بعد أشهر قليلة من الاستقرار النسبي، فُجعت مدينة عدن المعلنة عاصمة مؤقتة للبلاد، السبت 25 أبريل/نيسان 2026، جريمة اغتيال طالت التربوي والقيادي في حزب الإصلاح، الدكتور عبدالرحمن “الشاعر”، في حادثة أعادت إلى الواجهة دلالات التوقيت والجهات المستفيدة.

وقالت مصادر محلية لـ“برّان برس” إن مجهولين يستقلون سيارة “هايلوكس” اعترضوا طريق “الشاعر” في منطقة “كابوتا” بمديرية المنصورة أثناء توجهه إلى فعالية تعليمية، وأطلقوا عليه النار، ما أدى لوفاته في الحال، قبل أن يفروا إلى جهة مجهولة.

ويُعد “الشاعر” من القيادات البارزة في فرع حزب الإصلاح بعدن، وهو مدير مدارس “النورس” الأهلية، وعُرف بنشاطه في المجال التربوي ودوره في تطوير العملية التعليمية.

موقف الإصلاح

في تصريح لـ“برّان برس”، قال متحدث حزب الإصلاحي اليمني، نائب رئيس دائرته الإعلامية "عدنان العديني"، إن الجريمة “ليست مجرد حادثة جنائية تعرض لها شخص، بل جريمة سياسية مست كل يمني”، واعتبرها “استهدافًا للنظام السياسي وللحياة السياسية اليمنية”.

وأضاف “العديني”، في هذا السياق، أن الإصلاح هو “القوة” التي تمثل “العقبة الكأداء أمام قوى التطرف وعصابات الإرهاب التي تحاول تقويض السلم الأهلي في مدينة عدن“.

وأكد أن الحادثة تأتي ضمن “الجرائم المتسلسلة” التي ضربت عدن منذ صيف عام 2015، مضيفًا أنها “تعكس نهجًا إرهابيًا مُصر على تدمير البيئة السياسية اليمنية”، وتشكّل “خطراً على اليمن وعلى منطق القانون الدولي واعتداء على الإنسانية كلها”.

استهداف ممنهج

في السياق ذاته، قال الصحفي “فخر العزب” إن الاغتيالات في عدن “ليست ظاهرة جديدة، لكنها تتجدد بعد كل هدوء نسبي”، موضحًا أنها “تأتي ضمن سياق ممنهج يهدف إلى نشر الفوضى في العاصمة المؤقتة ومركز ثقل الدولة”.

وأضاف العزب، في حديثه لـ“برّان برس”، أن “أطرافًا متعددة تلتقي مصالحها عند تعطيل مؤسسات الدولة في عدن والمناطق المحررة بشكل عام، مع تركيز خاص على ضرب العمل الحزبي باعتباره الوسيلة الأهم للعمل المدني”.

وعن المستفيد، أشار “العزب” إلى “جهات داخلية وخارجية” قال إنها “تقف بوضوح ضد مشروع الدولة وقيادة الشرعية، وتصطف إلى جانب الميليشيات المذهبية أو المناطقية في العداء للعمل المدني والحزبي”.

واعتبر أن هذه الجرائم “تستوجب إدانة حازمة من كل القوى السياسية، التي تنشد دولة النظام والقانون، وتؤمن بأن الأمن هو الأساس الذي لا غنى عنه لقيام بقية مؤسسات الدولة”.

تساؤلات التوقيت والسياق

من جانبه، قال الباحث والكاتب اليمني، فهد سلطان، إن توقيت “عودة الاغتيالات في عدن يأتي بعد طرد الإمارات من جنوب البلاد، وهو حضور ارتبط في الوعي العام بملف الاغتيالات والفوضى الأمنية“. 

وأضاف سلطان، لـ“برّان برس” أن ذلك يُعيد إلى الواجهة “سؤال قديم عن مآلات مشروع التحالف في اليمن، والفجوة الكبيرة بين شعارات التدخل الأولى ونتائجه الفعلية”.

كما أشار إلى أن هذه التطورات “تفتح باب التساؤل: هل عادت الإمارات إلى المشهد من جديد؟ أم أن الرياض لم تعد ترى في هذا الملف تهديدًا مباشرًا لمصالحها، ما دام الخطر الإماراتي عليها قد تم احتواؤه، حتى لو بقي أثره قائمًا داخل اليمن؟”.

سؤال المنفذ والمستفيد

وفيما يتعلق بتحديد الطرف المنفذ، قال “العزب” إن “المسؤولية تقع أساسًا على عاتق الأجهزة الأمنية، التي يجب أن تثبت قدرتها على تحمل مسؤولياتها، خاصة في ظل أجواء التفاؤل بالتحركات الهادفة إلى إعادة ترتيب الجهاز الأمني والعسكري تحت مظلة الدولة لإنهاء حالة العبث والكانتونات المقسمة التي سادت المرحلة السابقة”.

وأضاف أن فهم المشهد يتطلب أيضًا “البحث عن المستفيد من خلال تحليل توقيت ومكان العمليات ونوعية الأطراف المستهدفة”.

وفي هذه الحالة قال: “نجد بوضوح أن الجهات التي أزعجها البدء بتفعيل وهيكلة مؤسسات الدولة ومحاولة تثبيتها في عدن، هي ذاتها التي ترى في الفوضى الأمنية وعودة الاغتيالات وسيلة وحيدة لعرقلة هذا المسار الوطني”.

بين التحريض والتنفيذ 

بدوره، قال “العديني” إن هناك حملات تحريض إعلامية ممنهجة ضد الحزب تقف ورائها جهات “معروفة”، وتسبق كل عملية اغتيال سياسي.

وأضاف أن “الاغتيالات دائمًا تأتي بعد موجات من التحريض ضد الإصلاح من قبل وسائل إعلام معروفة تابعة لجهات سياسية معلومة“، محملًا هذه الجهات “المسؤولية”.

وأكد أن العلاقة بين التحريض والاغتيال “تستدعي تحقيقًا جادًا”، داعيًا الأجهزة الأمنية إلى “تتبع الجناة المجرمين، سواء الذين يحرضون أو الذين ينفذون، فالعملية عملية متكاملة”. كما طالبها بتأمين الناس، وتوفير حق الحياة للمواطنين في عدن.

إعادة هندسة المشهد

وفي قراءته أوسع للمشهد، يرى فهد سلطان أن ما يجري يتزامن مع ثلاثة مسارات متوازية: “حوار سعودي متجدد مع الحوثيين بعيدًا عن الشرعية وبدفء واضح، وضغط أمريكي متصاعد على الإصلاح عبر التلويح بتصنيفه ضمن قوائم الإرهاب، وتنامٍ ملحوظ في حضور الانتقالي سياسيًا وأمنيًا مع تراخٍ سعودي واضح تجاه تمدده”.

وقال إن “هذه المؤشرات مجتمعة توحي بأن هناك إعادة هندسة للمشهد اليمني، عنوانها تقليص نفوذ بعض القوى، وإعادة تمكين أخرى، وفق تصور إقليمي جديد”.

وبرأيه، فإن هذه التحولات قد لا تضع “استقرار اليمن أو وحدة مؤسساته في مركز الأولويات”.

استهداف للتعليم

في سياق التنديد بالجريمة، قالت إدارة التربية والتعليم بمديرية المنصورة، إن “الشاعر” كان نموذجاً في الإخلاص والتفاني، وواحداً من أبرز القيادات التعليمية التي كرّست جهودها لبناء الأجيال وترسيخ القيم.

فيما اعتبرت “نقابة المعلمين اليمنيين” اغتياله “استهدافاً مباشراً لقطاع التعليم وكوادره، خاصة وأن الشاعر اغتيل في يوم شهد نشاطاً تعليمياً بارزاً تمثل في تدشين فعالية علمية للروبوت والذكاء الاصطناعي”.

وحمّلت النقابة مجلس القيادة الرئاسي والحكومة مسؤولية حماية المعلمين والكفاءات الوطنية، وملاحقة الجناة وتقديمهم إلى العدالة بصورة عاجلة.

ملف مفتوح

ولا يزال ملف الاغتيالات في عدن مفتوحًا منذ عقد، في ظل غموض يحيط بالفاعلين والداعمين لهذه العمليات التي طالت عشرات القيادات التي كان لها دور محوري في تحرير المدينة.

وبحسب تقرير سابق لـ“برّان برس”، فقد رُصدت 156 عملية اغتيال خلال الفترة من 30 أغسطس 2015، وحتى 26 سبتمبر 2025، استهدفت شخصيات سياسية ودينية وعسكرية.

ورغم أن بعض خيوط هذه القضايا بدأت تتكشف لاحقًا عبر تقارير وتحقيقات صحفية وحقوقية، إلا أن كثيرًا منها لا زال يكتنفه الغموض، سواء فيما يتعلق بالمنفذين أو دوافعهم.

وتأتي حادثة اغتيال “الشاعر” في هذا السياق، وسط مخاوف من عودة شبح الاغتيالات، في ظل التداخلات والتعقيدات الأمنية والإدارية، وغياب نتائج واضحة لعدد من الملفات السابقة.

 

تنويه: هذا الخبر تم نقله تلقائياً من مصدره (بران برس) ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع.