تتعرض مدينة ظفار التاريخية، عاصمة مملكة حمير القديمة بمحافظة إب، لعمليات حفر وتنقيب غير قانونية تستهدف مواقعها الأثرية، وسط اتهامات لسلطات الانقلاب التابعة لجماعة الحوثي المسيطرة على المحافظة بالتواطؤ مع عصابات نهب وتهريب الآثار.
وقالت مصادر محلية إن أفراد عصابة مزودين بأجهزة تنقيب حديثة وصلوا إلى قرية العرافة التاريخية الواقعة ضمن نطاق المدينة التاريخية قبيل عيد الأضحى، ونفذوا أعمال حفر استمرت لأيام، تمكنوا خلالها من استخراج قطع أثرية مهمة قبل مغادرة المنطقة باتجاه صنعاء.
وأضافت المصادر أن الأهالي أبلغوا مكتب الآثار والجهات الأمنية التابعة لجماعة الحوثي المصنفة دوليًا في قوائم الإرهاب، فور اكتشاف أعمال الحفر، إلا أنها لم تتخذ أي إجراءات لوقفها أو ملاحقة المتورطين.
ووفقًا للمصادر، فإن القوة الأمنية المكلفة بتأمين الموقع الأثري، والمكونة من نحو 30 عنصرًا، انسحبت فجأة قبل ساعات من وصول العصابة، ما أتاح لها النهب والعبث بحرية ودون عوائق.
وتعد ظفار من أبرز المدن الأثرية في اليمن، إذ كانت عاصمة مملكة حمير بين القرن الأول قبل الميلاد وبدايات القرن السادس الميلادي، وامتد نفوذها إلى أجزاء واسعة من شبه الجزيرة العربية. وتضم المدينة معالم تاريخية بارزة، منها قصر ريدان والأسوار القديمة والمنحوتات الصخرية التي تمثل جزءًا مهمًا من الإرث الحضاري اليمني.
وتمثل هذه الواقعة حلقة جديدة من سلسلة الاعتداءات التي تطال المواقع الأثرية اليمنية خلال سنوات الحرب، في ظل تنامي أنشطة نهب وتهريب الآثار والمتاجرة بها في الأسواق السوداء والمزادات العالمية.
عملية منظمة
وفي هذا السياق، كشف مصدر مسؤول في مكتب الآثار والمتاحف في محافظة إب لـ“بران برس” تفاصيل جديدة بشأن الاعتداء الأخير الذي طال مواقع أثرية بكرًا في قرية العرافة التاريخية التابعة لمدينة ظفار.
وقال المصدر، الذي طلب عدم كشف هويته كونه غير مخول بالحديث لوسائل الإعلام، إن “هذه العملية لم تكن مجرد حادثة سرقة عابرة، بل جريمة منظمة ومخطط لها بدقة عالية على مستويات عليا”.
وأكد المصدر وجود تواطؤ مباشر من نافذين في جماعة الحوثي وقيادات داخل مكتب الآثار بالمحافظة، قال إنهم وفروا غطاءً أمنيًا وإداريًا لعصابات التنقيب والنهب مقابل الشراكة في عائدات بيع الآثار المنهوبة.
وطبقًا للمصدر، فإن اختيار توقيت العملية قبيل حلول عيد الأضحى لم يكن عفوياً، بل كان ضمن خطة معدة مسبقًا؛ مؤكدًا صدور توجيهات أدت إلى انسحاب كامل ومفاجئ لعناصر الحراسة المكلفة بحماية المواقع الأثرية في ظفار. مؤكدًا إن هذا الانسحاب أتاح للعصابة إدخال معدات ثقيلة وتنفيذ أعمال الحفر والنهب والعبث على مدى ثلاثة أيام متواصلة دون اعتراض.
نهب علني
وحول ما جرى في ظفار خلال الأيام الماضية، قال الباحث والخبير اليمني المتخصص في تتبع الآثار "عبدالله محسن" إن ما حدث لم يكن حادثة فردية معزولة، بل جريمة في وضح النهار، وبالجرم المشهود، وبتغاضٍ كامل ممن يُفترض أنهم معنيون بحماية المواقع الأثرية وحراستها”.
وأضاف لـ“بران برس”: “لم يكن الأمر عبثاً فردياً أو بحثاً عشوائياً محدوداً، بل يبدو، عملاً منظماً امتد لثلاثة أيام متواصلة، وتوفرت له جرأة لافتة في الحفر والنقل العلني للقطع، مبعثها الاطمئنان إلى غياب الردع وتوفر غطاء يحمي المنفذين من المساءلة”.
من المسؤول؟
واعتبر الباحث محسن اختفاء الحراسة المكلفة بحماية الموقع، وتجاهل بلاغات الأهالي، واستمرار أعمال الحفر والنقل “مؤشرات تفرض أسئلة جدية حول مستوى التواطؤ أو التقصير داخل الجهات المسيطرة أمنياً وإدارياً على المنطقة”.
وقال: “لا يمكن الجزم بالأسماء أو المسؤوليات المباشرة دون تحقيق مستقل وشفاف، لكن من غير المقبول أن تتم عملية بهذا الحجم في موقع حساس مثل ظفار، دون أن تتحمل السلطات القائمة مسؤوليتها السياسية والأمنية والإدارية”.
وتوقع الباحث ثلاث احتمالات: “إما عجز كامل عن حماية الموقع، أو إهمال متعمد، أو تسهيل مباشر من أطراف نافذة، وفي الحالات الثلاث، تظل المسؤولية قائمة”.
وشدد على ضرورة “فتح تحقيق حقيقي، وكشف مصير القطع المنهوبة، ومحاسبة المتورطين، وإعادة حماية الموقع بإشراف مهني لا يخضع لحسابات النفوذ أو المصالح”.
خسائر تتجاوز المنهوبات
من جانبها، حذرت أستاذة الآثار والكتابات العربية القديمة والخبيرة في التراث الثقافي اليمني، عميدة شعلان، من مخاطر الحفر العشوائي في المواقع الأثرية.
وقالت شعلان لـ“بران برس” إن “الأمر لا يقتصر على فقدان القطع واللقى الأثرية والنقوش فحسب، بل يتجاوز ذلك إلى فقدان جزء مهم من الذاكرة التاريخية للموقع الأثري خصوصًا، وللتاريخ اليمني عمومًا”.
وأضافت “القيمة العلمية للقطعة الأثرية لا تكمن في ذاتها فقط، وإنما في سياق اكتشافها داخل الموقع الأثري والطبقة التي عُثر عليها فيها”.
وأوضحت أن “هذه المعطيات تساعد الباحثين على تحديد تاريخ القطعة ووظيفتها وعلاقتها بالمكتشفات الأخرى، وإعادة بناء التسلسل الزمني للموقع وتطوراته الحضارية، وعندما تتعرض هذه الطبقات للعبث أو التدمير، فإن هذا السياق العلمي يُفقد، وتتحول القطع المستخرجة إلى شواهد معزولة تفتقر إلى كثير من المعلومات الأساسية التي تمنحها قيمتها التاريخية والأثرية”.
واعتبرت أن “الحفر العشوائي من أخطر التهديدات التي تواجه التراث الأثري في اليمن، لما يسببه من إعاقة لجهود الباحثين في إعادة قراءة تاريخ اليمن القديم وفهم تطوراته السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية”.
اعتداء على الأمة وتاريخها
وبشأن تأثير تدمير الطبقات الأثرية في فهم التاريخ الحميري، قال محسن إن “كل قطعة أثرية هي صفحة في كتاب تاريخ هذا الوطن؛ تخبرنا عن زمنها، وموقعها، وعلاقتها بما حولها من صفحات، وعندما تُنتزع من الكتاب بالحفر العشوائي، تفقد سياقها الطبيعي”.
وأضاف أنه “في موقع مثل ظفار، المرتبط بمرحلة محورية من التاريخ الحميري واليمني القديم، فإن تدمير الطبقات الأثرية يعني ضياع معلومات لا يمكن تعويضها عن واحدة من أهم مراحل التاريخ اليمني القديم.
وخلص إلى أن ما حدث في ظفار يمثل “اعتداء على الأمة اليمنية وتاريخها في وضح النهار”.
تنويه: هذا الخبر تم نقله تلقائياً من مصدره (بران برس) ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع.