خاص( البعد الرابع) غرفة الأخبار

في زمنٍ تتكاثر فيه الصراعات والحروب العبثية حولنا كخلايا سرطان، وحين تصاعدت –وما تزال– أصوات المدافع في الشرق الأوسط، وخفت صوت العقل والحكمة، تبقى الإمارات العربية المتحدة ظاهرة مختلفة؛ ظاهرة تستحق قراءة أبعد من لغة الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة.

المنطقة اليوم تقف على حرب إقليمية مفتوحة، تتشابك فيها مشاريع القوى الكبرى مع طموحات القوى الإقليمية؛ من إيران إلى أمريكا وإسرائيل، مروراً بالخرائط الممزقة في العراق وسوريا واليمن ولبنان.

في هذا المشهد المشتعل، تبدو القوة العسكرية ولغة الرصاص وكأنها اللغة الوحيدة التي يفهمها الجميع.

لكن الحقيقة الأعمق تقول شيئاً آخر.

فالقوة الحقيقية لا تُقاس فقط بعدد الطائرات المقاتلة أو أنظمة الدفاع الصاروخي، بل بقدرة الدولة على صناعة الاستقرار داخل المعركة. وهنا تتجلى تجربة الإمارات العربية المتحدة بصورة تكاد تكون ثورية في معناها السياسي: دولة بنت قوتها الكبرى من تنوع البشر، ومن صرامة القانون، ومن فكرة الانفتاح والحوار الحضاري المنظم.

في مدن مثل دبي وأبوظبي والشارقة وعجمان، لا يعيش شعب واحد فقط، بل يعيش العالم كله تقريباً بحرية وسلام.

مئات الجنسيات، وآلاف اللغات غير المعلنة، وأديان وثقافات مختلفة، لكنها تتحرك داخل إيقاع واحد اسمه القانون ودولة المؤسسات.

هذا ليس مجرد نموذج اقتصادي شامل، بل رؤية سياسية علمية عميقة: أن تجعل من التنوع طاقة إبداع وابتكار، لا فتيلاً لصراع ماضوي عقيم.

وفي زمن الحروب الإقليمية، تصبح تلك الفكرة الناضجة والمسار الواضح قوة ذاتية استراتيجية هائلة.

فالدولة التي يعيش فيها العالم كله لا يمكن أن تتحول بسهولة إلى ساحة حرب طويلة أبداً، ولا يمكن أن تسقط؛ لأن الحرب حينها ستصيب الجميع، وستضر بعيش العالم وتعايشه.

هنا تكمن خوارزمية هذا البلد العربي العظيم.

فبينما تبني كثير من القوى نفوذها عبر الصراع الديني والجهوي والطائفي والسلالي، تبني الإمارات نفوذها داخلياً عبر الاستقرار، ورفع معدلات النمو والتطور والتقدم الذي يحتاجه العالم الحديث في مختلف المجالات.

إنها معادلة تشبه الحكمة الصوفية القديمة التي قالها الحسين بن منصور الحلاج: "البحر لا يمتلئ بالصراخ، بل بالأنهار التي تصب فيه."

وهي دعوة للعمل والسعي والهدوء لتحقيق الأهداف، بدلاً من الضجيج والصراع العبثي.

وهكذا تبدو دولة الإمارات كبحرٍ اقتصادي وإنساني؛ تصب فيه أنهار من البشر من كل القارات، فتتحول الطاقة البشرية هنا إلى قوة إنتاج، وإلى قوة حماية هائلة، لا إلى وقود للحرب.

في منطقة تمزقها الهويات المغلقة المعقدة، اختارت الإمارات أن تبني قوتها من الهوية المفتوحة للجميع.

وفي زمن يتصاعد فيه خطاب الكراهية والشحن التمزيقي الخبيث، بنت دولة الإمارات العربية المتحدة مشروعها على قانون يحمي الجميع دون أن يذيب خصوصية أحد.

لهذا تبدو القوة اليوم مختلفة هنا في دولة الإمارات: ليست فقط في تكنولوجيا السلاح وقوة الردع، بل في إدارة حاجات العالم بأمان وسلام داخل الدولة.

إن الحرب الإقليمية التي اندلعت واتسعت اليوم ستكشف شيئاً مهماً: أن الدول التي بنت قوتها على الصراع الفئوي والعنصري والطائفي والسلالي المتخلف ستُستنزف سريعاً، وقد تسقط أنظمتها في الوحل.

أما الدول التي بنت قوتها على الاقتصاد والقانون والانفتاح والتعايش والتنوع والسلام، فستبقى مراكز جذب للعالم حتى وسط العاصفة العسكرية.

من هنا يمكن فهم الإمارات، لا كدولة صغيرة في الجغرافيا، بل كفكرة ونموذج سياسي واقتصادي وعلمي كوني عميق.

أن تبني وطناً لا يقوم على إغلاق الأبواب والتصنيف العقدي، بل على تنظيم العالم حين يدخل إليك.

وهذا في حد ذاته فعل ثوري معاصر.

فالثورات ليست دائماً صراخاً في الشوارع؛ أحياناً تكون هدوءاً عميقاً يصنع التحولات الاقتصادية والعلمية والتكنولوجية نحو المستقبل، بينما العالم يتقاتل مع الآخر ومع نفسه.

تنويه: هذا الخبر تم نقله تلقائياً من مصدره (البعد الرابع) ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع.