قبل 26 سبتمبر 1962، عاش اليمنيون خلف أسوار الجهل والعزلة والاستبداد، في ظل حكم إمامي سلالي كهنوتي أغلق أبواب العلم والمعرفة، وقمع الرأي، وفرض نمط حياة يفتقر لأبسط المقومات الكرامة الإنسانية.

يرصد “برّان برس” في هذا التقرير ملامح تلك الحقبة المظلمة من خلال شهادات مناضلين عايشوها، إلى جانب كتب ووثائق ودراسات يمنية وأجنبية تناولت الأوضاع السياسية والاجتماعية والاقتصادية والتعليمية والصحية قبيل ثورة 26 سبتمبر.

مقبرة مغلقة

في كتابه “المنطلقات النظرية في فكر الثورة اليمنية”، وصف “أبو الأحرار” محمد محمود الزبيري اليمن تحت حكم الأئمة بأنها “مقبرة مغلقة” أقفلت على “عقلية الشعب وحركته وتطوره”، مؤكدًا أن حال البلاد كان “أسوأ مما كانت تعيش في العصور الوثنية”، مع إصرار إمامي “صارم” على إبقائها غارقة في الظلام، وتسليط السيوف على الأعناق، والتدخل المباشر في تفاصيل الحياة اليومية.

وأوضح الزبيري أن الأحرار “وجدوا الخراب والدمار يشمل كل جزئية من الحياة اليمنية، والشقاء يجثم على كل صدر، ووجدوا الحرمان من التعليم والعلاج والأمن والطمأنينة ولقمة العيش”.

من جانبه، تناول الباحث اليمني الراحل عبدالفتاح البتول، في كتابه “خيوط الظلام.. عهد الإمامة الزيدية في اليمن” الصادر عام 2007، أوضاع البلاد في عهد الإمامة، مركزًا في الجزء الأخير منه على عهد أسرة بيت حميد الدين (1889-1962)، وبداية نهاية حكمهم.

وذكر البتول أن اليمن في عهد الإمام يحيى كانت تغرق في “أوهام القرون الوسطى وتتخبط في متاهات ضلال لا حدود لها”، بينما كان العالم يدخل عصرًا جديدًا من العلم والتقنية والتحولات السياسية والاقتصادية، واصفًا حال الشعب آنذاك بأنه “حي كالميت وميت كالحي”.

حكم فردي مطلق وخرافة مقدسة

أكد البتول أن حكم الإمام يحيى “اتسم بالفردية والظلم المطلق والجمود والجور والعزلة والانغلاق الكامل”.

وفي كتابه “التاريخ السري للثورة اليمنية”، قال اللواء عبدالله جزيلان، أحد أبرز قادة ثورة 26 سبتمبر، إن الإمام يحيى حكم “بمفرده وإرادته؛ لا حكومة ولا دولة بالمعنى الصحيح، بل نظام أسري بحت مستبد يتربص بكل أمل ينبت في أرضنا اليمنية”.

أما المناضل محمد الفسيل، فأوضح في كتاب “كيف نفهم القضية اليمنية”، أن الإمام فرض نفسه كـ“خرافة زائفة مقدسة”، ارتبطت بها عقيدة الشعب الدينية، وأي مساس بها يصدم مباشرة بتلك العقيدة المضللة، ما أفقد الناس الشعور بذاتيتهم وبالظلم الواقع عليهم.

وفي السياق ذاته، وصف الزبيري الحكم الإمامي بأنه “مطلقاً من كل القيود، حتى من قيود الاعتبارات الديكتاتورية نفسها”، مضيفًا أن الإمام كان يعتقد أن سلطته مستمدة من السماء، ويدعم مركزه باسم الدين ويضع نفسه موضع الألوهية أو النبوة.

وهذا الاعتقاد، وفقًا للزبيري، جعل الإمام “يسقط كل قيمة للشعب وكل حق من حقوق الملايين”، وجعل من كل محاولة للإصلاح أو التطور “محرمة على الشعب تحريماً رهيباً”.

وأوضح أن الإمام لم يكن رمزًا يكتفي بالتقديس ويترك حياة الناس تسير مع الزمن ونواميس التطور، ولا ملكًا مترفع بمنزلته يدع للشعب أن تتفاعل قواه ويسمح للحكام، ولو من أتباعه، أن يمارسوا الحكم أو ينظموا أداة الدولة.

إمام البخلاء

 

اتصف الإمام بالقسوة والبخل الشديد، إذ قال البتول إنه “لم يكن يهتم بأمر من أمور الإسلام وأركانه مثل اهتمامه بالزكاة”، وكان همه الوحيد “جمع المال من حلال وحرام، وأخذ الزكاة في القليل والكثير، وكان يشرف بنفسه على خزن الأموال النقدية في المخازن والأقبية، فإذا امتلأ المخزن أقفل عليه بمغاليق وأقفال محكمة، ثم يأمر بسد الباب بالأحجار”.

وخلص البتول إلى أن الإمام يحيى ورث “كل مساوئ ومفاسد ومظالم الأئمة السابقين وتفوق عليهم في الظلم والبخل”.

من جانبه، وصف القاضي والمؤرخ عبدالله الشماحي الإمام يحيى بأنه كان “حقودًا لا ينسى أية زلة، بخيلًا حتى على نفسه وذويه، مستبداً لا يسمح للخيال أن ينازعه السلطة، كنوداً لا يطمع في هباته مستجد ولا مادح، ولا تعرف الرحمة مسلكًا إلى قلبه القاسي الحقود”.

وإلى ذلك، أكد القاضي عبدالسلام صبرة، الأب الروحي للثوار الأحرار، أن الإمام “كان يفرح لممات المواطنين في بيوتهم وفي الطرقات، وكان يقول لمن ينبهه أو يلفت نظره إلى هذه الكارثة التي أماتت الآلاف: هذه رحمة الله؛ فمن مات فهو شهيد ومن عاش فهو عتيق”.

جمود وعزلة صارمة

وثقت الباحثة الروسية إيلينا جولوبوفسكايا، في كتابها “ثورة 26 سبتمبر في اليمن” الصادر عام 1971، طبيعة الحكم الإمامي وتداعياته، ووصفته بأنه حكم محافظ ينتمي إلى القرون الوسطى، حيث جمع الإمام في يده كل السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية، ونظر بمفردة في جميع المسائل الصغيرة والكبيرة.

وأضافت أن الإمام انتهج “سياسة العزلة” للحفاظ على جمود حياة البلاد، ما أعاق تطورها وتسبب في تخلفها سياسيًا واقتصاديًا واجتماعيًا وثقافيًا. كما قسَّم اليمن إلى ألوية يرأسها إخوته أو المقربين من أسرته، ووظيفتهم الأساسية جباية الضرائب.

وذكرت أن المدن اليمنية كانت في شكلها الخارجي تذكر بمدن القرون الوسطى، محاطة بأسوار عالية ولا يمكن الدخول إليها إلا عبر بوابة تغلق ليلًا، ضمن “سياسة العزلة” التي انتهجها الإمام لسد الطريق أمام التقنية المعاصرة ومنعها من بالتقدم.

وحول هذا، قال الزبيري إن الإمام “نجح في فرض عزلة صارمة حاسمة” على اليمن، جعلت اليمنيين لا يعرفون عن العالم إلا كما يعلم أهل الأرض عن كوكب المريخ.

وفي شهادته الواردة بكتاب “وثائق الثورة اليمنية”، قال اللواء صالح علي الأشول، إن الإمام “أقفل على اليمن وعزلها عزلة تامة، بل عزلة وفقر وجهل ومرض”، مضيفًا أن هذا الواقع “جعل الناس يفكرون في الخلاص”.

من جانبه، روى الدكتور عبدالكريم الإرياني، رئيس الوزراء ووزير الخارجية الأسبق، أنه عندما كان طالباً في الولايات المتحدة، كان يضطر إلى رسم خارطة على السبورة لكي يعرف زملاؤه موقع اليمن الذي أتى منه.

فيما أكد المناضل الدكتور عبدالله بركات أن العزلة كانت كبيرة، ولم تكن بين الداخل والخارج فقط، بل شملت المحافظات ذاتها، حتى شاع المثل القائل: “الداخل إلى اليمن مفقود والخارج

مولود”.

فقر وهيمنة إقطاعية

كان النظام الإقطاعي هو السائد في البلاد خلال عهد الإمامة، ووُصف اليمن في ستينيات القرن العشرين بأنها آخر بلدان العالم التي تحكمها “سلطة مطلقة من كبار الإقطاعيين”.

وأوضحت جولوبوفسكايا أن طبقة “السادة” احتكرت ملكية الأراضي والتجارة والمراباة، وكان الكثير منهم لا يملكون الثروات التي امتلكوها خلال الأربعين سنة التي حكموا فيها البلاد، بمن فيهم الإمام يحيى نفسه.

وأضافت أن “السادة” كانوا يستغلون الفلاحين بأساليب إقطاعية تسلبهم حتى قوتهم الضروري، وكان المشايخ والتجار يعانون “الاضطهاد الاقتصادي والسياسي”، وغياب ضمانات الملكية والضمانات الشخصية، فقد كان باستطاعة الإمام سلب ممتلكات التاجر وإيداعه السجن، فضلًا عن “الاضطهاد الديني” الذي طال المناطق الشافعية.

سجون وإعدامات ونفي

عن أسلوب القمع والملاحقة، قال الزبيري: “كان أبناء الشعب يتحولون إلى مجرمين ولصوص وقطاع طرق، وتباح دماؤهم وأموالهم وأعراضهم بمجرد أن يغضب عليهم الإمام.. فيقتلهم أو يسجنهم أو يخرب بيوتهم أو يشرد عائلاتهم فيصبح عمله حكماً سماوياً لا راد لقضائه..”.

وأضاف: “يكفي أن نذكر أن آخر إمام حكم اليمن، رغم تعرضه لتيار القرن العشرين، كان هو الحاكم الفرد الذى لا يُسأل عما بدا له ولا عما يريد... ولا يرى لأحد حق قول كلمة لا أو نعم، إلا على هواه وحسب رغبته”. 

وتابع: “كان مجرد التفوه بكلمات مثل الحرية وحقوق المواطنين والتحرر والعدالة عملًا خطيرًا يذهب برأس صاحبه إلى ميدان قطع الرؤوس ليتدحرج على الأرض جزاء على ما اقترف من إثم عظيم”.

وعن ظروف السجون، روى الفسيل تجربته في سجن حجة قائلًا: “لا يجد أكثرنا ما يأكلون إلا الكدم، ولا يشربون إلا ماء حوض الزعبلي الذي تتسرب إليه مياه الأمطار من مرتفع نعمان وطرقات مدينة حجة، حاملة معها فضلات بني آدم والدواب، فإذا اختلط الماء بالفضلات كوّن مزيجاً قذراً هو أغرب مزيج يشربه البشر وحتى الدواب..”.

وأضاف: “كنا إذا نجونا من حياة السجون كان أكثرنا في حياة التشرّد لا يجد ما يأكل أو يشرب إلا الروتي وماء الحنفية الساخن”.

وعن تداعيات هذا القمع، قال اللواء جزيلان: “كان من نتائج الظلم البشع أن هاجر عدد كبير من أبناء اليمن إلى الخارج هروباً من الطغيان والاستبداد وجرياً وراء الرزق الذي حرموا منه في اليمن السعيد!”.

الجهل والتجهيل كسياسة

فرض الإمام الجهل لإخضاع المجتمع. وذكر الزبيري أن الإمام يحيى حكم الشعب أكثر من ثلث قرن لم يبن خلالها مدرسة ابتدائية واحدة، ومنع بناء المدارس أو تأسيس ناد أو مكتبة أو صحيفة أو شركة تجارية أو مطبعة، بل “ولم يسمح لأي فرد أن يشترك في صحيفة عربية”.

وأكدت الباحثة جولوبوفسكايا أن الإمام وحاشيته كانوا يخشون من انتشار التعليم العصري، وينظرون إليه كتهديد، ولم يكن في البلاد كلها سوى مدرسة ثانوية في صنعاء ومدرستين غير مكتملتين في تعز والحديدة. 

ووصف الشماحي الإمام بأنه كان من أعداء العلوم الحديثة، وأكد أنه “سد الطريق أمام كل جديد من المعارف، وكان يرى في ذلك خطراً على حكمه المطلق الوراثي... وجعله يتخوف من تحرر الأفكار من الخرافات والأوهام، ويتخوف من كل جديد حتى من فهم الناس للإسلام بمعناه الصحيح”.

وعن حياة الأجيال اليمنية قبل الثورة، قال الدكتور بركات: “كان كل شيء أمامهم مقفلاً، فلا مدرسة للتعليم ولا مستشفى لعلاجهم، ولا فرص عمل يحصلون منها على أرزاقهم ومن يعولونهم، ولا طريق شقت لتنقل المواطنين”.

وأضاف أن “جيل ما قبل الثورة هو من يدرك الفرق بين حياة ما قبل الثورة وما بعدها؛ لأنهم عانوا وحرموا وتألموا وناضلوا”، وبفضل الثورة كسرت العزلة وانتشر التعليم بكل مستوياته والمستشفيات بأنواعها، مضيفًا: يكفي أن نعرف أنه ليلة الثورة لم يكن هنالك طبيب يمني واحد، واليوم نجدهم بالآلاف في كل مجالات الحياة”.

أما الفسيل، فأكد أن الثورة أحدثت نقلة فارقة من “الظلام بكل أبعاده المادية والروحية” إلى “النور بكل أبعادها المادية والروحية والفكرية”، مضيفًا أن “الأجيال المقبلة لن تستطيع أن تحس معاني الكلمات عن عهود الطغيان الإمامي البائد كما يحس بها الذين عاشوا تلك العهود الرهيبة بكل ما فيها من طغيان وبؤس وآلام ومعاناة”.

وأكد أنه “لا يوجد في الحياة طغيان أبشع وأكثر محقاً وسحقاً للشعوب من الطغيان الكهنوتي الذي يقتل روح الحياة دون أن تحس أو تشعر”.

انعدام الخدمات وغياب الدولة

أكد الزبيري خلو اليمن في عهد الإمامة من “المدارس والصحة والاقتصاد والزراعة والجيش والعمران وكل آثار الجهد الإنساني والإصلاح الحديث”.

وقال إن “الفطرة اليمنية التي كانت تهتدي، بغرائزها وإرثها الحضاري، إلى شيء من العمل والجهد كانت تصادف حرباً شعواء من الحكم الفردي. وأغرب من ذلك، ذكر أن الإمام يحيى عاش عالة على ما خلّفه الأتراك من أبنية “ويا ليته استعملها في نفس الأغراض التي بناها لأجلها المستعمرون الأتراك”.

ومن الأمثلة التي أوردها الزبيري أن الأتراك كانوا قد بنوا مدرسة صناعية في صنعاء وحولها الإمام لاحقًا إلى سجن، وظل يستعمل الأوراق التي خلفها الأتراك مكتوبة في وجه من وجهيها فيأمر بالكتابة على ظهرها.

واعتبر ذلك “لمحة خاطفة من صور الدمار الذي عاشه الشعب اليمني”، مؤكدًا أن “اللغة لتعجز عن تسجيل هذا الواقع الرهيب... وهذا كله أملى على النخبة الواعية الحرة أن تجعل من أهدافها الأولى مقاومة الاستبداد”.

من جهتها، قالت الباحثة جولوبوفسكايا إن الأمراض والأوبئة المختلفة كانت تفترس السكان، وكان معدل الوفيات مترفعًا للغاية، خاصة بين الأطفال، ولم يكن يوجد في البلاد سوى ثلاثة مستشفيات في صنعاء والحديدة وتعز. 

ثورة الخلاص

في استعراضه لواقع المعاناة الثقيلة، وصف البتول كل دقيقة في سنين حكم الإمام يحيى الطويل بأنها “طاحونة هائلة تسحق عظام الشعب، وتنهش لحمه وتفري جلده”. وأوضح أن ثورة الدستور 1948 جاءت بعد أن “أصبح وجود الإمام يحيى أمراً لا يطاق، وحكم هذه الأسرة لا يعقل”، ومن ثم توالت الثورات وصولًا إلى ثورة 26 سبتمبر.

فيما أكد اللواء جزيلان أن مولد الثورة جاء بعد “ليل طويل” امتد لمئات السنين عاش خلاله اليمنيون في صراع مستمر مع ظلام الاستبداد والظلم والتأخر، وسط ظروف متناهية في صعوبتها وظلامها وأخطارها، حتى جاءت لحظة 26 سبتمبر، وتمكن الشعب اليمني بصدقه وإيمانه بحقه في الحياة الكريمة أن يغير حياته وينطلق نحو تحقيق آماله الانسانية الواسعة.

عن تضحيات الأحرار، روى الفسيل كيف عاشوا المأساة وتحملوا المعاناة بكل في السجون والتشرد والعذاب والموت في ساحات الإعدام، لكي يصنعوا الغد المشرق لأجيال جديدة تحيا الكرامة والحرية في ظل الجمهورية. كما روى كيف كانوا يكتبون أدبيات الثورة داخل غياهب السجون وهم يتوقعون الإعدام في أي لحظة، ثم يهربون تلك الوثائق للخارج عبر مجازفات خطيرة لتوعية الشعب.

وفي السياق ذاته، قال اللواء الأشول إن ثورة 26 سبتمبر قامت “لوضع نهاية لدهور من الظلم والعلة والفقر والجهل والمرض، والتي كانت السمة السائدة في حياة الناس” في عهد الإمامة.

فيما أوضح الدكتور بركات أن 26 سبتمبر “تختلف عن كل الثورات، فهي ثورة إنسانية قبل كل شيء، قامت من أجل حقوق الإنسان اليمني الذي كاد أن ينقرض من جور الظلم والطغيان والاغتراب”.

وهكذا جاءت ثورة 26 سبتمبر تتويجًا لمسار طويل من المقاومة والنضال المتراكم، المحفوف بالمخاطر والتضحيات الشعبية لكسر قيود الحكم الإمامي وفتح الآفاق نحو الحياة والحرية والعيش الكريم. ورغم أن تحقيق أهداف الثورة لم يكتمل، فإن استعادة تلك الحقبة ضرورة لفهم التحول الذي أحدثته، وتذكير بالثمن الذي دفعه اليمنيون للخلاص، وتحصين الوعي من تزييف التاريخ ومحاولات إعادة إنتاج الماضي المظلم.

تنويه: هذا الخبر تم نقله تلقائياً من مصدره (بران برس) ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع.