لا يكتفي الدماغ البشري باستقبال المعلومات وتحليلها، بل يعمل باستمرار على توقع ما سيحدث لاحقاً، في محاولة لتقليل الفجوة بين ما ينتظره الإنسان وما يواجهه فعلياً، وفق ما يعرف في علم الأعصاب بـ"نموذج التنبؤ" (prediction paradigm).
وبحسب خبراء في جامعة أوسلو بالنرويج، يسعى الدماغ بشكل متواصل إلى بناء توقعات حول الأحداث المقبلة، ثم يقارنها بالانطباعات الحسية التي تصل إليه، في محاولة لتقليل الاختلاف بين الاثنين.
وترى الكاتبة ميندا زيتلين أن هذه الآلية تؤثر بشكل مباشر في طريقة تفكير الإنسان وتصرفاته ومشاعره، مشيرة إلى أن فهم كيفية عملها يمكن أن يساعد قادة الأعمال ورواد الأعمال على التعامل بصورة أفضل مع الآخرين، وكذلك فهم أنماط تفكيرهم وسلوكهم.
من نظرية فرويد إلى علم الأعصاب الحديث
رغم أن "نموذج التنبؤ" يعد من المفاهيم الحديثة في علم الأعصاب، فإن الفكرة الأساسية المرتبطة برغبة الإنسان في توقع الأحداث تعود إلى أكثر من قرن، وتحديداً إلى عالم النفس سيغموند فرويد.
وطرح فرويد مفهوم "الإسقاط" (projection)، الذي يشير إلى ميل الإنسان لتوقع أن تتوافق تصرفات الآخرين مع تجاربه السابقة. فعلى سبيل المثال، قد يتوقع شخص تعرض لانتقادات قاسية في الماضي أن يتعرض للانتقاد مجدداً، وقد يفسر تصرفات الآخرين على أنها انتقادية حتى عندما لا تكون كذلك، ما قد يؤثر سلباً في علاقاته.
ورغم أن هذا النوع من التوقعات قد يجعل الحياة أكثر تعقيداً، فإن تجنبه ليس سهلاً، لأن الدماغ البشري يعتمد بدرجة كبيرة على القدرة على التنبؤ من أجل التعامل مع العالم المحيط به.
ويشير ذلك إلى نقطة مشتركة بين أفكار فرويد وأبحاث علم الأعصاب الحديثة، وهي أن عدم تطابق الواقع مع توقعات الإنسان قد يؤدي إلى شعور بعدم الارتياح الذهني.
3 طرق تساعد القادة على الاستفادة من طريقة عمل الدماغ
1- كن قائداً يمكن توقع تصرفاته
ترى الكاتبة أن قدرة القائد على الحفاظ على الثبات والاتساق تمثل عاملاً مهماً في بناء الثقة داخل المؤسسات، خاصة خلال فترات الأزمات.
وتنقل عن مدير تنفيذي متخصص في إنقاذ الشركات المتعثرة قوله إن أفضل طريقة لقيادة شركة تمر بأزمة هي أن يعرف الموظفون مسبقاً ما الذي سيقوله القائد، وما الأولويات التي سيضعها في مختلف المواقف.
وبحسب هذا الرأي، فإن القائد الذي يمكن للموظفين توقع ردود أفعاله يساعدهم على الشعور بالاستقرار والقدرة على التعامل مع الظروف الصعبة.
وفي المقابل، قد يحظى القادة الذين يتخذون قرارات مفاجئة وغير متوقعة باهتمام إعلامي أكبر، لكن القادة الذين يتسمون بالثبات ويعالجون المشكلات بأساليب واضحة هم الأكثر قدرة على بناء مؤسسات ناجحة.
2- تحلَّ بالصبر تجاه توقعات الآخرين
عندما يكوّن الإنسان توقعاً معيناً، فإن تغييره لا يكون سهلاً، خصوصاً عندما يتعارض الواقع مع الصورة التي رسمها مسبقاً.
وفي محاولة لتجنب هذا الشعور، قد يسعى الإنسان أحياناً، من دون وعي، إلى جعل الواقع يتوافق مع توقعاته.
فعلى سبيل المثال، إذا توقع شخص أن زميله في العمل لا يحبه، فقد يبدأ بالتعامل معه بعدم ثقة أو تجاهل آرائه، وهو ما قد يدفع الطرف الآخر لاحقاً إلى تكوين انطباع سلبي عنه، فتتحقق التوقعات بسبب السلوك الناتج عنها.
ولهذا، عند التعامل مع شخص يحمل تصوراً خاطئاً، يُنصح بمحاولة تصحيح الفكرة بهدوء، مع إدراك أن تغيير القناعات الراسخة يحتاج إلى وقت وجهد.
3- راقب توقعاتك الخاصة
يشير التقرير إلى أن كل إنسان يمتلك هذا النوع من آليات التنبؤ، سواء كان واعياً بها أم لا، ولذلك فإن الخطوة الأولى للاستفادة منها هي إدراك التوقعات الشخصية ومراجعة الافتراضات التي يبني عليها الإنسان أحكامه.
وقد لا يكون تغيير هذه الأفكار سريعاً أو سهلاً، لكن الوعي بها يمنح الإنسان فرصة للتشكيك فيها وإعادة تقييمها قبل اتخاذ القرارات أو الحكم على الآخرين.
وفي بيئة العمل، يصبح فهم هذه الآلية أكثر أهمية، إذ لا تؤثر توقعات القادة والموظفين في طريقة تفسير الأحداث فقط، بل قد تسهم أيضاً في تشكيل السلوكيات والنتائج التي تحدث لاحقاً.
تنويه: هذا الخبر تم نقله تلقائياً من مصدره (المشهد اليمني) ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع.