تفرضه الأزمات طويلاً: كيف يمكن استدعاء الصبيحة إلى المعركة؟
أما السؤال الذي ينبغي أن تفرضه السياسة اليوم فهو: كيف يمكن استدعاء الصبيحة إلى التنمية؟
كيف تتحول الجغرافيا الاستراتيجية إلى منطقة اقتصادية؟ وكيف يتحول الساحل إلى فرصة؟ والقوة الاجتماعية إلى مؤسسات؟ والقبيلة من خزان للتعبئة إلى شريك في الاستقرار؟ وكيف تتحول التضحيات إلى مدارس وطرق ومستشفيات وفرص عمل؟
هذه ليست أسئلة رفاهية، بل أسئلة تتعلق بإعادة تعريف الأمن نفسه. فالأمن الذي يحمي المنطقة من الحرب فقط يظل أمناً ناقصاً. أما الأمن الذي يحمي الإنسان من الفقر والتهميش والبطالة والاستقطاب، فهو الأمن الذي يصنع الاستقرار المستدام.
الخلاصة: التاريخ لا يطالب الصبيحة بتكرار نفسها
لا ينبغي أن تتحول قراءة تاريخ الصبيحة إلى دعوة لإحياء صراعات الماضي، بل إلى محاولة لفهم الآليات التي جعلت المنطقة عالقة في وظيفة الصراع.
لقد كانت الصبيحة قوية لأنها امتلكت المجتمع والجغرافيا والقدرة على المقاومة. لكن القوة إذا لم تجد إطاراً مؤسسياً يمكن أن تصبح قابلة للاستدعاء من الآخرين.
وكانت الصبيحة استراتيجية لأن موقعها مهم. لكن الموقع إذا لم تديره دولة ومجتمع برؤية تنموية، يمكن أن يتحول من فرصة إلى عبء.
وكانت تضحياتها ضرورة في مراحل تاريخية معينة. لكن التضحيات التي لا تتحول إلى مؤسسات وحقوق وتنمية، قد تصبح مجرد رصيد رمزي تستنزفه الأجيال المتعاقبة.
لذلك، فإن السؤال الأكثر إلحاحاً ليس: هل ستظل الصبيحة قوية؟ بل: أي نوع من القوة تريد أن تكون؟
قوة تُستدعى إلى الحرب، أم قوة تُستدعى إلى التنمية؟ قوة تُستخدم في حماية مصالح الآخرين، أم قوة تفاوض على مصالح مجتمعها؟ جغرافيا تُستهلك في الصراع، أم جغرافيا تصنع الاقتصاد؟
إن التحول الحقيقي الذي تحتاجه الصبيحة ليس الانتقال من الضعف إلى القوة، فهي لم تكن ضعيفة يوماً بالمعنى الذي تصفه به سرديات الصراع.
بل هو الانتقال من القوة غير المؤسسية إلى القوة المؤسسية، ومن الجغرافيا المستهلكة إلى الجغرافيا المنتجة، ومن الدور الذي يحدده الآخرون إلى الدور الذي يحدده المجتمع لنفسه.
فقد عرف الآخرون قيمة الصبيحة منذ القرن التاسع عشر، وآن لها اليوم أن تعرف كيف تجعل هذه القيمة تعود أولاً إلى أهلها.
وعندها فقط، يمكن أن ينتهي التاريخ القديم الذي جعل الصبيحة «قوة يحتاجها الصراع»، ويبدأ تاريخ جديد يجعلها قوة يحتاجها المستقبل.
تنويه: هذا الخبر تم نقله تلقائياً من مصدره (موقع الأول) ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع.