الجمعة 29 مايو ,2026 الساعة: 11:26 مساءً
كتب - هشام المحيا- خاص
غيب الموت يوم الخميس، 28 مايو 2026، في العاصمة السعودية الرياض، الرئيس السابق عبد ربه منصور هادي عن عمر ناهز 80 عاماً، ليطوي بذلك صفحة واحد من أكثر الزعماء العرب إثارة للجدل، والذي قضى عقوداً في ظل السلطة قبل أن يجد نفسه في مواجهة مباشرة مع أعنف أزمات اليمن الحديث وأكثرها تعقيداً.
وُصف هادي طوال مسيرته بـ "الرجل الصبور" و"الجنرال الصامت"، حيث قضى 17 عاماً نائباً للرئيس السابق علي عبد الله صالح، قبل أن تدفع به رياح "الربيع العربي" إلى سدة الحكم في فبراير 2012. وبينما يراه البعض حارساً للشرعية والسيادة، يرى منتقدوه أن فترة حكمه اتسمت بسلسلة من الإخفاقات الاستراتيجية والتنازلات التي ساهمت في وصول البلاد إلى وضعها الراهن، مما يجعل إرثه محل انقسام حاد في الذاكرة اليمنية.
من أبين إلى الأكاديميات الدولية
ولد هادي في الأول من سبتمبر 1945 في قرية "دكين" بمحافظة أبين (جنوبي اليمن). بدأ مسيرته العسكرية مبكراً، حيث تخرج من مدرسة جيش محمية عدن العسكرية عام 1964.
وتلقى هادي تعليماً عسكرياً رفيعاً في بريطانيا ومصر والاتحاد السوفيتي، مما صقل شخصيته كضابط مدرعات محترف.
ويرى مراقبون ان حرب صيف 1994 كانت هي الاختبار الحقيقي الأول لهادي، حيث انحاز لخيار الوحدة والجمهورية ضد رفاقه السابقين في الجنوب، وعينه صالح وزيراً للدفاع في ذروة المعارك، وساهمت معرفته بجغرافيا الجنوب في حسم الصراع.
ورغم أن هذا الموقف كافأه بمنصب نائب الرئيس لسبعة عشر عاماً، إلا أنه ظل محل انتقاد واسع في الجنوب، حيث اعتبره الكثيرون "أداة" لضرب تطلعات الجنوبيين وتدمير مؤسساتهم.
من الهيكلة للجيش إلى التفكيك
تعد قرارات إعادة هيكلة الجيش التي أصدرها هادي في ديسمبر 2012 نقطة تحول جوهرية في مسيرته، وهدفت القرارات، التي حظيت بدعم دولي، إلى توحيد القرار العسكري وإنهاء نفوذ عائلة صالح ومنافسيهم من آل الأحمر، وبموجبها، أُلغيت مسميات "الحرس الجمهوري" و"الفرقة الأولى مدرع"، وجرى توزيع الألوية على مناطق عسكرية، إلا أن هذه الخطوة، التي وُصفت بأنها "ضربة جراحية" لمراكز القوى، تحولت في نظر منتقديه إلى عملية "تفكيك" ممنهجة للمؤسسة العسكرية الوطنية.
ويرى خبراء عسكريون أن الهيكلة أدت إلى تشتيت الولاءات العسكرية وإضعاف الروح القتالية للجيش، مما جعل الوحدات العسكرية لقمة سائغة أمام التمدد الحوثي في 2014.
ويُتهم هادي بأنه انشغل بإضعاف خصومه العسكريين التقليديين أكثر من انشغاله ببناء جيش وطني بديل، مما ترك فراغاً أمنياً قاتلاً استغله الحوثيون للسيطرة على البلاد.
الجرح الغائر في مسيرة هادي
تظل أحداث سبتمبر 2014 هي النقطة الأكثر قتامة في سجل هادي السياسي، حيث واجه هادي اتهامات بتسليم العاصمة صنعاء لجماعة الحوثي دون مقاومة تذكر، وقبلها محافظة عمران المجاورة للعاصمة، والتي خرج منها بتصريح عقب سقوطها بأيدي الحوثيين سيظل اليمنيون يتذكرونه كوصمة عار بحق هادي، حيث قال حينها ان عمران عادت لحضن الدولة، وهذا التصريح اعتبره الكثير بأنه دليل واضح لدور هادي فس تمدد الحوثيين وسيطرتهم على صنعاء وبقية المحافظات.
في هذا السياق، يرى مراقبون أن سياسته القائمة على "الحياد" بين الجيش والميليشيات، ورفضه إصدار أوامر عسكرية حازمة للدفاع عن العاصمة، مهدت الطريق للانقلاب الحوثي.
وتشير تقارير دولية إلى أن حالة "الشلل" التي أصابت مؤسسات الدولة آنذاك كانت نتاجاً لسوء إدارة هادي للصراع وتوجسه من نفوذ القوى العسكرية التقليدية، مما جعله يفضل سقوط الخصوم حتى لو كان الثمن هو سقوط الدولة نفسها. هذا الفشل الاستراتيجي دفع بالبلاد إلى أتون حرب دولية لم تنتهِ فصولها بعد.
نشوء الكيانات الموازية وتآكل السلطة
مع تدخل التحالف العربي في 2015، دخلت مسيرة هادي مرحلة جديدة من "تآكل السلطة"، ويُؤخذ على هادي سماحه، أو عجزه عن منع، إنشاء تشكيلات عسكرية وأمنية خارج إطار وزارة الدفاع والداخلية.
وتحت مظلة "الشرعية"، نشأت "الأحزمة الأمنية" و"النخب" و"ألوية العمالقة"، وهي كيانات ممولة ومدربة من قبل الإمارات، وتدين بالولاء لمشاريع جهوية أو انفصالية.
ويرى الكثير من الخبراء العسكريين والسياسيين، ان هادي قدم "غطاءً شرعياً" لتفكيك الجيش الوطني واستبداله بـ "ميليشيات مناطقية"، مما أدى في نهاية المطاف إلى فقدان الحكومة السيطرة على المناطق المحررة، واندلاع صراعات بين القوات الموالية له وهذه الكيانات الموازية، كما حدث في عدن عام 2019.
ويُتهم هادي بأنه فضل "الارتهان" لقرارات التحالف مقابل البقاء في المنصب، حتى لو كان ذلك على حساب وحدة القرار العسكري والسيادي.
صراع السيادة... سقطرى وميناء عدن
في المقابل، يُحسب لهادي خوضه صراعاً مريراً مع دولة الإمارات حول "الخطوط الحمراء للسيادة الوطنية"، حيث تشير شهادات لمسؤولين يمنيين واعضاء في مجلسي النواب والشورى، إلى أن الخلاف اندلع حين رفض هادي طلباً إماراتياً بتأجير جزيرة سقطرى وميناء عدن لمدة 99 عاماً، وهذا الرفض، بحسب الشهادات أدى إلى اندلاع حرب دبلوماسية وإعلامية شاملة ضده، وصفت خلالها أبوظبي هادي بـ "العاجز"، بينما مولت قوات موازية (المجلس الانتقالي) لتقويض سلطته على الأرض.
في مايو 2018، وصلت الأزمة إلى ذروتها عندما أرسلت الإمارات قوات إلى سقطرى دون تنسيق، وهو ما اعتبرته حكومة هادي "مساساً بالسيادة" وتقدمت بشكوى لمجلس الأمن.
وهذا التصلب في المواقف السيادية، وفق مراقبين، جعل من هادي هدفاً مباشراً لمحاولات الإزاحة، لكنه ظل متمسكاً برفض "رهن" الجغرافيا اليمنية مقابل البقاء في السلطة.
إدارة الدولة من "الفنادق" والفساد
واجه هادي طوال سنواته في المنفى انتقادات حادة بسبب إقامته الدائمة في الرياض وإدارة البلاد مما وُصف بـ "فنادق الخارج"، وهذا الغياب عن الأرض أدى إلى فجوة عميقة بين السلطة والواقع الميداني، وساهم في تآكل هيبة الدولة وتعاظم نفوذ الميليشيات.
كما لاحقت حكومته اتهامات واسعة بالفساد والمحسوبية. وتشير تقارير اقتصادية دولية إلى تورط مسؤولين في دائرته المقربة في قضايا غسيل أموال، في وقت كان فيه ملايين اليمنيين يواجهون المجاعة.
كما عُرف عن هادي اعتماده المفرط على عائلته او المقربين والمحيطين به، في اتخاذ القرار، مما أضعف المؤسسات الرسمية وحول القرار السياسي إلى "دائرة ضيقة" تفتقر للشفافية.
التنازلات للتحالف ومصير السيادة
رغم مواقفه في سقطرى، يرى تيار واسع أن هادي قدم تنازلات "مصيرية" للسعودية والإمارات مست استقلال القرار اليمني، ويُنتقد لكونه منح التحالف "تفويضاً مفتوحاً" للتحكم في الأجواء والمياه الإقليمية، مما حول دور الحكومة الشرعية إلى دور "بروتوكولي".
كما تُوجه له اتهامات بالصمت حيال بناء قواعد عسكرية في جزر استراتيجية دون اتفاقيات قانونية، وهو ما اعتبره منتقدوه "ارتهاناً كاملاً" للخارج.
مما يحسب لهادي
على الجانب الآخر، يُحسب لهادي إدارته لـ "مؤتمر الحوار الوطني الشامل" (2013-2014)، الذي جمع كافة القوى السياسية لصياغة عقد اجتماعي جديد، وظل هادي متمسكاً بمخرجات الحوار كمرجعية أساسية للحل، معتبراً إياها "طوق النجاة الوحيد".
كما برز موقفه في رفضه القاطع للمشروع الإيراني، حيث أعلن من عدن في 2015 سحب استقالته ومواجهة الانقلاب، معتبراً الحفاظ على الهوية العربية لليمن واجباً لا يقبل المساومة، وهو ما فرط به حينما كان في صنعاء.
الوداع الأخير وإرث متنازع عليه
في 7 أبريل 2022، وفي إعلان مفاجئ، فوض هادي كامل صلاحياته لمجلس قيادة رئاسي، في خطوة يرى مراقبون أنها كانت نتاجاً لضغوط إقليمية هائلة وعمل ممنهج لإضعافه وعزله.
برحيل عبد ربه منصور هادي، يترك خلفه إرثاً سيظل محل انقسام حاد، فبينما يرى فيه البعض "الرئيس الشرعي" الذي قاوم الانقلاب وحافظ على الاعتراف الدولي بالدولة، يراه آخرون "الرئيس الذي ضاعت في عهده البلاد" بسبب سوء التقدير والارتهان للخارج.
رحل هادي تاركاً خلفه يمناً ممزقاً يعيش أسوأ أزمة إنسانية، ليبقى الحكم النهائي على فترة حكمه مرهوناً بما ستؤول إليه الأوضاع في بلد لا يزال يبحث عن مخرج من النفق المظلم.
تنويه: هذا الخبر تم نقله تلقائياً من مصدره (موقع الحرف 28) ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع.