هناك أسئلة لا تموت بانتهاء الأزمنة التي أنجبتها. بل تظل كامنة في الذاكرة، ثم تعود كلما تبدلت الظروف، لا لتستعيد الماضي كما كان، وإنما لتسأل- هل كان في ذلك الماضي ما يستحق أن يُستعاد؟

ومن هذه الأسئلة سؤال حضرموت

فحين نقرأ اليوم كتاب (تاريخنا الذي لم نكتبه: نصوص البريطانيين حول الجنوب العربي)، فنحن لا نقرأ مجرد وثائق عن مرحلة استعمارية انتهت، ولا مجرد شهادات بريطانية ينبغي أن نصدقها أو نرفضها جملةً وتفصيلًا. نحن أمام مادة تاريخية تتيح لنا أن ننظر إلى حضرموت من زاوية أخرى، وأن نعيد التفكير في موقعها السياسي والجغرافي والاقتصادي والثقافي في جنوب الجزيرة العربية.

واللافت في هذه النصوص أن البريطانيين أنفسهم كانوا يرون محميات عدن الشرقية عالمًا مختلفًا عن عدن ومحميات عدن الغربية، وأنها كانت تتمتع بقدر واضح من الاستقلال والخصوصية.

وهنا يبدأ السؤال الذي يفرض نفسه على الحاضر- هل يمكن أن تستعيد حضرموت اليوم شيئًا من تلك المكانة المميزة؟

ليس المقصود، بالطبع، استعادة نظام السلطنات، ولا إعادة عقارب التاريخ إلى الوراء. فالتاريخ لا يعود، والمجتمعات لا تستطيع أن تعيش خارج عصرها. لكن الذي يمكن أن يعود هو الاعتراف بالخصوصية الحضرمية، وبقدرة حضرموت على إدارة شؤونها، وبحقها في أن يكون لها صوت واضح في صياغة مستقبلها.

حضرموت: عالم مختلف

فمن أكثر العبارات دلالة في الكتاب المذكور أن محميات عدن الشرقية كانت تتمتع بمكانة متميزة ومميزة عن محميات عدن الغربية. وكان أبناؤها هم من يقود دفة الأمور، بحنكة وجدارة.

فالمسألة لم تكن مجرد مسافة جغرافية. كانت هناك مسافة في التاريخ، وفي البنية الاجتماعية، وفي طبيعة السلطة، وفي العلاقات الاقتصادية، وفي الشخصية الثقافية. كانت المحميات الشرقية تضم سلطانات القعيطي والكثيري والمهرة والواحدي، وكانت الإدارة البريطانية فيها مختلفة عن إدارتها في المحميات الغربية؛ إذ انصب اهتمام الموظفين البريطانيين في القعيطي والكثيري على التنمية، في حين كان اهتمامهم في المحميات الغربية يتركز بدرجة أكبر على حفظ القانون والنظام.

والأهم أن حضرموت لم تكن منطقة هامشية مغلقة على نفسها. كانت المكلا ميناءً تجاريًا نشطًا، تتصل من خلاله التجارة بسواحل الجزيرة العربية والهند والخليج وشرق أفريقيا. وكانت سيئون وتريم وشبام مراكز حضرية عريقة، فيما كان الوادي الحضرمي يتميز بموقعه الجغرافي وطبيعته الزراعية والعمرانية الخاصة.

إذن، لم تكن خصوصية حضرموت مجرد إحساس محلي بالتمايز، بل كانت لها مرتكزات جغرافية واقتصادية وتاريخية وثقافية.

ويقدم الكتاب صورة شديدة الأهمية لطبيعة العلاقة بين السلطنتين القعيطية والكثيرية وبين مشروع اتحاد الجنوب العربي. ففي سنة 1961، كان الموقف الذي نقله تيانبول عن محمد عبد القادر بامطرف وأبي بكر إبراهيم واضحًا: سلطنات المحميات الشرقية لا تستطيع الانضمام إلى الاتحاد بصورته القائمة؛ لأن الجمارك لم تكن موحدة، ولأن الحكام كانوا يحتفظون بسلطاتهم التقليدية في مناطقهم. والأهم من ذلك أنهم لم يغلقوا الباب أمام فكرة التعاون، بل أبدوا استعدادًا للنظر فيها إذا قامت حكومة موحدة حقيقية بين عدن والمحميات الغربية.

هذه النقطة بالذات تستحق التأمل اليوم. فالموقف الحضرمي لم يكن، كما قد يحاول البعض اختزاله، رفضًا للتعاون مع المحيط الجنوبي، بل كان اعتراضًا على صيغة سياسية بعينها لم تكن مقنعة لسلطنات الشرق. بل إن الكتاب يكشف أن فكرة إنشاء اتحاد شرقي كانت مطروحة، وأن السلطان حسين بن علي الكثيري كان يناقش صيغًا مختلفة للوحدة والفيدرالية.

وهذا يعني أن حضرموت كانت تبحث عن صيغة تحفظ خصوصيتها داخل إطار سياسي أوسع، لا عن عزلة مطلقة.

وهي مسألة شديدة الراهنية. فالمشكلة اليوم ليست في أن تكون حضرموت جزءًا من محيطها الجنوبي، وإنما في كيفية بناء علاقة سياسية عادلة تحفظ خصوصيتها ومصالحها وقرارها المحلي، ولا تحولها إلى مجرد جغرافيا تابعة لمركز آخر.

وثمة جانب آخر في الكتاب أكثر أهمية مما يبدو لأول وهلة- القوة الاقتصادية والاجتماعية الحضرمية.

فمع محدودية الموارد الطبيعية في المحميات الشرقية قبل سنة الاستقلال، كان جزء كبير من دخلها يعتمد على تحويلات الحضارم العاملين في الخارج. ويذكر النص أسماء عدد من الأسر الحضرمية الثرية التي كانت تسهم في تمويل مشاريع المياه والكهرباء والخدمات العامة.

هنا تظهر حضرموت أخرى؛ حضرموت التي لم تكن تنتظر الدولة وحدها لكي تبني مستقبلها، بل كان مجتمعها المهاجر جزءًا من بنيتها الاقتصادية والتنموية.

وتتكرر الصورة في مجال التعليم. فقد اعتُبر توسيع فرص التعليم وسيلة لزيادة الإيرادات على المدى الطويل، وأنفقت موارد على بناء المدارس واستقدام المعلمين وتوفير المنح الدراسية والتدريب. وفي السنوات الأخيرة من الاستشارة البريطانية شُيدت عشرات المدارس الجديدة سنويًا.

وهذه ربما واحدة من أهم الرسائل التي يمكن أن يقرأها الحاضر في الكتاب: المكانة لا تُستعاد بالشعارات، وإنما بإعادة بناء عناصر القوة التي صنعتها.

فإذا كانت حضرموت تريد أن تستعيد مكانتها، فإن الطريق لا يمر فقط عبر البيانات السياسية، وإنما عبر التعليم، والاقتصاد، والميناء، والطاقة، والإدارة، والاستثمار، وعلاقاتها الواسعة مع أبنائها في الخارج.

ولماذا ضاعت تلك المكانة؟

لكن الإنصاف يقتضي ألا نحمّل الخارج وحده مسؤولية ضياع المكانة الحضرمية. فالكتاب نفسه يقدم نقدًا واضحًا لبعض مواطن الضعف الداخلية. فقد أشار إلى أن مجلس السلطنة لم يواكب الأحداث، ولم ينجح في توسيع قاعدته السياسية بما يكفي لتمثيل المناطق والفئات الفقيرة والقبائل، وهو ما أدى إلى ما وصفه النص بالضعف القاتل للمجلس.

وهذه ملاحظة ينبغي ألا تمر مرورًا عابرًا.

فالحفاظ على الخصوصية لا يعني الجمود، والاستقلال في إدارة الشأن المحلي لا يعني إغلاق المجال السياسي أمام المجتمع. بالعكس، الخصوصية التي لا تتجدد سياسيًا واجتماعيًا تتحول إلى عبء، والكيان الذي لا يوسع قاعدة المشاركة فيه يصبح هشًا مهما كان تاريخه عريقًا.

لقد كان ذلك أحد الدروس التي سبقت نهاية السلطنات. وفي السنوات الأخيرة، حاول سلاطين المحميات الشرقية التحرك لتوحيدها، واقترحوا التعامل مع جيش البادية الحضرمي نواةً لجيش للمحميات الشرقية، لكن الزمن كان قد أصبح ضيقًا، وكانت بريطانيا قد اتخذت قرارها بالانسحاب.

ثم جاءت النهاية أسرع من قدرة حضرموت على بناء صيغة جديدة. الاستقلال الذي لم يمنح حضرموت فرصة الاختيار. وربما تكمن أكثر صفحات الكتاب إثارة في تلك اللحظة التي كان يمكن أن تتشكل فيها صيغة مختلفة للمحميات الشرقية.

يذكر الكتاب أن تريفيليان نفسه رأى أن لدى سلاطين المحميات الشرقية (بعض المبررات) لعدم الانضمام إلى الاتحاد في وضعه القائم، وأنه كان يرى ضرورة منحهم بعض الوقت، لأن وقف المساعدات باستثناء رواتب جيش البادية الحضرمي كان سيضع المحميات الشرقية في وضع لا تستطيع تحمله.

لكن الوقت لم يُمنح. بل إن الكتاب يروي كيف أُغلقت مستشارية المكلا، وسُحبت الكوادر البريطانية، ولم يعرف كثير من المسؤولين المحليين ما الذي يجري فعليًا. والأكثر دلالة أن السلطانين غالب القعيطي وحسين الكثيري لم تتح لهما فرصة تنفيذ الاتفاق الذي كان قد تم التوصل إليه بشأن توحيد سلطناتهما؛ إذ انتهت الأحداث سريعًا إلى منع السلطان غالب من العودة إلى المكلا.

وهنا تبدو حضرموت وكأنها لم تخسر فقط نظامًا سياسيًا، بل خسرت أيضًا فرصة تاريخية لبناء صيغة سياسية جديدة من داخل محيطها الشرقي. هل تعود المكانة؟ هنا نصل إلى جوهر السؤال.

في نهاية الكتاب، ترد العبارة الأكثر إثارة: إن محميات عدن الشرقية حافظت حتى الاستقلال على مكانتها وتميزها وجيشها البدوي، وإن بريطانيا سرعان ما تخلت بعد الاستقلال عن اعترافها بهذه الهوية الحضرمية المتميزة، ثم يخلص الكاتب إلى احتمال عودة (الهوية الحضرمية المميزة) وازدهار أهلها في ظل نظام جديد.

قد تبدو هذه العبارة اليوم كأنها كتبت خصيصًا لتفتح نقاشًا حول حاضر حضرموت. لكن علينا ألا نقرأها باعتبارها نبوءة بريطانية، وإنما باعتبارها شهادة تاريخية تكشف أن خصوصية حضرموت كانت معترفًا بها حتى لدى بعض من عاشوا في المنطقة من البريطانيين.

والسؤال الحقيقي إذن ليس: هل تعود حضرموت إلى الماضي؟

بل: هل تستطيع حضرموت أن تستعيد عناصر قوتها التاريخية في صورة حديثة؟ هل تستطيع أن تستعيد دور المكلا بوصفها بوابة بحرية وتجارية؟

هل تستطيع أن تجعل من سيئون وتريم وشبام مراكز للعلم والثقافة والسياحة؟

هل تستطيع أن تستثمر علاقتها التاريخية بأبنائها المنتشرين في الخليج وشرق أفريقيا وجنوب شرق آسيا؟

هل تستطيع أن تحول ثرواتها ومواردها إلى تنمية حقيقية؟

وهل تستطيع، قبل كل ذلك، أن تبني نموذجًا سياسيًا أكثر انفتاحًا وتمثيلًا وعدالة؟

إن استعادة المكانة لا تعني العودة إلى السلطنة، كما أن الاعتراف بالخصوصية لا يعني الانفصال عن المحيط.

المطلوب هو أن تتحول الخصوصية الحضرمية من ذاكرة تاريخية إلى مشروع مستقبلي.

وهنا تكمن القيمة الكبرى لكتاب (تاريخنا الذي لم نكتبه). فهو لا يقول لنا بصورة مباشرة ماذا ينبغي أن نفعل، وإنما يضع أمامنا وثائق وشهادات تسمح لنا بأن نرى ما كان، وأن نسأل لماذا حدث ما حدث، وما الذي يمكن أن نتعلمه منه. وقد أكد المترجم أن هذه النصوص، على اختلاف مواقف أصحابها وعدائيتها أحيانًا، تحمل حقائق ودروسًا ينبغي الاستفادة منها في البحث عن طريق استعادة المجد والعزة والكرامة.

ولعل أجمل ما يمكن أن نختم به هو أن حضرموت لا تحتاج إلى أن تستعيد ماضيها، بقدر ما تحتاج إلى أن تستعيد ثقتها بنفسها. فالمكانة التي صنعتها المكلا بمينائها، وسيئون بواديها، وتريم بعلمها، وشبام بعمرانها، والحضارم بانتشارهم التجاري والثقافي في العالم، لم تكن هبة من قوة أجنبية، وإنما كانت حصيلة تراكم تاريخي طويل.

ولهذا فإن السؤال الذي يطرحه كتاب (تاريخنا الذي لم نكتبه) ليس سؤالًا عن الماضي وحده.

إنه سؤال عن المستقبل أيضًا: فإذا كانت حضرموت قد استطاعت ذات يوم أن تكون (ذات مكانة عالية) في جنوب الجزيرة العربية، فهل تستطيع اليوم أن تكون عالمًا مختلفًا من جديد؛ لا بالانغلاق، ولا بالحنين إلى السلطنة، وإنما بالعلم والاقتصاد والتنمية والإدارة الرشيدة والقرار المحلي؟

ربما تكون تلك هي المكانة الحضرمية الجديدة التي تستحق أن تعود.

تنويه: هذا الخبر تم نقله تلقائياً من مصدره (موقع الأول) ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع.