لأكثر من عقد، ظلت منطقة العبر غربي حضرموت، الحدودية مع محافظة مأرب، مسرحًا لسلسلة اغتيالات دموية، طالت قيادات عسكرية وأمنية ومدنية ومواطنين، بما فيهم أطفال.

وتعد العبر منطقة استراتيجية، إذ يمتد خلالها الشريان البري الرئيسي الذي يربط وادي حضرموت وهضبتها بمحافظتي مأرب والمهرة والمنافذ الحدودية مع السعودية.

ورغم توالي جرائم الاغتيالات وتعدد الضحايا وتنوعهم، إلا أنه لا يوجد أي تحقيقات رسمية تكشف عن الجناة وتقدمهم للعدالة، كما لا يوجد أي تحرك لتأمين المنطقة وحماية المارين عبرها.

حصاد عقد من الاغتيالات

خلال الفترة من أكتوبر 2015 حتى أغسطس 2026، رصد “برّان برس”، عبر المصادر المفتوحة، 26 حادثة اغتيال وكمين مسلح بمنطقة العبر، أسفرت عن سقوط أكثر من 60 قتيلاً بين عسكريين وقيادات قبلية ومدنيين وأطفال.

ويظهر تصاعد لافت في وتيرة الاغتيالات بالمنطقة خلال العامين الأخيرين، إذ سُجّلت 4 حوادث في عام 2025 وعدد مماثل في 2026 حتى بداية أغسطس.

وشهدت الفترة الممتدة من مطلع 2024 حتى اليوم، وحدها 11 حادثة، أي ما يقارب نصف إجمالي الحوادث المرصودة طوال عشر سنوات كاملة.

ولا تقدم هذه الإحصائية حصرًا شاملاً لكل حوادث الاغتيالات التي شهدتها العبر خلال الفترة المشمولة بالرصد، بل تقتصر فقط على ما استطاع معد التقرير رصده من الوقائع التي تداولتها وسائل الإعلام. كما أنها لا تشمل حوادث الطرق اليومية، والتي خلفت وحدها عشرات الضحايا.

أحدث الجرائم والضحايا

وكان أحدث هذه الوقائع اغتيال القائد العسكري في قوات "درع الوطن" العميد أسامة الردفاني، السبت الماضي (1 أغسطس 2026)، إثر كمين مسلح استهدف موكبه على خط العبر، أودى بحياته وحياة اثنين من مرافقيه.

وأدانت قيادة "درع الوطن" في بيان رسمي الحادثة، ووصفتها بأنها "جريمة إجرامية غادرة" تتعارض مع "تعاليم الدين الإسلامي الحنيف والقيم الإنسانية والأعراف القبلية الأصيلة"، مطالبة بملاحقة المتورطين فيها.

من جانبها، أعلنت قيادة الفرقة الأولى طوارئ مكافأة مالية قدرها 50 ألف ريال سعودي لمن يدلي بمعلومة موثقة تقود إلى ضبط المتهمين بالجريمة، وهم ثلاثة أشخاص نشرت صورهم. 

أساليب متكررة

من خلال تحليل الحوادث المرصودة، تظهر أربعة أساليب تتكرر في على امتداد العقد، أولها الكمائن المسلحة وإطلاق النار المباشر على المواكب والأطقم العسكرية، وهو الأسلوب الأكثر تكرارًا واستهدف الردفاني والشيخين حسين الصلاحي وأحمد شثان وقادة ألوية عسكرية عدة.

ويلي ذلك العبوات الناسفة والسيارات المفخخة التي استخدمت في ست حوادث على الأقل، وزُرعت غالبًا بانتظار مواعيد تحرك القيادات العسكرية والشخصيات المستهدفة.

ومن ثم تأتي الغارات الجوية بطائرات مسيّرة يُرجَّح أنها أمريكية، والتي استهدفت أشخاصًا يُشتبه بانتمائهم لتنظيم القاعدة، وسجّلت أعلى حصيلة قتلى في حادثة واحدة بمقتل 8 مسلحين قبليين في مارس 2018.

وأما الأكثر دموية ورعبًا، فكانت عمليات التقطع والنهب المسلح للمسافرين العاديين دون تمييز، ومنها الجريمة المروّعة التي وقعت في يونيو 2017 وتسببت بمقتل خمسة أطفال من عائلة واحدة على يد عصابة مجهولة حاولت نهب ممتلكاتهم.

ضحايا من شرائح مختلفة

ولا تقتصر دائرة الاستهداف على فئة بعينها، إذ يبيّن الرصد أربع فئات من الضحايا على رأسها القيادات العسكرية والأمنية الميدانية، وآخرهم العميد الردفاني، إلى جانب محاولات اغتيال فاشلة استهدفت قادة ألوية مثل عبدالله معزب وعبده المخلافي.

وكانت فئة الجنود الأكبر عددًا بين الضحايا، ومن بينهم الجندي هشام الزريقي الذي عُثر على جثته في ظروف غامضة داخل بركة مياه بمنطقة العبر في مارس 2026. 

وجاء ثالثًا الشخصيات السياسية والقبلية والاجتماعية البارزة، ومنهم الشيخين شثان والصلاحي والقيادي الإصلاحي خالد العرماني. 

وأخيرًا، يأتي المدنيون العاديون والمسافرون، وهم الفئة الأقل حضورًا في التغطية الإعلامية والتفاعل الرسمي رغم كونهم الأكثر عددًا في بعض الحوادث الفردية، كحادثة إطلاق النار على حافلة نقل جماعي في سبتمبر 2019 التي أودت بحياة أربعة مسافرين للعمل في السعودية.

تعدد الفاعلين

ومن واقع معلومات الجرائم، يتضح أن من قام بها عصابات مسلحة مجهولة، بعضها تمتهن النهب والتقطع للمسافرين، إضافة إلى خلايا يُشتبه بارتباطها بتنظيم القاعدة كانت هدفًا لضربات جوية أمريكية متكررة.

ويظهر أن الكمائن كانت تستهدف بدقة قيادات محددة، ما يؤكد تورط جهات منظمة تملك معلومات استخباراتية عن تحركات المستهدفين، كما يتبين من واقعة ترصد تحركات الردفاني قبل اغتياله. 

ويتزامن التصاعد الملحوظ في وتيرة الحوادث خلال 2024-2026 مع فترة الاضطراب السياسي والعسكري الذي شهدته محافظة حضرموت، عقب سيطرة قوات المجلس الانتقالي الجنوبي على وادي حضرموت وهضبتها أواخر 2025، ومن ثم بعد إخراجهم منها مطلع العام الجاري.

تهديد حركة السفر والتجارة

وإلى جانب الخسائر البشرية المباشرة، امتدت تداعيات هذه الجرائم إلى حركة السفر والتجارة على الطريق الدولي في منطقة العبر. ومن ذلك حادثة سبتمبر 2019، حينما أطلق مجهولون النار على حافلة نقل جماعي تابعة لشركة "البراق" السعودية كانت تقل مغتربين يمنيين متجهين للعمل.

وتكشف هذه الجريمة حجم المخاطر التي يتعرض لها المسافرون يوميًا بحثًا عن فرص عمل أو لأغراض تجارية، في ظل ضعف دور الأجهزة الأمنية في توفير الحماية للمسافرين عبر الطريق. 

وتكرر المشهد ذاته في يونيو 2017 حين قُتل خمسة أطفال من عائلة واحدة كانت في طريقها من حضرموت إلى عدن. وكذلك استهداف شاحنات نقل النفط، من بينها انفجار عبوة ناسفة استهدفت إحدى هذه الشاحنات على خط العبر- العقلة في أكتوبر 2022 وأودت بحياة أحد أفراد أطقم الحماية الأمنية المرافقة.

وتؤكد هذه الوقائع ونتائجها أن الاستهداف لا يقتصر على الأفراد بل يطال أيضًا حركة الإمدادات والبضائع التي تعتمد على هذا الطريق كممر رئيس بين شرق البلاد ومنافذها الحدودية.

غياب المعلومة والموقف

ورغم تكرار الحوادث طوال العقد الماضي، لا تتوفر حتى الآن أي إحصائية رسمية تكشف عدد ضحاياها، إلا ما تم نشره من خلال التغطية الإخبارية المتفرقة، وهو ما يعيق تحديد حجم الظاهرة وفهم سياقاتها وتطورها وأهدافها.

وبهذا، يظل العبر، الذي يُفترض أن يكون شريانًا لتنقل المواطنين وحركة التجارة، تحت هيمنة المسلحين المجهولين، في ظل غياب الحماية الأمنية الحكومية الحاسمة.

قائمة بأبرز الحوادث التي رصدها "برّان برس":

🔳

17 أكتوبر 2015:

قُتل 5 جنود ونجا سادس من الجيش الوطني المتمركزين في العبر على يد مجهولين، بعد 3 أشهر من إعلان تحرير العبر ومنفذ الوديعة من جماعة الحوثي.

🔳

21 يناير 2016:

قتل 3 جنود وأُصيب 4 آخرون بانفجار عبوة ناسفة زُرعت في المكان ذاته استهدفت رتلًا عسكريًا تابعًا لقوات الجيش أثناء تحركه باتجاه شبوة.

🔳

7 ديسمبر 2016:

اغتال مجهولون القيادي في إصلاح أبين، خالد العرماني، بين شبوة والعبر؛ ضمن سلسلة اغتيالات سابقة طالت سياسيين وعسكريين في المنطقة نفسها، أبرزها محافظ شبوة الأسبق أحمد باحاج والعميد الربيه.

🔳

17 مايو 2017:

تعرض مواطنين لإطلاق نار وسطو من قبل 6 مسلحين على طريق العبر- الوديعة؛ وانطلقت حينها حملة أمنية لملاحقتهم واستعادت مركبة مسروقة، في أول تحرك رسمي.

🔳

13 يونيو 2017:

قتل 5 أطفال من عائلة واحدة تقطعت لها عصابة مسلحة في العبر أثناء توجهها نحو عدن؛ وأصيب الأب والأم.

🔳

5 مارس 2018:

عُثر على جثتي شخصين مجهولين في العبر يُعتقد انتماؤهما لتنظيم القاعدة، بعدما قُتلا في غارتين منفصلتين نفذتهما طائرة أمريكية مسيّرة مساء اليوم السابق.

🔳

8 مارس 2018:

مقتل 8 مسلحين قبليين بغارة لطائرة أمريكية مسيّرة استهدفت مخيمًا قبليًا في العبر، ضمن غارات مكثفة استهدفت عناصر يُفترض انتماؤها للقاعدة بصحراء العبر.

🔳

1 يونيو 2019:

نفّذ مسلحون يُعتقد انتماؤهم للقاعدة هجومًا على نقطة عسكرية تابعة للواء 23 في العبر، أدى إلى استشهاد الجندي محسن السالمي وإصابة اثنين آخرين.

🔳

8 يوليو 2019:

هاجم مسلحون مجهولون طقمًا تابعًا للكتيبة الثانية باللواء 23 ميكا في العبر، ما أسفر عن مقتل الجندي المستهدف وإصابة ابنه وابنته اللذين كانا برفقته.

🔳

12 سبتمبر 2019:

قُتل جندي وأُصيب اثنين آخرين بانفجار عبوة ناسفة زرعها مجهولون في العبر استهدفت سيارة قائد اللواء 23 ميكا، لكنها انفجرت أثناء مرور عربة أخرى.

🔳

19 سبتمبر 2019:

قُتل أربعة مسافرين وأُصيب آخرون بنيران مجهولون استهدفوا حافلة نقل جماعي تابعة لشركة "البراق" السعودية كانت تقل مسافرين يمنيين للعمل في السعودية.

🔳

16 سبتمبر 2021:

نجا الشيخ القبلي والقيادي في المقاومة علي بن حسن بن غريب الشبواني من محاولة اغتيال بسيارة مفخخة أثناء عودته من منفذ الوديعة، وسبق أن استهدف الحوثيون منزله ثلاث مرات بصواريخ باليستية.

🔳

23 أكتوبر 2022:

قتل جندي من اللواء 101 شرطة جوية وأصيب آخر بانفجار عبوة ناسفة استهدفت شاحنة نفط على خط العبر-العقلة برفقة أطقم الحماية الأمنية.

🔳

16 أبريل 2023:

قُتل الجندي محمد الحارثي من قوات حماية الطرقات برصاص عصابة مسلحة خلال مواجهات اندلعت بين قوات حماية الطرق التي كانت تطارد العصابة.

🔳

10 مارس 2024:

نجا العميد الركن عبدالله معزب، قائد اللواء 23 ميكا، من محاولة اغتيال بأربع عبوات ناسفة على جانب الطريق أثناء عودته من سيئون إلى العبر.

🔳

26 مارس 2024:

أُصيب العميد أمجد خالد، القائد السابق للواء النقل- حماية رئاسية، بعبوة ناسفة في طريق العبر، وأُصيب عدد من مرافقيه؛ بعد شهر من إقالته من منصبه.

🔳

30 يوليو 2024:

قُتل العقيد حافظ الصيادي، أحد قادة وحدات أمن الطرق، إلى جانب نجله باسل ومرافقه الملازم يحيى النقيزي، في اشتباك مع عصابة اعترضته في العبر، وأُصيب اثنان آخران من مرافقيه.

🔳

21 فبراير 2025:

قُتل الجندي سالم باقديم وأُصيب آخر في كمين مسلح استهدف مركبة تابعة لقوات درع الوطن في صحراء العبر.

🔳

13 أبريل 2025:

نفذت طائرات مسيّرة يُرجَّح أنها أمريكية غارات متفرقة في العبر، استهدفت سيارتين مدنيتين، وقتلت سائق أحدها، ثم قتلت رجلاً آخر خلف سوق العبر.

🔳

18 مايو 2025:

اغتال مجهولون الشيخ السلفي والقائد العسكري البارز أحمد شثان، إلى جانب مرافقه محمد اليافعي، بهجوم استهدف سيارتهما في العبر أثناء توجههما إلى مأرب.

🔳

27 أكتوبر 2025:

نجا العميد الركن عبده المخلافي، قائد اللواء 22 مشاة، من كمين مسلح استهدف سيارته وقتل أحد أفراد حراسته والعميد نفسه أُصيب بإصابات متفاوتة.

🔳

10 مارس 2026:

عُثر على جثة الجندي هشام الزريقي، أحد منتسبي اللواء السابع "درع الوطن"، في بركة مياه خلف سوق العبر، بعد أن غادر معسكره لإرسال حوالة مالية لأسرته.

🔳

14 أبريل 2026:

قُتل المقدم فرج الأغبري، قائد في الشرطة العسكرية بقوات "درع الوطن"، وأُصيب 6 جنود من مرافقيه، إثر كمين مسلح استهدف طقمًا عسكريًا في العبر.

🔳

14 يوليو 2026:

نجا الشيخ السلفي البارز حسين الصلاحي من محاولة اغتيال استهدفته في منطقة الخشعة أثناء عودته من مطارح الريان بالجوف، وقُتل نجله ياسر (14 عامًا) ومرافقه.

🔳

1 أغسطس 2026:

قُتل القائد العسكري في قوات "درع الوطن" أسامة الردفاني واثنان من مرافقيه بكمين مسلح استهدفهم على خط العبر.

 

تنويه: هذا الخبر تم نقله تلقائياً من مصدره (بران برس) ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع.