الخميس 25 ديسمبر ,2025 الساعة: 09:23 مساءً
الحرف28 - تقرير - خاص
أصدرت وزارة الخارجية السعودية، يوم الخميس، بياناً دبلوماسياً حاداً، طالبت فيه المجلس الانتقالي الجنوبي، المدعوم إماراتياً، بالانسحاب "العاجل والسلس" من محافظتي حضرموت والمهرة شرقي اليمن.
البيان، الذي وصف التحركات العسكرية الأخيرة للانتقالي بأنها "أحادية" و"تصعيد غير مبرر"، يمثل نقطة تحول في العلاقة بين الرياض وحليفها الجنوبي، ويسلط الضوء على عمق التوتر في مناطق حيوية لأمن الطاقة والنفوذ الإقليمي.
التحذير السعودي جاء بعد أسابيع من التوغل العسكري لقوات الانتقالي في حضرموت والمهرة، وهما أكبر محافظتين يمنيتين، حيث سعت تلك القوات إلى فرض سيطرتها على مناطق غنية بالنفط والغاز، وإزاحة القوات الموالية للحكومة المعترف بها دولياً.
الرياض، التي ترعى مجلس القيادة الرئاسي، أكدت في بيانها على ضرورة أن يغلب الانتقالي "المصلحة العامة" والمبادرة إلى "إنهاء التصعيد وخروج قواته بسلاسة وبشكل عاجل من المحافظتين"، وتسليم المواقع لقوات "درع الوطن" والسلطة المحلية.
هل تتحول قواعد اللعبة؟
يرى محللون أن البيان السعودي لم يكن مجرد موقف دبلوماسي، بل كان بمثابة "فيتو" إقليمي على محاولات الانتقالي فرض الانفصال بالقوة في الشرق اليمني.
الكاتب والمحلل السياسي السعودي سليمان العقيلي، وفي تغريدة له على منصة "إكس"، اعتبر أن البيان يمثل "رسالة واضحة" يجب على المجلس الانتقالي أن يفهمها ويتجاوب معها عمليا.
وأشار العقيلي إلى أن المملكة آثرت طيلة الفترة الماضية التركيز على وحدة الصف، وأن البيان يضع النقاط على الحروف بشأن التحركات الأحادية التي تضر بجهود التحالف.
من جانبه، شدد عبدالله آل هتيلة، مساعد رئيس تحرير صحيفة عكاظ السعودية، في تغريدات متتابعة على "إكس"، على أن "الشرعية اليمنية خط أحمر"، وأن المملكة لن تسمح بالعبث في المناطق المحررة، في إشارة إلى أن أمن اليمن من أمن المملكة.
تعكس التصريحات السعودية الرسمية وغير الرسمية، في ظاهر الامر، إجماعاً على أن التمدد العسكري للانتقالي في الشرق يهدد المصالح الأمنية والاقتصادية للمملكة.
تحد ورد ميداني
على الرغم من اللهجة الحازمة للبيان السعودي، لم يصدر عن المجلس الانتقالي رد رسمي بالامتثال الفوري. بل على العكس، أشارت تقارير ميدانية إلى أن قوات الانتقالي صعّدت من تحركاتها بعد ساعات من صدور البيان.
مصادر قبلية في حضرموت أفادت بأن قوات الانتقالي توغلت في مديرية غيل بن يمين، وهي منطقة استراتيجية تُعد من أبرز معاقل حلف قبائل حضرموت الموالي للرياض.
هذا التوغل، الذي جاء رداً على الضغط السعودي، يشير إلى أن الانتقالي يراهن على المناورة والمماطلة، معتقداً أن الضغط السعودي لن يصل إلى حد الصدام المباشر.
في هذا السياق، يتبنى الإعلامي الجنوبي صلاح بن لغبر، المقرب من المجلس الانتقالي، خطاباً تحديا، ففي منشورات له على "إكس" وفيسبوك، شن بن لغبر هجوماً حاداً على القوى التي تكتفي بالتصريحات والبيانات، قائلاً: "كفوا عن الشكشكة.. الوطن لا يُبنى بالبيانات بل بالأفعال على الأرض".
خطاب بن لغبر بعكس يعكس حالة من التمرد الميداني على التوجهات السعودية، والتمسك بمبدأ فرض الأمر الواقع.
في المقابل، يرى زياد بن يافع، وهو ناشط ومحلل سياسي، في منشور على فيسبوك، أن البيان السعودي لا يمكن فصله عن سياقه السياسي العام، فهو يتعامل مع المجلس الانتقالي الجنوبي كطرف يجب أن يمتثل للشرعية، وأن التحركات الأحادية تقوض جهود السلام.
ساحة صراع اقليمي
تكتسب حضرموت والمهرة أهمية استراتيجية قصوى، مما يجعلهما ساحة لتنافس النفوذ بين الرياض وأبوظبي، الداعم الرئيسي للانتقالي، فحضرموت غنية بالنفط والغاز، والمهرة تمثل بوابة برية وبحرية حيوية على الحدود مع سلطنة عمان.
التحركات العسكرية للانتقالي، التي بررها المتحدث الرسمي باسمه أنور التميمي بأنها لمكافحة الإرهاب وتأمين المحافظات الشرقية من "خلايا الحوثي والإخوان"، قوبلت برفض محلي واسع في المهرة، حيث يرفض شيوخ القبائل وقوات الأمن المحلية أي وجود عسكري خارج إطار الشرعية.
البيان السعودي أشار إلى إرسال فريق عسكري مشترك من المملكة والإمارات إلى عدن لمناقشة ترتيبات الانسحاب، وهذا التنسيق يشير إلى أن الرياض تسعى إلى تحييد الدعم الإماراتي للانتقالي في هذه المرحلة الحساسة، أو على الأقل ضمان التزام أبوظبي بـ "الخروج السلس" الذي تطالب به الرياض، وفق مراقبين.
السياسي الجنوبي هاني علي سالم البيض، نجل الرئيس الجنوبي السابق، حذر في مقال سابق من مخاطر التسرع في الإعلان عن قيام دولة في جنوب اليمن دون استكمال المتطلبات الأساسية، واصفاً أي خطوة من هذا القبيل بأنها قد تزيد المشهد تعقيدا، وهو التحذير الذي يعكس حالة من القلق داخل الصف الجنوبي من أن يؤدي التحدي الميداني إلى صدام شامل يخدم أطرافاً أخرى.
سيناريوهات
يرى مراقبون ان المجلس الانتقالي إذا اختار تجاهل المطالب السعودية بالانسحاب العاجل، فإن المنطقة ستدخل في مرحلة جديدة من التوتر.
يتمثل المسار الأول، بالمماطلة والتفاوض تحت الضغط، وهذا هو المسار الأكثر ترجيحاً، حيث سيقوم الانتقالي بخطوات شكلية للانسحاب من بعض المواقع الأقل أهمية، مع الإبقاء على سيطرته على المراكز الحيوية.
في المقابل، ستلجأ السعودية إلى أوراق الضغط الاقتصادي والسياسي، بما في ذلك التهديد بقطع التمويل عن الحكومة اليمنية والبنك المركزي، والضغط على قيادة المجلس الانتقالي في الرياض، وهذا الضغط قد يكون كافياً لإجبار الانتقالي على تجميد تحركاته دون الانسحاب الكامل، وتحويل السيطرة الميدانية إلى ورقة تفاوضية في الحوار الشامل.
يتمثل المسار الثاني بالصدام غير المباشر، وذلك في حال استمر الانتقالي في التوغل، الامر الذي قد يجبر السعودية إلى تفعيل قواتها البديلة.
قوات "درع الوطن"، التي أنشأتها الرياض مؤخراً، هي القوة التي يُفترض أن تتسلم المعسكرات من الانتقالي، وبالتالي، - وفق مراقبين- فإن أي مواجهة بين قوات الانتقالي وقوات درع الوطن أو حلف قبائل حضرموت ستكون بمثابة صدام غير مباشر بين حليفين في التحالف، مما يهدد بتفكيك مجلس القيادة الرئاسي وانهيار جبهة الجنوب، وهذا السيناريو محفوف بالمخاطر، حيث يخدم الحوثيين بشكل مباشر، وهو ما يجعل الرياض حذرة للغاية من اتخاذ خطوات تصعيدية مباشرة.
في مسار آخر متوقع، قد تلجأ السعودية والامارات الى رعاية تسوية تضمن "خروجاً مشرفاً" للانتقالي، ةقد تتضمن التسوية دمج قوات الانتقالي في قوام وزارة الدفاع والداخلية في حضرموت والمهرة، مقابل ضمانات سياسية للانتقالي في أي تسوية مستقبلية، وهو ما يراه مراقبين، حلا وسط يحفظ ماء وجه الرياض، ويضمن استمرار الشراكة مع الإمارات والانتقالي، مع إبقاء ملف حضرموت والمهرة تحت الإشراف المباشر للتحالف.
ختاما
يمثل بيان الخارجية السعودية محاولة أخيرة لضبط إيقاع الصراع في اليمن، وإعادة ترتيب الأوراق في الشرق اليمني قبل أن ينفجر الوضع بشكل يصعب السيطرة عليه.
نجاح الرياض في تحقيق "الخروج السلس" لقوات الانتقالي سيعتمد على مدى استعدادها لاستخدام أوراق الضغط المتاحة، ومدى التزام شريكتها الإمارات بالرؤية السعودية لاستقرار المنطقة.
تنويه: هذا الخبر تم نقله تلقائياً من مصدره (موقع الحرف 28) ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع.