الأحد 30 نوفمبر ,2025 الساعة: 04:47 مساءً

الحرف28 - هشام المحيا

لا يحتاج الزائر لأي مؤسسة حكومية في اليمن إلى كثير تفكير ليدرك أن هناك خللاً عميقاً ينخر جسد الدولة. يكفي أن يسمع العبارة المتداولة على ألسنة الموظفين: «حق ابن هادي»، لتنكشف أمامه القاعدة غير المكتوبة التي تدير المكاتب والهيئات: من يدفع يمر، ومن لا يدفع يبقى في الطابور. عبارة كان يفترض أن تكون مادة للتهكم، لكنها تحولت في سنوات الانهيار إلى قانون عملي يحدد سرعة إنجاز المعاملات ويرسم حدود السلطة الفعلية.

في هذا السياق، حاول الكاتب والباحث بلال محمود الطيب، عبر دراسة استقصائية صادرة عن جامعة تعز بإشراف الدكتور عزيز الأديمي، أن يضع مشرط البحث على جسد الدولة التي تهاوت مؤسساتها، وتحولت – كما تصف الدراسة – إلى غنيمة يتقاسمها الأقوياء. وهذه المادة محاولة لعرض أهم ما ورد في تلك الدراسة بلغة صحفية مباشرة بعيدة عن التعقيد الأكاديمي.

الفساد… طبقتان وسرطان واحد 

تعمقت الدراسة في تحليل طبيعة الفساد الذي ضرب اليمن، وميّزت بين مستويين مترابطين:

الأول هو الفساد الفوقي: فساد النخبة، حين تحولت المؤسسات السيادية قبل الانهيار إلى إقطاعيات خاصة تخدم الحاكم ودائرته الضيقة. هذا النوع من الفساد – وفق الدراسة – وفّر الغطاء لكل الممارسات الأخرى، فصار القضاء والتشريع أدوات لتبييض النهب لا لردعه.

أما المستوى الثاني فهو الفساد التحتي: الممارسات اليومية في الإدارات الدنيا، تلك الرشاوى والعمولات الصغيرة التي يواجهها المواطن في كل معاملة. وتؤكد الدراسة أن هذا الفساد ليس مستقلاً، بل هو الامتداد الطبيعي للفساد الفوقي الذي يفتح الباب ويحمي شبكاته.

القضاء… أكثر المؤسسات فسادا

أخطر ما كشفته الدراسة هو خارطة انتشار الرشوة في مؤسسات الدولة. فالقضاء – الذي يفترض أن يكون الملاذ الأخير للمظلوم – احتل المرتبة الأولى بنسبة 65% من إجمالي حالات الفساد، تليه الأجهزة الأمنية بنسبة 59%.

هذه الأرقام تعني شيئاً واحداً: العدالة أصبحت سلعة معروضة للبيع. ومع انهيار الثقة بالقضاء والأمن، لم يعد أمام المواطن سوى القبيلة أو الجماعات المسلحة لحل مشاكله، لأن الدولة باتت «وجوداً ورقياً» فقط.

تزييت العجلات… كذبة لا تنطبق على اليمن 

لم تتجاهل الدراسة الجدل حول النظرية التي تزعم أن الفساد قد يكون وسيلة لتسريع الإنجاز في ظل البيروقراطية. غير أن الواقع اليمني، كما تقول، نسف هذا الادعاء تماماً؛ إذ لم يساعد الفساد في تسيير العجلات بل حطّمها بالكامل.

فالنتيجة كانت:

هروب رؤوس الأموال من بيئة تُدار بالإتاوات لا بالقوانين, وتشوّه الإنفاق العام لصالح مشاريع تؤمّن عمولات ضخمة، لا لصالح التعليم والصحة والبنية الأساسية و اتساع رقعة الفقر مع تحوّل الفساد إلى آلية معاكسة لإعادة توزيع الثروة: من جيوب الفقراء إلى خزائن المتنفذين. قوانين بلا أنياب 

تلفت الدراسة إلى مفارقة لافتة: اليمن ليس فقيراً من حيث القوانين. فثمة تشريعات عديدة لمكافحة الفساد، بينها القانون رقم (39) لسنة 2006، والهيئة الوطنية العليا لمكافحة الفساد، وقوانين الذمة المالية.

لكن كل هذه النصوص بقيت حبراً على ورق، لأن الإرادة السياسية غائبة ولأن «الفساد الفوقي» كان أقوى من كل مواد القانون. فالقوانين كانت تُفصَّل أو تُعطّل بما يضمن إفلات الكبار، بينما يُلاحق صغار الموظفين لإيهام الجمهور بوجود رقابة.

الخلاصة… معركة وجود لا معركة شعارات 

تنتهي الدراسة إلى أن مواجهة الفساد في اليمن ليست ممكنة بحلول ترقيعية أو حملات إعلامية. إنها معركة وجود تبدأ بإرادة سياسية حقيقية ترفع الغطاء عن الجميع، وتستند إلى إصلاح جذري للقضاء الذي بلغت نسبة فساده مستوى كارثياً، وتعمل بالتوازي على إعادة تشكيل الوعي المجتمعي الذي رسّخ معادلة خطيرة: الفساد شطارة، والنزاهة سذاجة.

اليمن، كما تؤكد الدراسة، لا يحتاج فقط إلى إعادة إعمار ما أفسدته الحرب، بل إلى إعادة بناء الضمير المؤسسي نفسه. فبدون ذلك، سيظل أي مشروع لبناء الدولة مهدداً بالسقوط فوق ذات الأساسات التي نخرتها الأرضة ذاتها قبل سنوات.

تنويه: هذا الخبر تم نقله تلقائياً من مصدره (موقع الحرف 28) ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع.