في خضم التحولات السياسية والأمنية المتسارعة في اليمن، تتواصل القرارات الرئاسية لإعادة ترتيب المشهد، عقب محاولة المجلس الانتقالي الجنوبي التمرد على الشرعية وفرض واقع سياسي وميداني بالقوة شرق البلاد.
كان آخر القرارات، إسقاط مجلس القيادة الرئاسي اليمني عضوية فرج البحسني من المجلس، كثاني عضو يزاح خلال أقل من 10 أيام، بعد إقالة عيدروس الزبيدي بتهمة “الخيانة العظمى” وإحالته إلى النائب العام.
بعد إقالة البحسني بساعات، أصدر مجلس القيادة قرارًا بتعيين الفريق الركن محمود الصبيحي، والدكتور سالم الخنبشي عضوين في المجلس، مع احتفاظ الأخير بمنصبه محافظًا لحضرموت.
ولاقت هذه القرارات تفاعلًا محليًا واسعًا، ورأى البعض أنها تأتي ضمن توجه رئاسي للجمع بين الخبرة العسكرية والإدارية في قيادة المرحلة القادمة.
فبينما يملك الصبيحي خبرة عسكرية استثنائية تمتد لعقود في إدارة الملفات العسكرية المعقدة، يجمع الخنبشي بين المسار الأكاديمي والممارسة السياسية والإدارية.
ولهذا، اعتُبر القرار عودة لشخصيات مخضرمة إلى الواجهة تمتلك حضورًا وثقلًا عسكريًا وسياسيًا.
ويرصد محرر “بران برس”، أبرز المحطات في مسيرة الرجلين منذ نشأتهما ووصولًا إلى قرار تعيينهما الأخير.
مسيرة عسكرية استثنائية
وُلد الصبيحي عام 1948 في مديرية المضاربة ورأس العارة بمحافظة لحج جنوبًا، ونشأ في بيئة لها حضور عسكري وتقلبات سياسية رافقت مرحلة ما بعد الاستعمار البريطاني.
التحق مبكرًا بالمؤسسة العسكرية، وتلقى تعليمه في الكلية العسكرية بعدن، وتخرج عام 1976 حاصلًا على بكالوريوس في العلوم العسكرية.
بعدها ابتعث إلى الاتحاد السوفييتي بين عامي 1978 و1982، ونال الماجستير في العلوم العسكرية. وعام 1988 أنهى دورة القيادة والأركان، ليتولى مناصب قيادية في التخطيط والقيادة.
تدرّج في المناصب العسكرية والإدارية، منها العمل بديوان وزارة الدفاع، وقيادة وحدات وألوية عسكرية، ثم قيادة الكلية العسكرية في عدن أواخر الثمانينيات.
وبعد عام 1990، عُيّن نائبًا لمدير الكلية الحربية في صنعاء، ضمن ترتيبات توحيد المؤسستين العسكريتين.
وخلال حرب 94، قاتل الصبيحي إلى جانب علي سالم البيض ضد الرئيس الأسبق صالح ووزير دفاعه آنذاك عبدربه منصور هادي، وهي محطة مثيرة للجدل في مسيرته.
وبعدها غادر البلاد لمدة 15 عامًا، ليعود عام 2010 ويُعيّن مستشارًا للقائد الأعلى للقوات المسلحة ويُرقي إلى رتبة لواء، وهو ما عكس قدرته على التكيّف مع التحولات السياسية والحفاظ على موقعه داخل الجيش.
في أعقاب ثورة 2011 عاد اسمه إلى الواجهة مع هيكلة الجيش، إذ عُيّن عام 2013 قائدًا لمحور العند، ثم عُين قائدًا للمنطقة العسكرية الرابعة خلال الفترة 2013–2014.
وفي نوفمبر 2014، عُين وزيرًا للدفاع بعد أسابيع من انقلاب جماعة الحوثي وسيطرتها على العاصمة صنعاء، وسط انقسام حاد داخل المؤسسة العسكرية، وتراجع متسارع لسلطة الدولة.
وبعد استقالة حكومة بحاح والرئيس هادي، شكل الحوثيون ما أسموه “اللجنة الثورية” وعينوه رئيسًا للجنة الأمنية المشكلة مطلع فبراير 2015، عقب إصدارهم “إعلانًا دستوريًا” رفضته معظم القوى السياسية.
غير أن الجماعة سرعان وضعته تحت الإقامة الجبرية كباقي الوزراء، قبل أن يفلت في 8 مارس 2015 إلى مسقط رأسه بمحافظة لحج، ويعود للعمل كوزير للدفاع بقرار من الرئيس هادي الذي أفلت هو الآخر إلى عدن.
وحينها، قاد الصبيحي المعارك ضد الحوثيين، قبل أن يقع أسرًا أواخر مارس 2015، أثناء توجهه إلى قاعدة العند الجوية، في حادثة شكّلت صدمة سياسية وعسكرية باعتبارها أول حالة أسر لوزير دفاع يمني خلال النزاع.
ورد اسمه ضمن قرار مجلس الأمن 2216 الذي يدعو الحوثيين للإفراج عنه. وظل طوال ثماني سنوات حاضرًا في جولات التفاوض، ليفرج عنه منتصف أبريل 2023 ضمن صفقة تبادل واسعة برعاية أممية.
حظي بتكريم رسمي عقب الإفراج عنه، حيث صدر في مايو 2024 قرار بترقيته إلى رتبة فريق ركن، ومُنح وسام 26 سبتمبر من الدرجة الأولى تقديرًا لمسيرته العسكرية وصموده خلال الأسر. كما عُين مستشارًا لرئيس مجلس القيادة لشؤون الدفاع والأمن، في خطوة أعادته إلى دائرة القرار في مرحلة دقيقة من تاريخ اليمن.
ومؤخرًا، عاد إلى صدارة المشهد بتعيينه عضوًا في مجلس القيادة الرئاسي، كأحد القادة الذين صنعتهم الأحداث والمنعطفات المهمة التي شهدتها اليمن منذ عقود.
مسيرة أكاديمية وسياسية
وُلد سالم الخنبشي في 3 مارس 1952 في مديرية دوعن بمحافظة حضرموت لأسرة محافظة، ونشأ في بيئة اجتماعية بسيطة، قبل أن يسافر إلى المجر لإكمال دراساته العليا، وينال الماجستير في علم الاجتماع.
عاد بعدها ليعمل مدرسًا في المرحلة الإعدادية، ثم مشرفًا على مدارس مديرية دوعن بين عامي 1973 و1976، قبل التحاقه بجامعة حضرموت للعلوم والتكنولوجيا معيدًا وأستاذًا مساعدًا، ثم عُين رئيسًا لقسم الفلسفة وعلم الاجتماع وعمادة كلية التربية بالمكلا أواخر الثمانينيات.
أصدر مؤلفات توثّق تاريخ حضرموت، منها "حارات المكلا" و"سيبان عبر التاريخ"، وساهم في إعداد كتب حول العملية الانتخابية اليمنية، وله مشاركات بحثية وأكاديمية متعددة.
دخل الخنبشي عالم السياسة عبر النشاط الطلابي والحركة الشبابية، مساهمًا في تأسيس اتحاد طلبة الحضارم والاتحاد الوطني العام لطلبة اليمن، بالإضافة إلى دوره بتأسيس اتحاد الشباب الديمقراطي اليمني بحضرموت.
ومع الوقت، خاض غمار العمل الحزبي الرسمي، في البداية مع الجبهة القومية اليمنية، ثم مع الحزب الاشتراكي اليمني، متقلّدًا مناصب قيادية على مستوى المديريات والمحافظة، وصولًا إلى عضوية اللجنة المركزية والمكتب السياسي حتى عام 2001. ولاحقًا، التحق بالمؤتمر الشعبي العام وأصبح عضوًا في لجنته الدائمة عام 2010.
وفي السلك الحكومي، تبوأ مناصب تشريعية وتنفيذية، منها عضوية البرلمان بين عامي 1993 و1997، إلى عضوية اللجنة العليا للانتخابات بين 2001 و2007، ومن ثم محافظ حضرموت بين عامي 2008 و2011.
بعدها أصبح عضوًا بمجلس الشورى بين 2011 و2018، وعاد للعضوية حتى 2025. كما شغل نائب رئيس مجلس الوزراء بين أكتوبر 2018 و2020، وشارك في مفاوضات الرياض التي أعقبت تمرّد المجلس الانتقالي الجنوبي في عدن 2019، مساهماً في وضع ترتيبات لتقاسم السلطة وإعادة تنظيم المؤسسات الأمنية والعسكرية.
مطلع نوفمبر 2025، عاد إلى الواجهة بعد تعيينه محافظًا لحضرموت، في وقت كانت تعيش توترات أمنية متصاعدة إثر الهجوم العسكري الذي شنّه المجلس الانتقالي.
ومع تصاعد التحديات، كُلِّف الخنبشي بقيادة قوات "درع الوطن" في المحافظة، مع صلاحيات أمنية وعسكرية وإدارية كاملة لإعادة السيطرة على المواقع الحيوية وإعادة الأمن والنظام إلى المحافظة.
ومطلع يناير 2026، أطلق عملية "استلام المعسكرات"، لاستعادة المواقع العسكرية التي سيطر عليها الانتقالي في حضرموت. ليعلن بعد أيام معدودة نجاح العملية، واستئناف عمل السلطات المحلية في أنحاء المحافظة.
تنويه: هذا الخبر تم نقله تلقائياً من مصدره (بران برس) ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع.