صالح يلقي خطابًا بمناسبة مرور 35 عامًا على تأسيس المؤتمر وذلك في ميدان السبعين بصنعاء في 24 أغسطس 2017
بعد سنوات من خروجه من السلطة، وجد الرئيس اليمني الأسبق "علي عبدالله صالح" نفسه في تحالف بدا للكثيرين مستحيلاً مع مليشيا الحوثي، الخصم الذي خاض ضدها 6 حروب خلال فترة حكمه، لكن ذلك التحالف الذي غيّر مسار الحرب في اليمن انتهى بطريقة دموية، عندما قُتل "صالح" على أيدي حلفائه الحوثيين، في ديسمبر/كانون الأول 2017.
في شهادة مطولة نشرها الصحفي اليمني البارز "أنور العنسي" ضمن تقرير بمجلة "المجلة" الصادرة من لندن، بعنوان "علي عبدالله صالح.. تحالف مع الحوثيين فقتلوه"، يكشف تفاصيل وخلفيات العلاقة التي جمعت الطرفين، وكيف تحولت من شراكة سياسية وعسكرية إلى مواجهة انتهت بمقتل الرئيس السابق ونائبه عارف الزوكا.
لماذا تحالف صالح مع الحوثيين؟
بحسب العنسي، فإن هناك ثلاثة عوامل رئيسية دفعت صالح إلى التقارب مع الحوثيين بعد أحداث 2011، أولها رغبته في الانتقام من خصومه السياسيين والعسكريين الذين شاركوا في الاحتجاجات المطالبة بإسقاط نظامه، وفي مقدمتهم الجنرال علي محسن الأحمر وخصومه من التيار الإسلامي.
أما العامل الثاني فتمثل في قناعة صالح بأن الرئيس الانتقالي عبدربه منصور هادي فشل في إدارة المرحلة الانتقالية والحفاظ على المؤسسات العسكرية التي بناها خلال عقود حكمه.
في حين كان العامل الثالث، وفق روايات قيادات مؤتمرية، اعتقاد صالح بإمكانية استخدام الحوثيين كورقة لمواجهة خصومه وإعادة ترتيب موازين القوى في البلاد.
وسطاء الظل
يكشف "العنسي" عن أسماء شخصيات لعبت أدواراً مبكرة في بناء الجسور بين صالح والحوثيين، واصفاً إياهم بأنهم كانوا بمثابة "سعاة بريد" بين صنعاء وصعدة خلال سنوات التقارب الأولى.
وذكر أن الثلاثة كانوا ينقلون الرسائل السريعة بين صعدة وصنعاء، وهم "السياسي الراحل زيد الذاري (الذي ارتبط مبكراً بزعيم حزب الله اللبناني حسن نصر الله)، ونزيه العماد، وحمود عباد (الذي يشغل حالياً منصب أمين العاصمة في حكومة الحوثيين)".
ويشير إلى أن أحد الثلاثة تفاخر علناً أمامه بأنه من حاك خيوط هذا التحالف، معتبراً إياه خطوة تخدم ما وصفوه بـ"المصلحة العليا للبلاد".
الوفد المُنقسم
وطبقاً للعنسي في تقريره، فإن الخلاف بين الحليفين لم يكن سراً مغلقاً، لافتاً إلى أنه في جولات مشاورات السلام، وذلك في الكويت، وجنيف، وبيل السويسرية" كان ما يسمى "الوفد الوطني" القادم من صنعاء يجلس منقسماً في قاعة المفاوضات.
وقال إن جناح الحوثيين كان في جهة، في حين إن جناح "المؤتمر" في جهة أخرى، مؤكداً أنه من واقع حواراته معهم آنذاك، أنهم لم يمثلوا يوماً وفداً موحداً، بل حمل كل طرف أجندته الخاصة، وكان الخلاف يتسع بعنف بمجرد عودتهم إلى صنعاء، حتى حانت لحظة الانفجار الكبير في مطلع ديسمبر 2017.
وأشار إلى أن "صالح" كان حينها، يعتمد على مربع أمني ضيق يحيط بقصره في منطقة "الثنية" بقلب صنعاء، راهناً على "طوق القبائل"، مضيفاً، لكن تفوق الميليشيات الحوثية كان ساحقاً، والرهان القبلي تبدد بعد أن هدد القيادي الحوثي "أبو علي الحاكم" شيوخ القبائل بالويل، متوعداً بحسم المعركة في عقر دار صالح قائلاً: "يحرم عليه حتى لو ما بقي رجّال".
مكالمة "الزوكا" الأخيرة
ويواصل الصحفي العنسي سرده للأحداث بالقول: "في الثاني من ديسمبر 2017، أطلق "صالح" رصاصته السياسية الأخيرة عبر نداء "الهبة الشعبية" الشهير ضد الحوثيين، سارعت الميليشيات لاقتحام قناته وقصف منزله بالمدفعية الثقيلة من الجبال المحيطة".
وبالتزامن مع ذلك تلقى "العنسي" رسالة نصية من رفيق صالح ونائبه، "عارف الزوكا"، قال فيها "أنت تعرف أن قناة (اليمن اليوم) توقفت، فإذا احتجنا أن نعمل تصريحات في (بي بي سي) أريدك أن ترتب لي ذلك.."
وأوضح أنه نجح في ترتيب الاتصال بالرغم من التشويش الأمني الحوثي على الهواتف، مشيراً إلى أنه في تلك المكالمة التاريخية، أفاد "الزوكا" أن "الزعيم صالح موجود في صنعاء، وهو مناضل سبتمبري أكتوبري وحدوي، ويقاتل من موقعه".
ولفت إلى أنه بعد 3أيام من حرب شوارع طاحنة أنهكت حراسة صالح المحدودة، أدرك "الزعيم" بعدها أن كفة الميزان خاسرة، فطلب من مقاتليه الانسحاب للنجاة بدمائهم، وبقي في مواجهة الموت مع نفر قليل.
بطانية حمراء
"العنسي" أشار إلى أنه "ظهر الرابع من ديسمبر، غادر صالح قصر "الثنية" برفقة الزوكا ونجله مدين متوجهاً إلى مسقط رأسه في "سنحان"، غير أن الكمائن المحكمة كانت بانتظاره عند قرية "الجحشي"، وهناك سقطا صالح مضرّجين بالدماء.
وأضاف أن مليشيا الحوثي تعمدت تصوير جثمان "صالح" ملفوفاً ببطانية حمراء بنوع من التشفي، لبعث رسالة إحباط تنهي اللعبة تماماً.
وقال "عقب الاغتيال، سلم الحوثيون جثة الزوكا لقبيلته في شبوة، واحتفظوا بجثمان صالح ليدفنوه في تعتيم شديد، وسط شكوك حول استخراج الجثة لاحقاً لاستخدامها كورقة مساومة".
ويكشف العنسي أنه حاول لاحقاً إنتاج عمل وثائقي ضخم لتوثيق تلك الحقبة بعيداً عن رواية الحوثيين، وقال إنه زار أبوظبي ودبي للقاء نجل صالح الأكبر، العميد أحمد علي، كما سافر إلى مسقط، غير أن المشروع تعثر بسبب إحجام الشهود واختفائهم، نتيجة حالة الارتباك والذعر التي سادت أنصار صالح.
ولفت إلى أنه في مسقط، أخبره القيادي المؤتمري "صالح أبو عوجا"، أن الحوثيين اعتمدوا خطة تصفية مبيتة ومحكمة قوامها "التسويف والتطمينات الكاذبة"، بينما أنشأ العمانيون غرفة عمليات لمتابعة الأحداث دون قدرة على الوساطة، لأن الوقت كان قد فات، والدبابات كانت تدك أسوار القصر وتغلق الهواتف في وجه الوسطاء.
وعلى الجانب الآخر، التقى العنسي في "ستوكهولم" أواخر 2018 بكبير مفاوضي الحوثيين، محمد عبد السلام، وسأله عما إذا كان يمكن تجنب تلك النهاية الدموية، فأجابه ببرود: "الطرف الآخر أعلن حرباً كاملة وسماها انتفاضة بغرض إبادتنا.. هذا مصير طبيعي، قاتَل فُقِتل
تنويه: هذا الخبر تم نقله تلقائياً من مصدره (نيوز لاين) ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع.