أصدرت منظمة سام للحقوق والحريات، بالشراكة مع منظمة رصد للحقوق والحريات ومنظمة العدالة والإنصاف للتنمية وحقوق الإنسان، تقريرًا حقوقيًا موسعًا بعنوان "لم يعد هناك مكان آمن"، يوثق التداعيات الحقوقية والإنسانية للتصعيد العسكري الذي شهده اليمن خلال الفترة من 3 يوليو/تموز حتى 22 سبتمبر/أيلول 2026، مع تركيز خاص على موجة القتال التي اتسعت منذ مطلع سبتمبر في غرب محافظة تعز والساحل الغربي والمناطق المتصلة بمضيق باب المندب.
ويتتبع التقرير، الصادر في سبتمبر/أيلول 2026، أثر العمليات العسكرية وتغير السيطرة الميدانية في حياة السكان المدنيين، موثقًا وقائع تتعلق بمقتل وإصابة مدنيين، والنزوح، والهجمات على الأعيان المدنية والمنشآت الطبية والإنسانية، ونهب الممتلكات والاستيلاء عليها، والاعتقال والقيود على الحركة، وتجنيد الأطفال واستخدامهم في الأعمال العدائية، وانتهاك حرمة الموتى والقبور.
ويؤكد التقرير أن هدفه لا يتمثل في تقديم سرد عسكري لمسار المواجهات، وإنما في فحص آثارها المباشرة في المدنيين وحقوقهم، وما إذا كانت الوقائع الموثقة تكشف عن أنماط تستوجب التحقيق والمساءلة.
85 سجلًا أوليًا.. والحصيلة ليست نهائية
أظهرت قاعدة الرصد الأولية التي اعتمد عليها التقرير 85 سجلًا، بينها 70 سجلًا في القائمة الرئيسة و15 سجلًا إضافيًا وردت من راصدي المنظمة في الحديدة. وشددت سام على أن هذه السجلات لا تعني وقوع 85 حادثة مستقلة، بسبب التداخل والتكرار بين بعض الوقائع والضحايا والمنشآت.
وبعد مراجعة الأسماء واستبعاد التكرار الظاهر، توصل التقرير إلى حصيلة أساسية لا تقل عن 16 مدنيًا قتيلًا ونحو 18 مصابًا في الحالات التي أمكن تحديد أصحابها بأسمائهم، إلى جانب ضحايا إضافيين وردوا في تفاصيل بعض الوقائع ولم تُستكمل بعد عملية المضاهاة بشأنهم، خصوصًا المفقودين والمصابين بين الأسر النازحة.
وأوضح التقرير أنه تعمد عدم دمج هذه الحالات حسابيًا قبل اكتمال التحقق، تفاديًا للازدواج وضمانًا لدقة الأرقام النهائية.
وتكشف سجلات الرصد أن القصف بالصواريخ وقذائف الهاون والأسلحة النارية كان من أبرز أسباب سقوط المدنيين، كما تضمنت الوقائع حالات قنص وإطلاق نار على مدنيين أثناء تنقلهم أو فرارهم، وهجمات على منازل وطرق ومرافق عامة.
ويشير التقرير إلى وجود أطفال بين الضحايا، بعضهم في أعمار تتراوح بين أربع و15 سنة، فضلًا عن أطفال أصيبوا أثناء وجودهم أمام منازلهم أو خلال النزوح أو أثناء رعي الأغنام.
من أزمة «ماهان إير» إلى اتساع الحرب على الساحل
يضع التقرير الوقائع الموثقة ضمن سياق تصعيد بدأ في يوليو/تموز 2026 مع أزمة الطائرة التابعة لشركة «ماهان إير» الإيرانية، ثم إعلان جماعة الحوثي انتهاء مرحلة خفض التصعيد، وفرض قيود على سفن مرتبطة بالمملكة العربية السعودية تحت شعار «الحصار مقابل الحصار»، قبل أن تنتقل العمليات تدريجيًا إلى غرب تعز والمخا والخوخة وحيس والمناطق القريبة من باب المندب، وتترافق مع تغيرات واسعة في السيطرة ونزوح جماعي للسكان.
ويوثق التقرير، ضمن التسلسل الزمني، هجومًا نُسب إلى جماعة الحوثي على ميناء المخا في 9 أغسطس/آب بالصواريخ والطائرات المسيّرة، قبل أن تتسع المواجهات خلال يومي 3 و4 سبتمبر إلى مقبنة وجبل حبشي والوازعية والمناطق المتصلة بالساحل.
وفي 5 و6 سبتمبر، وردت تقارير عن قصف طريق هيجة العبد وإصابة مدنيين بنيران قناصة غربي تعز، فيما أُطلقت فجر السادس من سبتمبر ثلاثة صواريخ باليستية باتجاه مدينة تعز وسقطت قرب منشآت مدنية، من بينها محيط كلية الطب بجامعة تعز، حيث تعرضت مبانٍ قيد الإنشاء لأضرار.
ويغطي النطاق الجغرافي للتقرير مدينة تعز والمخا والوازعية وموزع ومقبنة وجبل حبشي والمعافر والشمايتين، ومديريتي حيس والخوخة في الحديدة، وذباب ورأس العارة وباب المندب، إلى جانب وقائع مرتبطة بالتصعيد في مأرب وعمران وصنعاء ومناطق استقبال النازحين في لحج وعدن وأبين وحضرموت والمهرة وشبوة، فضلًا عن حركة العبور إلى جيبوتي.
كما يتناول، في حدود صلتها بالسياق، هجمات نُسبت إلى الحوثيين في جنوب المملكة العربية السعودية.
منازل وجامعات ومستشفيات وأسواق تحت الخطر
خلص التقرير إلى أن الخطر لم يقتصر على خطوط المواجهة، بل امتد إلى المنازل والقرى وطرق النزوح وتجمعات النازحين والمدارس والجامعات والمستشفيات والأسواق والمرافق القضائية ودور العبادة.
ومن أبرز الوقائع التي تناولها سقوط صواريخ قرب منشآت مدنية في مدينة تعز، واستهداف المجمع القضائي في منطقة جبل جرة، ووقائع طالت مرافق تعليمية وصحية ومنازل وسيارات مدنية.
كما سجل التقرير بلاغات عن أضرار لحقت بمرافق قضائية وطبية وإنسانية في الساحل الغربي بعد تغير السيطرة على عدد من المناطق.
وفي مأرب، تناول التقرير واقعة قصف منزل أسرة الصوفي، التي أسفرت، وفق المعلومات التي جمعها، عن قتلى ومصابين من النساء والأطفال، بينهم طفل تعرض لإصابة خطرة انتهت ببتر ساقه.
كما تناول هجمات نُسبت إلى الحوثيين داخل الأراضي السعودية، من بينها سقوط مقذوف في الطوال بمنطقة جازان في 12 سبتمبر، قالت السلطات السعودية إنه أدى إلى إصابة شخصين وألحق أضرارًا بمسجد ومبانٍ ومركبات، إضافة إلى هجمات أخرى بالصواريخ والطائرات المسيّرة على جنوب المملكة.
ويورد التقرير هذه الوقائع بوصفها معلومات منسوبة إلى المصادر الرسمية المعنية، وليس باعتبارها نتائج تحقيق مستقل أجرته سام.
طريق النزوح يتحول إلى مكان للخطر
من أخطر الوقائع التي يتوقف عندها التقرير حادثة وقعت ليل 9 سبتمبر/أيلول على الطريق بين باب المندب وذباب قرب مثلث العمري، حيث أفادت مصادر سام بأن قصفًا طال أسرًا مدنية كانت تحاول الفرار من مناطق القتال.
وبحسب الشهادات التي جمعها التقرير، وقع قصف ثانٍ أثناء محاولة إنقاذ المصابين، أعقبه انفجار صهريج وقود، ما تسبب في إصابات ووجود مفقودين من أكثر من أسرة.
ويشدد التقرير على أن هوية الطرف المسؤول ونوع المقذوفات والحصيلة النهائية لا تزال تحتاج إلى استكمال التحقيق الفني والميداني.
ووثقت الإفادات إصابة أطفال ونساء وفقدان أفراد من أسر نازحة، بينهم أطفال في أعمار صغيرة. وفي إحدى الحالات، ظل أب واثنان من أبنائه في عداد المفقودين، فيما أصيب أفراد آخرون من الأسرة.
كما تضمنت الشهادات حالة طفل قيل إن والده قُتل، فيما ظلت والدته في عداد المفقودين.
وأكد التقرير أنه لا يصنف المفقودين ضمن القتلى ما لم تتوافر أدلة موثوقة على وفاتهم، في انعكاس للمنهجية الحذرة التي اتبعها في التعامل مع الحصيلة البشرية.
امرأة حامل بين الضحايا وأسرة قُتلت على طريق الفرار
يوثق التقرير عددًا من الحالات الفردية التي تكشف الوجه الإنساني للتصعيد، من بينها مقتل مالية عبدالجليل مهيوب علي، 32 عامًا، وكانت في الشهر الثامن من الحمل، إثر سقوط قذيفة هاون في منطقة نقيل الحدة بالشقب جنوب شرقي تعز في 12 سبتمبر، ما أدى إلى وفاتها ووفاة جنينها، وفق المصادر التي استند إليها التقرير.
كما تناول واقعة إطلاق النار على حافلة صغيرة كانت تقل أسرة المهندس عبدالغني رزاح أثناء انتقالها باتجاه الخوخة في 11 سبتمبر، وهي الواقعة التي قُتل فيها، بحسب إفادات التقرير، الطفل خالد عبدالغني رزاح، 15 عامًا، وشقيقته مارينا وجدهما، فيما أصيبت الأم وعدد من أفراد الأسرة.
وتضمن التقرير كذلك وقائع إصابة أطفال بالقصف والقنص وإطلاق النار، من بينها إصابة الطفل تركي هزاع أحمد حزام، 8 أعوام، بشظية في الوجه والرقبة أثناء وجوده بالقرب من منزله في منطقة عكاد بالمعافر، إلى جانب أطفال أصيبوا خلال محاولة أسرهم الفرار من جبل حبشي.
نهب المنازل والمرافق بعد تغير السيطرة
يخصص التقرير مساحة واسعة لما يصفه بأنه نمط مقلق من نهب الممتلكات والاستيلاء عليها في مناطق الساحل الغربي عقب تغير السيطرة العسكرية.
فقد تلقت سام شهادات عن اقتحام منازل خاصة ونهب أثاث ووثائق وأجهزة ومعدات وأصول، إلى جانب بلاغات تتعلق بمرافق قضائية وطبية وإنسانية.
ومن بين هذه الشهادات إفادة عمر دبلة بشأن تعرض منزله في المخا للنهب، بما في ذلك ممتلكات ووثائق شخصية وصور عائلية، بعد اضطراره إلى مغادرة المنطقة.
وأورد التقرير تقديره بشأن تعرض مئات المنازل للنهب، لكنه لم يعتمد هذا الرقم باعتباره حصيلة نهائية في ظل عدم وجود مسح مستقل وشامل.
كما روت سلمى محمد عبدالله عفيسة، وهي أرملة وأم لثلاثة أطفال، أنها غادرت المخا على عجل، ثم علمت بتعرض منزلها للنهب وفقدان مقتنياتها وأغراض زوجها الراحل.
وتلقى التقرير بلاغات عن نهب معدات وأجهزة ووثائق من ميناء ومطار المخا، والاستيلاء على مركبات تابعة للأمم المتحدة، ووقائع طالت منشآت قضائية في حيس والخوخة، فضلًا عن مرافق طبية وإغاثية ومستودعات للغذاء ومواد الإيواء ومشاريع للمياه.
وشددت سام على ضرورة إجراء مسح مستقل ومنهجي للممتلكات المنهوبة، وتحديد أصحابها ومصيرها حالةً بحالة، وعدم اعتماد تقديرات واسعة قبل استكمال التحقق.
الاعتقال والقيود على المدنيين والصحفيين
يتناول التقرير كذلك بلاغات عن إقامة نقاط تفتيش واحتجاز مدنيين ومداهمة منازل وفرض قيود على الحركة في مناطق شهدت تغيرًا في السيطرة.
ومن بين الحالات التي تناولها التقرير اعتقال الصحفي صادق شلي من منزله في المخا، وفق نقابة الصحفيين اليمنيين، وورود معلومات بشأن احتجاز القاضي عبدالرزاق مهيوب صالح حلبوب في حيس، إضافة إلى بلاغات عن اعتقال أقارب لأشخاص مشاركين في القتال بهدف الضغط عليهم.
كما أورد التقرير ما أعلنته الأمم المتحدة في جنيف في سبتمبر بشأن استمرار احتجاز عشرات العاملين في الأمم المتحدة لدى سلطات الحوثيين الفعلية، إلى جانب موظفين سابقين وعاملين في منظمات مجتمع مدني وإغاثة وبعثات دبلوماسية، وما يترتب على ذلك من آثار مباشرة في العمل الإنساني.
انتهاك حرمة الموتى والقبور
تضمن التقرير معلومات بشأن نبش قبور وانتهاك حرمة الموتى بعد تغير السيطرة في بعض مناطق الساحل الغربي، وركز بصورة خاصة على واقعة قبر العميد يحيى الوحيش في الخوخة في 11 سبتمبر، حيث وردت ادعاءات بنبش القبر والاعتداء على الرفات ونقلها.
إلا أن سام أوضحت أنها لم تتمكن من معاينة الموقع بصورة مستقلة، وأن عددًا من الروايات قد يعود إلى مصادر أصلية واحدة؛ ولذلك أبقت الواقعة في إطار مؤشر خطير يستدعي التحقيق، ولم تقدمها باعتبارها نمطًا واسعًا مثبتًا بصورة نهائية.
أطفال من المدارس والدورات إلى معسكرات التدريب والجبهات
يفرد التقرير مساحة لتجنيد الأطفال واستخدامهم في الأعمال العدائية، مستندًا إلى إفادات مباشرة لأطفال تحدثوا عن مسارات بدأت أحيانًا بدورات دينية أو ثقافية وتعبئة فكرية، أو بحوافز مالية وضغوط أسرية، ثم انتقلت إلى التدريب على الأسلحة والنقل إلى معسكرات ومواقع عسكرية وجبهات قتال.
ومن بين الحالات طفل يبلغ 13 عامًا قال إن عملية استقطابه تمت عبر مشرف محلي مع وعود بمبالغ مالية، وإن أطفالًا تتراوح أعمارهم تقريبًا بين 12 و16 عامًا كانوا معه، قبل نقله إلى جبهة في تعز وتكليفه بأعمال مراقبة وحراسة.
كما روى طفل آخر يبلغ 16 عامًا أنه بدأ الارتباط بالجماعة في سن أصغر، وخضع لمعسكر تدريب استمر قرابة 55 يومًا، شمل التدريب على الأسلحة والرماية وتمارين عسكرية ودروسًا دينية وسياسية، قبل نقله إلى مواقع عسكرية.
وقدم طفل ثالث إفادة عن استقطابه عبر دورات دينية وثقافية، ثم تدريبه على حمل السلاح ونقله إلى جبهة عسكرية مقابل مساعدات مالية محدودة.
ويرى التقرير أن الفقر وفقدان مصادر الدخل وتعطل التعليم والضغط الاجتماعي والأسري والتعبئة العقائدية قد تتداخل جميعها في خلق بيئة تجعل الأطفال أكثر عرضة للاستقطاب، مؤكدًا أن التجنيد لا يشترط أن يتم دائمًا بواسطة الإكراه الجسدي المباشر.
نزوح يتجاوز 129 ألف شخص
وصف التقرير النزوح بأنه أحد أبرز الآثار الإنسانية للتصعيد.
وبحسب بيانات المنظمة الدولية للهجرة التي أوردها، بلغ عدد النازحين المسجلين حتى 21 سبتمبر 129,438 شخصًا، يمثلون 21,573 أسرة.
وفي المقابل، أظهرت بيانات الوحدة التنفيذية لإدارة مخيمات النازحين أرقامًا أعلى، وصلت في تحديثات ميدانية إلى نحو 158,109 أشخاص، وهو اختلاف يفسره التقرير بتفاوت نطاقات التسجيل والمنهجيات والفترات الزمنية، ويحذر من جمع الأرقام الصادرة عن الجهات المختلفة واعتبارها حصيلة واحدة.
وفي تحديث أممي سابق، قُدر عدد النازحين منذ بداية سبتمبر بنحو 125 ألف شخص، يمثلون ما لا يقل عن 18 ألف أسرة.
كما أشار التقرير إلى عبور أكثر من 3,100 شخص من اليمن إلى جيبوتي، بالتزامن مع تزايد الضغط على مواقع الاستقبال والحاجة إلى المأوى والمياه والغذاء والرعاية الصحية والتعليم والحماية.
وتوزعت موجات النزوح على تعز ولحج وعدن والحديدة وأبين وحضرموت ومأرب، فيما جاء العدد الأكبر من النازحين، بحسب البيانات التي أوردها التقرير، من مناطق تعز والساحل الغربي.
ووصف نازحون للمنظمة خروجهم من منازلهم خلال ساعات أو تحت إطلاق النار، واضطرار بعضهم إلى السير لمسافات طويلة بسبب انعدام وسائل النقل أو الوقود، والوصول إلى مناطق النزوح من دون خيام أو فرش أو أدوات للطبخ أو غذاء كافٍ.
«خرجنا بملابسنا».. شهادات تكشف ما وراء الأرقام
يروي التقرير قصصًا متعددة لنازحين فقدوا منازلهم أو مصادر دخلهم أو اضطروا إلى ترك ممتلكاتهم خلفهم.
وقالت سلمى، وهي أم لثلاثة أطفال، إنها غادرت المخا صباح 10 سبتمبر من دون استعداد، معتقدة أنها ستعود سريعًا، لكنها اضطرت مع أطفالها إلى ركوب شاحنة تستخدم لنقل المواشي بسبب ندرة وسائل النقل.
وانتهى بها المطاف في موقع نزوح تفتقر فيه الأسرة إلى الاحتياجات الأساسية، قبل أن تصلها معلومات عن تعرض منزلها للنهب.
ويورد التقرير شهادتها باعتبارها مثالًا على انتقال المدنيين من خطر القتال إلى فقدان المسكن والممتلكات وسبل العيش.
وتتكرر الصورة في شهادات أخرى؛ فأسر من ستة وتسعة أفراد خرجت سيرًا على الأقدام، وأخرى وصلت من دون خيمة أو بطانيات، وعائلات تقاسمت منزلًا واحدًا مع عدة أسر.
وقال أحد النازحين في وصف وضع أسرته إنهم باتوا «مفترشين الأرض وملتحفين السماء».
وفي شهادة أخرى، تحدثت امرأة مسنة غادرت المخا ليلًا مع أسرتها عن رحلة شاقة انتهت بها في مدرسة تستخدم موقعًا للإيواء، قبل نقلها إلى المستشفى نتيجة المرض والإرهاق والبرد.
أكثر من 137 ألف طفل يواجهون اضطرابات في التعليم
لا يقتصر أثر النزوح على المأوى والغذاء، إذ أورد التقرير بيانات لليونيسف تشير إلى أن أكثر من 137 ألف طفل في سن الدراسة واجهوا اضطرابات كبيرة في التعليم نتيجة التصعيد.
كما رصد التقرير ضغطًا متزايدًا على المنشآت الصحية ونقصًا في الأدوية والإمدادات وخدمات الطوارئ، وتأثر طرق رئيسية تستخدم في نقل الجرحى والمساعدات، إلى جانب تضرر منشآت صحية أو توقفها عن العمل في تعز ولحج والحديدة.
وتلفت البيانات الإنسانية التي ينقلها التقرير إلى وجود نساء حوامل بين النازحين الجدد، إلى جانب مسنين وأشخاص ذوي إعاقة وأطفال يواجهون مخاطر مضاعفة في مواقع النزوح، في ظل انخفاض التمويل الإنساني وارتفاع الاحتياجات.
تركيز على انتهاكات منسوبة إلى الحوثيين دون إعفاء الأطراف الأخرى
أوضح التقرير أن تركيزه الأكبر انصب على الوقائع المنسوبة إلى جماعة الحوثي، نتيجة تركز الشهادات والبلاغات المتعلقة بسلوك الجماعة أثناء العمليات العسكرية وبعد انتقال السيطرة إلى مناطق جديدة.
لكنه شدد، في الوقت نفسه، على أن هذا التركيز لا يعفي الحكومة اليمنية أو القوات المتحالفة معها أو أي طرف آخر من التزاماته، ولا يعني أن كل ضرر وقع خلال الفترة المشمولة يمكن نسبه تلقائيًا إلى الحوثيين.
ويمثل هذا التمييز أحد العناصر الرئيسة في منهجية التقرير، التي تفصل بين ثبوت وقوع الضرر وثبوت الجهة المسؤولة عنه، وبين المعلومات التي أمكن التحقق منها مباشرة وتلك التي لا تزال بحاجة إلى أدلة إضافية.
أكثر من 20 حالة موثقة ميدانيًا ومنهج «الأسباب المعقولة للاعتقاد»
قالت سام إن التقرير استند إلى توثيق ميداني لأكثر من 20 حالة، من خلال مقابلات مباشرة مع ضحايا وناجين وأسرهم وشهود، وتحديد زمان ومكان كل واقعة وهوية المتضررين وطبيعة الضرر والجهة المنسوب إليها الفعل، وجمع الصور والوثائق والمعلومات الطبية والمواد البصرية حيثما كان ذلك ممكنًا.
كما تواصلت المنظمة مع جهات عسكرية وميدانية للحصول على رواياتها والرد على الادعاءات، مؤكدة أن عدم الرد لا يمثل في ذاته دليلًا على صحة الادعاء أو ثبوت المسؤولية.
واستُكمل التوثيق بمراجعة البيانات الرسمية والأممية والتقارير الصحفية والمصادر المفتوحة والصور والتسجيلات.
واعتمد التقرير معيار «الأسباب المعقولة للاعتقاد»، أي توافر معلومات موثوقة ومتسقة تكفي لجعل وقوع الحادث بالصورة الموصوفة استنتاجًا معقولًا، لكنه شدد على أن هذا المعيار لا يعادل معيار الإثبات الجنائي، ولا يكفي منفردًا لإسناد المسؤولية الجنائية الفردية إلى شخص بعينه.
كيف يقرأ القانون الدولي هذه الوقائع؟
يصنف التقرير المواجهات بين الحكومة اليمنية والقوات المتحالفة معها من جهة، وجماعة الحوثي من جهة أخرى، في الحد الأدنى بوصفها نزاعًا مسلحًا غير دولي، بما يجعل المادة الثالثة المشتركة في اتفاقيات جنيف والبروتوكول الإضافي الثاني وقواعد القانون الدولي الإنساني العرفي واجبة التطبيق.
وبموجب هذه القواعد، تلتزم الأطراف بالتمييز بين المدنيين والمقاتلين، وبين الأعيان المدنية والأهداف العسكرية، ويحظر توجيه الهجمات ضد المدنيين أو شن هجمات عشوائية أو غير متناسبة، مع وجوب اتخاذ الاحتياطات الممكنة لتقليل الخسائر المدنية.
كما يحظر القانون النهب والتهجير القسري، باستثناء الحدود الضيقة التي يجيزها القانون لأمن المدنيين أو لأسباب عسكرية قهرية، ويحمي المحتجزين والجرحى والمرضى والعاملين والمنشآت الطبية، ويمنح الأطفال حماية خاصة من التجنيد والاستخدام في الأعمال العدائية.
ويستمر، بالتوازي، تطبيق قواعد القانون الدولي لحقوق الإنسان وحقوق النازحين داخليًا.
غير أن التقرير يحذر من القفز مباشرة من وقوع الضرر إلى وصف كل حادثة بأنها جريمة حرب؛ إذ يتطلب التكييف الجنائي النهائي فحص الهدف العسكري المفترض، ونوع السلاح، والاحتياطات المتخذة، والتناسب، والقصد، وهوية المنفذين والقادة وسلسلة القيادة.
مطالب بوقف الهجمات والتحقيق وحفظ الأدلة
خلص التقرير إلى وجود أنماط متكررة من الأضرار والانتهاكات المحتملة تستدعي تحقيقات مستقلة وفعالة، تشمل قتل وإصابة المدنيين، وتجنيد الأطفال واستخدامهم، والاعتقال والاحتجاز والقيود على الحركة، والهجمات على الأعيان المدنية والطبية، واقتحام ونهب المنازل والمرافق العامة والإنسانية، وانتهاك حرمة الموتى.
وطالب جماعة الحوثي بوقف الهجمات غير المشروعة على المدنيين والأعيان المدنية، ووقف تجنيد الأطفال واستخدامهم، والإفراج عن المحتجزين تعسفًا والكشف عن مصير المفقودين والمخفيين، ووقف اقتحام المنازل والمنشآت ونهبها، وإعادة الممتلكات والوثائق والمساعدات المستولى عليها.
كما دعا الحكومة اليمنية والقوات المتحالفة معها إلى اتخاذ جميع الاحتياطات الممكنة لحماية المدنيين، والتحقيق في أي انتهاكات ترتكبها القوات الحكومية أو المتحالفة معها، بصرف النظر عن الرتبة أو الانتماء، وتوحيد آليات تسجيل النازحين والاستجابة لهم، وتأمين الطرق ومناطق الاستقبال وحماية ممتلكات النازحين.
ودعا الأمم المتحدة والآليات الدولية المعنية إلى دعم تحقيقات مستقلة، وضمان الوصول إلى المواقع والضحايا والشهود، وتعزيز مراقبة تجنيد الأطفال والهجمات على المدارس والمستشفيات، والعمل على كشف مصير المحتجزين والمفقودين.
وطالب الجهات الإنسانية والمانحين بزيادة التمويل العاجل لخدمات المأوى والغذاء والمياه والصحة والصرف الصحي والتعليم والحماية، مع إعطاء الأولوية للأطفال والنساء والمسنين والأشخاص ذوي الإعاقة والمجتمعات المستضيفة.
وشدد التقرير بصورة خاصة على ضرورة حفظ السجلات الطبية والصور والتسجيلات ومخلفات الذخائر ومعلومات المواقع والأوامر والاتصالات العسكرية، باعتبارها أدلة قد تكون حاسمة مستقبلًا في تحديد المسؤوليات الفردية وسلسلة القيادة، إلى جانب حماية الضحايا والشهود والراصدين من الانتقام.
وفي خلاصته، يرسم تقرير «لم يعد هناك مكان آمن» صورة لتصعيد لم تعد آثاره محصورة في جبهات القتال؛ إذ انتقل الخطر، وفق الوقائع التي جمعها، إلى البيت والطريق والمدرسة والمستشفى ومكان النزوح، فيما انتقل آلاف المدنيين من منطقة إلى أخرى بحثًا عن الأمان، ليجد كثير منهم أنفسهم أمام سلسلة جديدة من الأخطار تبدأ بالقصف ولا تنتهي بفقدان المنزل والممتلكات ومصدر الدخل.
ويؤكد التقرير، في الوقت ذاته، أن ما وثقه لا يمثل حصرًا شاملًا لجميع الضحايا أو الانتهاكات خلال الفترة التي يغطيها، وأن المخاطر الأمنية وتغير السيطرة وصعوبات الوصول حالت دون التحقق من وقائع أخرى، ما يجعل الحصيلة التي توصل إليها حدًا أدنى لما أمكن توثيقه، لا رقمًا نهائيًا لكلفة التصعيد على المدنيين.
تنويه: هذا الخبر تم نقله تلقائياً من مصدره (الرصيف برس) ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع.