الثلاثاء 23 ديسمبر ,2025 الساعة: 08:28 مساءً
الحرف28 - تقرير - هشام المحيا- خاص
توصلت الحكومة الشرعية ومليشيا الحوثي المدعومة من إيران، اليوم، إلى اتفاق في العاصمة العمانية مسقط لتبادل نحو 2900 أسير ومحتجز، في صفقة تعد الأوسع منذ اندلاع الحرب قبل أكثر من عقد.
ورغم الترحيب الدولي بهذه الخطوة الإنسانية، فإن الاتفاق يلقي بظلاله على مسار مفاوضات شائك ومضطرب، طالما عرقله ما يصفه مراقبون بـ "دبلوماسية الرهائن" التي تمارسها مليشيا الحوثي، والتي تعتمد على اختطاف المدنيين واستخدامهم كأوراق ضغط لانتزاع مكاسب سياسية وعسكرية.
ويأتي الاتفاق الأخير، الذي أعلن عن التوقيع عليه اليوم في العاصمة العمانية مسقط، برعاية المبعوث الاممي الى اليمن هانس غروندبرغ، وسلطنة عمان بعد جولة عاشرة من المشاورات المكثفة، ليؤكد على هشاشة هذا الملف الإنساني وارتباطه الوثيق بالصراع السياسي الأوسع.
أرقام الصفقة
بحسب بيان للوفد الحكومي المفاوض، نقلته وكالة سبأ الرسمية، فإن من أبرز الأسماء التي من المتوقع إطلاق سراحها بموجب الاتفاق، السياسي البارز محمد قحطان، المختطف منذ سنوات، والذي طالما شكل إطلاق سراحه نقطة خلاف جوهرية في الجولات السابقة.
وشملت الضفقة 1700 اسير من الحوثيين مقابل 1200 اسير ومختطف من الجانب الحكومة بالاضافة الى 6 جنود سعوديين و23 سودانيا
مسار مفاوضات متعثر
على مدى سنوات، شهد ملف تبادل الأسرى والمحتجزين جولات متكررة من المفاوضات، كان أبرزها اتفاق ستوكهولم عام 2018، لكن التنفيذ ظل جزئياً ومتقطعاً.
وتتهم الحكومة والمنظمات الحقوقية مليشيا الحوثي بإحباط العديد من هذه المحاولات عبر المماطلة، ورفض الكشف عن مصير المخفيين قسراً، وخلط الأوراق الإنسانية بالملفات العسكرية والسياسية.
لطالما ربط الحوثيون في بياناتهم الإفراج عن المدنيين والمختطفين بـ "الكل مقابل الكل"، وهي قاعدة تصر عليها الحكومة ايضا، لكن جلسات المفاوضات المتعاقبة كانت تشهد رفض الحوثيين لذلك.
استراتيجية الاختطاف
تعتبر استراتيجية الاختطاف الممنهج للمدنيين، بمن فيهم الصحفيون والناشطون وموظفو الإغاثة، حجر الزاوية في تكتيكات الحوثيين التفاوضية، وتهدف هذه الممارسة، وفق حقوقيون، إلى بناء "مخزون" من الرهائن المدنيين لاستخدامهم في مقايضات مستقبلية مقابل أسرى حرب من مقاتلي الجماعة.
وقد تصاعدت هذه الاستراتيجية بشكل لافت في الآونة الأخيرة، حيث شنت الجماعة حملة اعتقالات واسعة طالت موظفين في الأمم المتحدة والمنظمات الدولية.
فقبل أيام، أعلنت الأمم المتحدة عن اختطاف 10 موظفين أمميين إضافيين في صنعاء، ليرتفع إجمالي عدد موظفي المنظمة المحتجزين لدى الحوثيين إلى 69 موظفا، وفق بيان منسوب للامين العام للمنظمة.
ويواجه هؤلاء المختطفين تهم "التجسس" و"التخابر" التي تهدف إلى تشويه سمعتهم وتبرير احتجازهم، في محاولة واضحة لابتزاز المجتمع الدولي والحصول على تنازلات
المحاكمات الصورية
بالإضافة إلى الاختطاف المباشر، تستخدم مليشيا الحوثي القضاء الخاضع لسيطرتها كسلاح تفاوضي، فالمحاكمات التي تصفها المنظمات الحقوقية بـ "الصورية" تنتهي احيانا بإصدار أحكام إعدام جماعية بتهم فضفاضة مثل "التخابر مع دول معادية".
في نوفمبر 2025، صادقت محكمة حوثية على حكم بإعدام 17 شخصاً، في خطوة يراها المراقبون تهدف إلى زيادة الضغط على الحكومة الشرعية والتحالف لتقديم تنازلات في ملف الأسرى والمحتجزين.
وتؤكد الشبكة اليمنية للحقوق والحريات أن هذه الأحكام تفتقر لأدنى معايير العدالة وتُستخدم كأداة لترهيب المعارضين وتصفية الخصوم السياسيين.
الانتهاكات في السجون
تتحدث التقارير الحقوقية، بينها تقارير لمنظمة سام والشبكة اليمنية للحقوق والحريات والمركز الامريكي للعدالة، ورابطة امهات المختطفين، عن واقع مأساوي داخل سجون الحوثيين، حيث يتعرض المختطفون لأبشع أنواع التعذيب الجسدي والنفسي والإهمال الطبي، مما أدى إلى وفاة المئات
ووفقاً لتقرير صادر عن مكتب حقوق الإنسان بأمانة العاصمة، فقد تم توثيق 2500 انتهاك في صنعاء خلال عامي 2022 و2023، شملت مقتل 38 مدنياً، بينهم 20 حالة وفاة تحت التعذيب و18 حالة قتل بالرصاص المباشر.
كما وثقت رابطة أمهات المختطفين في تقريرها السنوي الثامن (سبتمبر 2024) وفاة 6 حالات داخل السجون بسبب الإهمال أو التعذيب خلال عام 2023، إضافة إلى توثيق 833 حالة اختطاف لمدنيين و103 حالة إخفاء قسري.
وتشير التقارير إلى أن عدد حالات الوفاة الموثقة تحت التعذيب في سجون الحوثيين قد بلغ 196 حالة منذ عام 2014 وحتى ديسمبر 2024، من أصل 1610 حالة تعذيب تم رصدها بشكل تراكمي.
وفيما يخص الاختطافات الأخيرة، وثقت رابطة أمهات المختطفين 833 حالة اختطاف لمدنيين خلال عام 2023 وحده.
حتى يناير 2025، لا يزال 975 شخصاً في عداد المختطفين والمخفيين قسراً في سجون الجماعة.
هذه الأرقام، التي تشمل 20 حالة وفاة تحت التعذيب في صنعاء خلال عامي 2022 و2023 فقط، تؤكد أن الانتهاكات لم تتوقف بل استمرت بوتيرة مقلقة حتى اللحظة التي سبقت توقيع اتفاق مسقط.
كما تؤكد التقارير الحقوقية أن هذه الأرقام لا تمثل سوى جزء من الواقع، وأن العدد الحقيقي للضحايا قد يكون أكبر بكثير، خاصة في ظل استمرار الإخفاء القسري والقيود المفروضة على عمل المنظمات الدولية.
حالة القلق في الوسط الحقوقي من أوضاع المختطفين والمخفيين قسرا اشار اليه بيان الشبكة اليمنية للحقوق والحريات، الذي صدر اليوم عقب الاعلان عن الاتفاق، حيث طالبت بالافراج الفوري وغير المشروط عن جميع المحتجزين والمخفيين قسرا في اليمن معتبرة ان اي تقدم اجرائي في مفاوضات تبادل المحتجزين يظل غير كاف ما لم يترجم الى خطوات حقيقية تنهي معاناة آلاف المدنيين المحتجزين منذ سنوات بسبب النزاع.
كما طالبت بانشاء آلية رقابية دولية مستقلة للتحقق من تنفيذ الاتفاق ومنع عودة الاحتجاز التعسفي بعد الافراج وتحميل المسؤولية القانونية لكل طرف يعرقل التنفيذ او يستخدم الملف كورقة ابتزاز سياسي.
أمل حذر
يمثل اتفاق مسقط الأخير بصيص أمل لعائلات آلاف المحتجزين، لكنه لا ينهي الأزمة، فبينما يتم الترحيب بالإفراج عن الأسرى، يظل التحدي الأكبر هو تفكيك استراتيجية الحوثيين التي حولت ملفاً إنسانياً بحتاً إلى ورقة مساومة سياسية قذرة.
ويبقى مصير المئات من المدنيين والموظفين الدوليين الذين تم اختطافهم مؤخراً، بالإضافة إلى المعرضين لأحكام الإعدام، رهناً باستمرار الضغط الدولي لضمان أن تكون هذه الصفقة بداية لإنهاء "دبلوماسية الرهائن" في اليمن، وليس مجرد فصل جديد فيها.
تنويه: هذا الخبر تم نقله تلقائياً من مصدره (موقع الحرف 28) ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع.