الثلاثاء 30 ديسمبر ,2025 الساعة: 11:33 صباحاً

تحليل - خاص

في الوقت الذي يجدد فيه مجلس الأمن الدولي التزامه "القوي والدائم" بوحدة اليمن وسيادته، ترسم التطورات الميدانية في المحافظات الشرقية والجنوبية صورة مغايرة تماماً، حيث يرى مراقبون ومسؤولون يمنيون سابقون أن البلاد تنزلق نحو "تجزئة ناعمة" برعاية إقليمية، وسط تضارب في المصالح بين قطبي التحالف، السعودية والإمارات. 

منذ انطلاق "عاصفة الحزم" في مارس 2015، كان الهدف المعلن هو كسر الانقلاب الحوثي واستعادة مؤسسات الدولة اليمنية الموحدة، إلا أن المسار الزمني للأحداث يكشف عن فجوة متسعة بين الشعارات المرفوعة والواقع الميداني. 

ويشير السفير اليمني السابق علي العمراني، في قراءة نقدية حادة، إلى أن الدعم السعودي الصريح لوحدة اليمن وسلامة أراضيه بدأ في التآكل التدريجي منذ نكبة سقوط صنعاء في سبتمبر 2014. 

ويرى العمراني، في مقال له على منصة إكس، أن القوى الإقليمية التي فشلت في فرض الانفصال بالقوة خلال حرب صيف 1994، وجدت في حالة السيولة السياسية والعسكرية الراهنة فرصة ذهبية لإعادة هندسة الخارطة اليمنية. 

ويضيف العمراني أن السياسات المتبعة خلال العقد الأخير ساهمت في خلق واقع "هجين" وغير مسبوق عالمياً، حيث تم تشكيل ميليشيات مسلحة ذات توجهات انفصالية صريحة، ثم جرى دمج قياداتها في أعلى هرم السلطة الشرعية (مجلس القيادة الرئاسي والحكومة) دون اشتراط التخلي عن مشروع الانفصال أو دمج قواتها ضمن هيكل وزارة الدفاع والداخلية. 

هذا التناقض البنيوي جعل من "الشرعية" مظلة لتقويض الدولة من الداخل، وهو ما يصفه مراقبون بأنه "انتحار سيادي" تم تحت إشراف مباشر من التحالف، ولعبت فيه الإمارات الدور المركزي مع تغاضي سعودي يعترف به مغردون وكتاب سعوديون.

"صناعة المليشيات الموازية "

لم يكن تشكيل المليشيات الموازية مجرد إجراء أمني لمواجهة الحوثيين، بل كان لبنة أساسية في مشروع التجزئة. فمنذ عام 2016، بدأت دولة الإمارات في بناء أذرع عسكرية مناطقية مثل "النخبة الحضرمية" و"النخبة الشبوانية" وقوات "الحزام الأمني" في عدن ولحج وأبين، وهذه القوات، التي تدين بالولاء المباشر لأبوظبي، كانت الأداة التنفيذية للانقلاب الثاني الذي شهدته عدن في أغسطس 2019، حينما طُردت الحكومة الشرعية من عاصمتها المؤقتة تحت ضربات الطيران الإماراتي الذي استهدف القوات الحكومية في نقطة "العلم" لمنعها من استعادة المدينة. 

هذا المسار كانت قد مهد له في مايو 2017 بتأسيس المجلس الانتقالي الجنوبي، الذي تحول - بحسب المحلل السياسي ياسين التميمي - من "قضية عادلة" تطالب برفع المظالم الحقوقية والسياسية، إلى "أداة جيوسياسية" تهدد وجود الدولة اليمنية برمته. 

ويرى التميمي، في مقال نشره "عربي21" أن التحركات العسكرية الأخيرة للمجلس الانتقالي في محافظتي حضرموت والمهرة، واجتياحه للمقرات السيادية، يمثل "انقلاباً كاملاً" يهدف لتشييع الجمهورية اليمنية إلى مثواها الأخير وفرض واقع "دولة الجنوب العربي". 

ويؤكد التميمي أن هذا التمدد العسكري يحظى بدعم لوجستي وإعلامي هائل من الإمارات، التي لم تعد تتصرف كشريك في التحالف بل كطرف معادٍ للسيادة اليمنية، يسعى لتأمين نفوذه البحري والجوي عبر تمزيق الجسد اليمني. 

البيانات الضبابية والمواقف الصريحة 

في أروقة الدبلوماسية، تمارس الرياض وأبوظبي ما يمكن وصفه بـ "الضبابية الاستراتيجية الممنهجة"، فبينما تكتفي البيانات الرسمية السعودية بالحديث العام عن "دعم الحل السياسي الشامل"، يلاحظ السفير العمراني غياباً تاماً لمصطلح "الوحدة اليمنية" من الخطاب الرسمي للمملكة منذ عام 2018. هذا الصمت الرسمي يقابله ضجيج إعلامي من كتاب ومثقفين سعوديين مقربين من مراكز القرار، ينشرون مقالات وخططاً مفصلة في صحف دولية مثل "الشرق الأوسط" و"العرب"، تدعو صراحة لتقسيم اليمن وتدعم مطالب الانفصال، في إشارة يراها يمنيون "بالونات اختبار" لسياسة سعودية مضمرة. 

في المقابل، تتبنى الإمارات خطاباً مزدوجاً؛ فهي ترحب بـ "الجهود الأخوية السعودية" في العلن، بينما تمول على الأرض عمليات "اجتثاث" ما تبقى من حضور للدولة في المحافظات الشرقية. هذا المشهد يتناقض بشكل صارخ مع الموقف الدولي الصريح؛ فمجلس الأمن الدولي، في أحدث بياناته الصادرة في ديسمبر 2025، جدد التزامه "القوي والدائم بوحدة اليمن وسيادته واستقلاله وسلامة أراضيه". 

كما أن دولاً كبرى مثل الولايات المتحدة وبريطانيا والاتحاد الأوروبي لا تزال تتمسك بالمرجعيات الثلاث التي تؤكد على وحدة البلاد، مما يخلق فجوة عميقة بين الإرادة الدولية والممارسات الإقليمية التي تدفع نحو التجزئة. 

ويرى محللون أن هذه الضبابية تخدم أهدافاً بعيدة المدى، حيث تتيح للتحالف التنصل من مسؤولياته القانونية والأخلاقية تجاه وحدة اليمن، مع ترك الباب مفتوحاً أمام سيناريوهات التقسيم التي قد تضمن لكل طرف إقليمي حصته من النفوذ والموارد، بعيداً عن منغصات الدولة المركزية القوية. 

حضرموت.. ساحة الصراع المتجدد 

تعد محافظة حضرموت، بمساحتها الشاسعة وثرواتها النفطية وموقعها الاستراتيجي، "بيضة القبان" في الصراع الحالي. فاجتياح قوات الانتقالي للمحافظة في ديسمبر الجاري مثل تجاوزاً لـ "الخطوط الحمراء" السعودية، مما دفع الرياض للتحرك عسكرياً وسياسياً، إلا أن هذا التحرك، بحسب وزير النقل السابق صالح الجبواني، يفتقر إلى الرؤية الاستراتيجية الحاسمة. الجبواني انتقد بيان مجلس الدفاع الوطني الأخير، معتبراً أنه "بيان عجز" وليس بيان دولة تواجه تمرداً، حيث اكتفى بالحديث عن "انتهاكات" و"عدم تنسيق"، متجنباً توصيف الانتقالي كقوة متمردة على الشرعية.

ويذهب الجبواني إلى أبعد من ذلك، مؤكداً أن السعودية تدير الملف اليمني بـ "عقلية التسكين الموضعي" للأزمات، دون امتلاك الجرأة لاستخدام أدوات نفوذها لفرض هيبة الدولة. 

هذا "النصف موقف" السعودي، كما يصفه، هو ما سمح للإمارات والمجلس الانتقالي بفرض وقائع جديدة على الأرض، وتحويل حضرموت والمهرة إلى ساحات صراع مفتوحة. 

ويحذر الجبواني من أن "منتصف الطريق" في اللحظات التاريخية الفاصلة لا يصنع حلولاً، بل يؤجل الانفجار ويكرس اختلال موازين القوى لصالح من يمتلك السلاح والتمويل الخارجي. 

بنظر مراقبين، فإن الصراع في الشرق اليمني ليس مجرد خلاف على إدارة محافظات، بل هو صراع على هوية الدولة ومستقبل الخارطة السياسية في شبه الجزيرة العربية، فبينما تسعى الإمارات لتأمين موطئ قدم دائم على بحر العرب والمحيط الهندي عبر كيان جنوبي تابع، تجد السعودية نفسها محاصرة بين رغبتها في إضعاف اليمن كدولة مركزية، ومخاوفها من نشوء كيانات غير مستقرة على حدودها الجنوبية قد تتحول إلى بؤر للتوتر أو تخضع لنفوذ قوى منافسة. 

التخادم والتهديدات الإقليمية 

يحذر ياسين التميمي من أن الخطر المحدق باليمن جراء الاستمرار في توظيف "القضية الجنوبية" لتفكيك الدولة لا يتوقف عند الحدود اليمنية، بل يمتد ليهدد أمن الإقليم برمته. 

ويشير التميمي إلى ما يصفه بـ "التغول الانفصالي المعزز بالتخادم الإماراتي-الإسرائيلي"، والذي تجلى بوضوح في قرار رئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الاعتراف بجمهورية أرض الصومال الانفصالية. 

هذا السلوك، بحسب التميمي، يدفع المنطقة نحو مستوى خطير من النزاعات متعددة الأطراف، ويهدد المصالح الحيوية للدول المشاطئة للبحر الأحمر وبحر العرب، حيث تُستغل النزعات الانفصالية وحالة عدم الاستقرار لإعادة رسم حدود النفوذ الإقليمي والدولي. 

طوال أيام الأزمة الجارية التي تسبب بها تصعيد الإنتقالي من خلفه الإمارات، ظلت المقاربة السعودية للأزمة تتسم بنهج مشوش، لكنها سرعان ما حسمت الأمر في مواجهة التكتيكات الإماراتية الرامية لامتصاص الغضب السعودي من خلال التصريحات الدبلوماسية بينما كانت على الأرض تدفع بالأمور نحو التصعيد وتدفع بالمزيد من شحنات الأسلحة، ما دفع الرياض الى الإنفجار في وجه الإمارات دفعة واحدة في صبيحة اليوم من خلال عمل عسكري غير متوقع وإجرءات سياسية حاسمة.

وصباح الثلاثاء كانت ابوظبي تتلقى ما لم تكن ربما تتوقعه، فقد قصف الطيران السعودي سفينتين محملتان بالأسلحة قالت الرياض إنهما اغلقتا أجهزة التتبع اثناء قدومها من ميناء الفجيرة الأماراتي ووصلتا إلى ميناء المكلا شرقي البلاد.

ايقاع التطورات تسارع بصورة استثنائية حين خرج رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي على غير المألوف بخطاب يعلن فيه الغاء اتفاق الدفاع المشترك مع الإمارات ويطالبها بإخراج قواتها من الأراضي اليمنية خلال 24 ساعة.

 وقد أردفته السعودية ببيان للخارجية  يعزز مطالب رئيس مجلس القيادة اليمني، ولم تنس الرياض الحديث عن القضية الجنوبية وتمثيل الإنتقالي في أي تسوية قادمة. 

هذا الإيقاع المتسارع لأوضاع ظلت جامدة وتشكلت خلال عشر  سنوات، ربما تعيد تعديل مقاربة الرياض للملف اليمني في ما يتعلق بوحدة الأراضي اليمنية، وقد ينعكس ذلك في خطاب رسمي يمني أكثر التزاماً تجاه كيان الجمهورية اليمنية، وأكثر صراحة تجاه وحدة البلاد مع معالجة جذور القضية الجنوبية وشكل الدولة.

اليمن امام مفترق طرق

على وقع هذه المتغيرات، يبدو ان اليمن يقف اليوم أمام مفترق طرق تاريخي؛ فإما استعادة الدولة من براثن الجماعات المسلحة - سواء كانت طائفية في الشمال أو انفصالية في الجنوب - كما يشدد وزير الدفاع السعودي الأمير خالد بن سلمان في تصريحاته الأخيرة حول ضرورة "استعادة الأرض والدولة" وصون الأمن لليمنيين كافة، أو الاستسلام لواقع التجزئة الذي تفرضه القوى المحلية المدعومة إقليمياً. 

إن القضية الأكثر عدالة اليوم، كما يخلص التميمي والعمراني، هي استعادة الدولة اليمنية الموحدة، وبدون ذلك سيظل اليمن والإقليم في دوامة من الصراعات التي لا تنتهي.

تنويه: هذا الخبر تم نقله تلقائياً من مصدره (موقع الحرف 28) ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع.