تكشف الهجمات الأخيرة على مطار الرياض أن التهديد الحوثي لا يقتصر على الأضرار المباشرة، بل يمتد إلى فرض كلفة تستمر بعد انتهاء الهجوم. فإصلاح الأضرار وتعزيز الدفاعات قد يعيدان المطار إلى العمل، لكن استعادة ثقة شركات الطيران والمسافرين والمستثمرين بأمنه تحتاج إلى وقت أطول، ما يمنح الحوثيين ورقة ضغط تتجاوز نتائج أي ضربة منفردة.

ويطرح ذلك تساؤلًا حول كيفية بناء الجماعة هذه القدرة خلال فترة التهدئة مع الرياض، التي بدأت منذ أبريل 2022 وكان يفترض أن تقلل خطرها. فقد اعتُبر تراجع الهجمات وانخفاض حدة القتال على الجبهات، إلى جانب استمرار المفاوضات بعد وقف إطلاق النار المدعوم من الأمم المتحدة عام 2022، مؤشرات على نجاح جهود الاحتواء، من دون بحث كافٍ في مدى تراجع قدرة الحوثيين على العودة إلى الحرب أو تناميها.

أتاحت التهدئة للجماعة فرصة الاستعداد لجولة جديدة بشروط أفضل، خصوصًا مع تخفيف الضغط عليها من دون تقليص مصادر قوتها بالقدر نفسه. وكانت السعودية تسعى إلى إنهاء انخراطها في حرب اليمن وحماية مشروعها الاقتصادي، لكن محاولة تأمين المملكة بمعزل عن توازن القوى داخل اليمن حملت مخاطر كبيرة. فضعف حلفائها اليمنيين زاد حاجة الرياض إلى التفاهم مع الحوثيين، ورفع قيمة التنازلات كلما ازدادت قدرة الجماعة على التحكم في استمرار الهدوء أو إنهائه.

كما استفاد الحوثيون من بطء إدارة الصراع في دراسة طريقة استجابة السعودية، وقدرتها على تحمل التصعيد، وحدود التنسيق بين حلفائها اليمنيين، فضلًا عن اعتمادها على شركاء محليين محدودي القدرة. وأكدت لهم التجربة أن رفع كلفة المواجهة قد يدفع الأطراف الأخرى إلى التفاوض.

وخلال سنوات التهدئة، ساعدت العلاقات الاقتصادية غير المعلنة وشبكات التجارة المتوسعة الجماعة على الالتفاف على العقوبات الدولية والقيود المرتبطة بتصنيف واشنطن لها منظمة إرهابية. واستمرت شبكات الإمداد والتهريب في توفير مسارات قابلة للاستخدام، فيما خُففت القيود على أنشطة الحوثيين من دون إجراءات موازية تمنع حصولهم على الأسلحة والمكونات العسكرية والمواد الخام. وأظهرت عمليات ضبط الشحنات من حين إلى آخر تنوع طرق الإمداد وتنامي القدرة على تصنيع الأسلحة محليًا، من دون بذل جهود كافية لوقف هذا التطور.

وكان الدعم والتنسيق الإيرانيان عاملين أساسيين في وصول الجماعة إلى الموارد، إذ شَمِلا الأسلحة والتدريب على تشغيلها وصيانتها وتطوير فعاليتها وتصنيعها محليًا. ومع ترسخ هذه الخبرة، يصبح إضعاف الحوثيين بالغارات الجوية وحدها أقل احتمالًا، لقدرتهم على تعويض الذخائر المستهلكة أو المفقودة، وتعديل أدائهم والتعلم من أخطائهم. لذلك، لا يقاس النجاح العسكري بعدد مخازن الأسلحة المدمرة فقط، بل بقدرة الجماعة على إعادة بناء قوتها واستئناف هجماتها.

وتفسر أيديولوجيا الحوثيين محدودية تأثير التنازلات الدبلوماسية في تغيير سلوكهم؛ فالجماعة ترى القوة أساسًا لإثبات حقها في الحكم، وتتعامل مع المواجهة كوسيلة لتحسين موقعها السياسي. كما يمكن أن تستخدم التنازلات الاقتصادية لتمويل توسيع نفوذها وقدراتها العسكرية، إلى جانب الاستفادة منها في تحقيق مكاسب مادية أو تخفيف المعاناة الإنسانية. وترتبط حسابات الجماعة، بفعل علاقتها المستمرة بإيران، بمصالح تتجاوز اليمن، فيما يتيح نشاطها للصين وروسيا وأطراف أخرى فرصًا لتقويض التحالفات الغربية.

وبناءً على ذلك، قد لا تعكس مطالب الحوثيين التفاوضية خطواتهم المقبلة، كما أن قبولهم بالحوار لا يعني موافقتهم على الحدود التي يتصورها خصومهم. وقد تحافظ الجماعة على تفوقها حتى من دون تطوير كبير في تسليحها، إذ يكفي تكرار الهجمات بالمستوى الحالي لإطالة التعطيل وعرقلة التعافي وإبقاء خطر التصعيد قائمًا.

وأجبرت حملة الحوثيين ضد الملاحة التجارية الشركات على اتخاذ إجراءات احترازية قد تستمر بعد توقف الهجمات، ما يتيح للجماعة استخدام التهديد بتجدد التعطيل أداة ضغط لتحقيق مطالب داخل اليمن أو خدمة حلفائها الإقليميين. ويمكن أن يمتد هذا التهديد إلى مناطق أخرى من الخليج حتى من دون تنفيذ هجمات، إذا استغل الحوثيون سعي كل طرف إلى الحصول على ضمانات منفردة لأمنه أو تجارته، والتنافس الاقتصادي بين الدول لإضعاف الموقف الخليجي المشترك.

ورغم أن التفاهمات الثنائية قد تحد من العنف على المدى القصير، فإنها تترك للحوثيين مجالًا لإعادة صياغة شروطهم لاحقًا. ولهذا، يرتبط أمن الإمارات وقطر والكويت وعُمان بنتيجة المواجهة مع الجماعة، بصرف النظر عن تفاوت مستوى تعرض هذه الدول للتهديد حاليًا.

ولا تعني قدرة الحوثيين على التعطيل حتمًا قدرتهم على فرض شروطهم، فقد تدفع هجماتهم السعودية وحلفاءها إلى تعاون أوثق وترفع كلفة التصعيد عليهم. كما يحتاجون إلى الإمدادات والمساعدة للحفاظ على تهديدهم، فيما تفرض المقاومة اليمنية الميدانية قيودًا على توسعهم واحتفاظهم بمكاسبهم. غير أن استعادة الأراضي المفقودة وحدها لا تكفي لتغيير المسار على المدى الطويل؛ إذ يتمثل معيارا النجاح في مدى استمرار قدرة الحوثيين على خوض الحرب، وقدرة خصومهم على منعهم منها.

وإذا خرج الحوثيون من جولة القتال الجديدة محتفظين بالأراضي التي سيطروا عليها وبقدرتهم على تهديد جيرانهم وتعطيل مصالحهم، فسيصبحون أكثر خطورة وثقة بقدرتهم على فرض مشروعهم السياسي. وستتعزز قناعتهم بأن التصعيد وسيلة فعالة لانتزاع التنازلات، بما يمنحهم قدرة أكبر على التأثير في قواعد النظام الأمني بالجزيرة العربية والبحر الأحمر والقرن الأفريقي، وإجبار الدول على أخذ قوتهم في الاعتبار عند اتخاذ القرارات وبناء التحالفات وتنفيذ المشروعات الكبرى.

وقد تعيد نتيجة هذه الحرب تشكيل توازن القوى في المنطقة خلال العقد المقبل على الأقل، بينما قد يقود انتهاؤها بشروط الحوثيين إلى نظام إقليمي جديد تصبح فيه الجماعة طرفًا يحدد ما تستطيع الدول ذات السيادة فعله، وما تُجبر على تقديمه من تنازلات.

تنويه: هذا الخبر تم نقله تلقائياً من مصدره (البعد الرابع) ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع.