أعادت احتجاجات طلاب المدارس الثانوية في فرنسا طرح سؤال دور الشباب في صناعة مستقبلهم، بعدما خرج الطلاب إلى الشوارع اعتراضًا على نقص المدرسين، واكتظاظ الفصول، وتدهور بعض المباني المدرسية، ومشكلات أخرى مرتبطة بظروف التعليم.

وقالت وزارة التربية الفرنسية في 2 أكتوبر إن الاحتجاجات والاضطرابات طالت 564 مؤسسة تعليمية، فيما أُغلقت نحو 400 مدرسة ومؤسسة تعليمية. وشهدت الاحتجاجات أعمال عنف وتخريب ومواجهات مع الشرطة، أسفرت عن اعتقالات وإصابات، ما دفع الحكومة إلى التعامل معها بوصفها أزمة أمنية وسياسية إلى جانب مطالبها التعليمية.

ورغم ذلك، يكشف المشهد عن طالب فرنسي في الخامسة عشرة من عمره يدرك حقه في مساءلة حكومته: لماذا لا يتوافر مدرس؟ ولماذا يدرس في فصل مكتظ؟ ولماذا لا توفر له مدرسة مناسبة؟ وهذه الثقافة تتجاوز الحالة الفرنسية، إذ تعكس مجتمعًا يرى الشباب شركاء في صناعة المستقبل، لا مجرد متلقين لقرارات السلطة.

ويستعيد الحراك الحالي جانبًا من ذاكرة فرنسا الطلابية في مايو 1968، حين خرج طلاب الجامعات ثم انضمت إليهم الحركة العمالية، فتحولت الاحتجاجات والإضرابات إلى أزمة وطنية هزت المجتمع وأربكت حكومة شارل ديغول.

تمكن ديغول من تجاوز الأزمة، كما حقق أنصاره فوزًا كبيرًا في الانتخابات التشريعية التي أعقبتها، لكن مايو 1968 ترك أثرًا سياسيًا واجتماعيًا عميقًا. وفي أبريل 1969، طرح ديغول استفتاءً بشأن الإصلاح الإقليمي وإصلاح مجلس الشيوخ، وتعهد بالاستقالة إذا رفض الفرنسيون مقترحاته. ورفض الناخبون المقترحات بنسبة 52.4%، فاستقال في اليوم التالي. وبذلك كانت الصلة بين مايو 1968 ورحيل ديغول سياسية وتاريخية غير مباشرة، وليست نتيجة فورية للأزمة.

ويظل الدرس الأبرز أن تحول الشباب من جمهور صامت إلى قوة اجتماعية منظمة يجعل تجاهل مطالبه أمرًا صعبًا.

في العالم العربي، تبدو المقارنة أكثر إيلامًا. فبينما يحتج طالب فرنسي على اكتظاظ فصله أو نقص مدرس أو تدهور مدرسته، يواجه شباب في أجزاء واسعة من المنطقة أزمات أكبر، تشمل انهيار التعليم، وتراجع فرص العمل، وتدهور الخدمات، واتساع البطالة، وارتفاع تكاليف المعيشة وانسداد آفاق المستقبل، من دون أن يتحول غضبهم بالضرورة إلى حركة اجتماعية منظمة.

وفي اليمن، قد يرى الشاب هذه الأزمات بوضوح، لكنه يواجه أسئلة أخرى: هل أحتج؟ ومن سيحميني؟ ومن سيستمع إليّ؟ وهل سيؤدي احتجاجي إلى تغيير؟ ولا يعني ذلك غياب الشجاعة عن الشباب اليمني؛ فالتاريخ الحديث حافل بشباب دفعوا أثمانًا باهظة في الأحداث السياسية والحروب والاحتجاجات، كما كرس باصرة رسالة الدكتوراه لدراسة الحركات الطلابية في المكلا حتى عام 1966.

المشكلة أن الطاقة الشبابية لا تتحول بما يكفي إلى قوة مدنية منظمة ومستدامة تدافع عن قضايا الحياة اليومية. فقد يتحمس الشاب لقضية سياسية أو مناطقية أو حزبية، ويدخل في معارك إلكترونية للدفاع عن طرف، لكنه لا يتحرك بالقوة نفسها من أجل جامعته أو مدرسته أو حقه في العمل وجودة التعليم والنقل العام والكهرباء والمياه والبيئة.

وهنا تظهر المفارقة: كثير من الشباب يتحدثون عن مستقبل الوطن، لكن عددًا قليلًا منهم يشارك فعليًا في صناعته. ففي فرنسا، يتحول نقص المدرسين أو تدهور المباني المدرسية إلى قضية عامة وسبب للاحتجاج، بينما قد يتعامل الطلاب في اليمن مع غياب المدرس أو افتقار المدرسة إلى أبسط مقومات التعليم باعتباره أمرًا معتادًا.

ولا يرتبط هذا الفرق بكون الشاب الفرنسي أكثر شجاعة أو الشاب العربي أقل وعيًا، بل بطبيعة الدولة والمجتمع والمؤسسات وثقافة المشاركة المدنية. فالشاب الذي ينشأ في بيئة تعد الاحتجاج السلمي والنقابات والجمعيات والانتخابات والصحافة وأجهزة الرقابة أدوات مشروعة للتأثير، يتعلم أن صوته قادر على إحداث أثر.

أما من ينشأ في بيئة يشعر فيها بأن القرارات تُتخذ بعيدًا عنه، وأن المؤسسات لا تستجيب، وأن السياسة محكومة بالصراع، وأن المطالبة بالحقوق قد تعرضه للخطر، فمن الطبيعي أن يتولد لديه شعور بالعجز أو اللامبالاة أو الانسحاب. لذلك لا يمكن تحميل الشباب وحدهم مسؤولية ضعف المشاركة؛ فالمجتمع الذي لا يمنحهم أدواتها لا يحق له لومهم إذا فقدوا الثقة بجدواها.

في المقابل، تقع على الشباب مسؤولية الخروج من حالة الانتظار، فلا يمكن مطالبة الآخرين ببناء المستقبل مع الاكتفاء بمراقبته عبر شاشات الهواتف. لكن المطلوب ليس تقليد أعمال إحراق الحاويات أو الاشتباك مع الشرطة؛ فالاحتجاج حين يتحول إلى تخريب يفقد جزءًا من قوته الأخلاقية، وقد يحجب المطالب الأساسية خلف مشاهد العنف، وهو ما حدث في أجزاء من الاحتجاجات الفرنسية الحالية، إذ طغت أعمال العنف والتخريب أحيانًا على المطالب التعليمية.

الدرس الإيجابي يتمثل في معرفة الحقوق والمطالبة بها، وتنظيم الصفوف، وتحويل الشكوى الفردية إلى عمل جماعي، وجعل التعليم والبطالة والكهرباء والمياه والطرق والصحة والنقل قضايا عامة، مع إدراك أن المواطن ليس مجرد متلقٍ للخدمة، بل طرف في مراقبة الحكومة ومساءلتها.

ويمكن لطلاب الثانويات في اليمن أن يتحولوا إلى قوة مدنية سلمية تطالب بتحسين التعليم وتقييم المناهج وتوفير المختبرات وربط الجامعات بسوق العمل ومواجهة الفساد الأكاديمي وإتاحة فرص التدريب والبحث العلمي. كما يستطيع الخريجون تنظيم مطالبهم بشأن فرص العمل بدل انتظار إعلان من جهة سياسية، ويمكن لشباب عدن أو سيئون أو المكلا أو لحج وضع الكهرباء والمياه والنقل والطرقات على أجندة عامة تخضع للمساءلة المستمرة.

عندها يبدأ تشكل جيل جديد من الشباب العربي؛ جيل لا ينتظر زعيمًا أو حزبًا أو جماعة مسلحة لتحديد مطالبه، بل يعرف ما يريد وكيف يطالب به وكيف يراقب من يحكمه. فالبلدان لا تتغير فقط بتغير الحكومات، وإنما قد تتغير حين يتغير الشباب نفسه، وينتقل من سؤال: ماذا سيفعلون بنا؟ إلى سؤال: ماذا نستطيع نحن أن نفعل؟

ذلك هو الدرس الأهم من شوارع باريس ومدن فرنسا: المستقبل لا يُمنح للشباب مجانًا، بل يفرض حضوره في جدول أعمال الدولة عندما يعرف الشباب كيف يطالبون به.

مسعود عمشوش

تنويه: هذا الخبر تم نقله تلقائياً من مصدره (موقع الأول) ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع.