فجر الاثنين العاشر من أغسطس الجاري، لم يكن يخطر ببال الطفل محمود ياسر، وهو تلميذ يتلمذ في الصف السادس الابتدائي، أن زيارته المعتادة لمسجد أبي ذر الغفاري بمديرية خورمكسر في العاصمة عدن، لأداء صلاة الفجر برفقة والده، ستتحول إلى كابوسٍ مؤلمٍ يهدد بصره ويصدم ضمير المجتمع بأسره.
وفي تفاصيل الواقعة المروعة التي أثارت موجةً واسعةً من الغضب والاستياء على مواقع التواصل الاجتماعي، دخل محمود إلى المسجد ليؤدي وضوءه استعداداً للصلاة، بينما كان والده قد سبقه بخطوات بعد أن أنهى وضوءه، إلا أن تأخر الولد قليلاً لإتمام طقوس الوضوء كان كفيلاً بتغيير مسار تلك الليلة إلى الأبد.
وفي لحظةٍ صمتها هيبة المكان، ظهر أمام محمود ثلاثة من الشبان، وبدأ أحدهم، ويُدعى محمد عواد (أنهى دراسته الثانوية)، بتوجيه كلمات جارحة تتخللها السخرية والتنمر تجاه الطفل الصغير، في خرقٍ صارخٍ لحرمة بيت من بيوت الله. غير أن محمود، رغم صغر سنه، التزم الصمت وامتنع عن الرد، مراعياً قدسية المكان وكرامة بيت العبادة.
لكن صمت الطفل لم يردع المعتدي، بل زاده تجبراً، إذ انقض عليه في لحظة غفلة، موجهاً إليه لكمةً قاسيةً استقرت في عينه اليمنى، أحدثت إصابةً بليغةً نزفت منها الدماء، قبل أن يتبعها بلكماتٍ وركلاتٍ متتاليةٍ كادت تودي بحياته.
وفي مشهدٍ يعكس حالة التبلد واللامبالاة التي استشرت بين بعض فئات الشباب، بقي الصديقان ينظران إلى زميلهما وهو يُحول جسد الطفل الرقيق إلى كتلةٍ من الألم، دون أن يحركا ساكناً في البداية. ثم تدخلا لاحقاً، لكن بدلاً من إنقاذ الضحية من قبضة المعتدي، اقتربا ليسحبا محمود من بين يديه، فيما تركا صديقهما يواصل فوران غضبه.
وكشفت التحقيقات الأولية، بحسب ما نقل خال الطفل الإعلامي رشيدي محمود، أن أحد الشابين اعترف لاحقاً بأن تدخلهما جاء فقط بعدما شاهدا صديقهما وكأنه "على وشك إنهاء حياة محمود"، من شدة الضرب المبرح والركل المتواصل الذي تعرض له الطفل.
ورغم الألم المبرح والدماء التي سالت من عينه، واصل محمود صموده النادر، فتوجه إلى مكان الصلاة وأتم ركعات الفجر وهو يكتم وجعه ويحبس دمعه، في مشهدٍ إنسانيٍّ يُجسد قوة الإيمان في نفس طفلٍ صغير. ولم يفصح لأبيه عما جرى إلا بعد انتهاء الصلاة، ليُبلغه بصوتٍ مرتعشٍ عن الجريمة التي ارتكبت بحقه داخل أسوار المسجد.
فيما فرَّ المعتدي هارباً من المسجد متجهاً إلى منزل أسرته الواقع في حي أبي ذر الغفاري، ذات الشارع الذي شهد الجريمة، دون أن يلوي على شيء.
وبعد الواقعة مباشرة، هرع الوالدان بمحمود إلى مستشفى الجمهورية العام في عدن، حيث أبلغا الطاقم الطبي بملابسات الحادثة. وبدورهم، طالب الأطباء ولي الأمر بالتوجه فوراً إلى قسم شرطة خورمكسر لتحرير بلاغ رسمي بالاعتداء والتهجم، مع الإشارة إلى وقائع التنمر والسخرية التي سبقت الاعتداء الجسدي.
وبفعل ذلك، تم تحرير بلاغٍ رسميٍّ في قسم شرطة خورمكسر، قبل أن يُنقل محمود إلى عيادة عيون متخصصة، حيث أجريت له فحوصاتٌ دقيقةٌ وأشعةٌ شاملة. وأسفرت النتائج عن كشف مروع: شرخٌ داخليٌّ في العين، وبقعة دمٍ متجلطة، فضلاً عن تورمٍ حادٍّ واحمرارٍ نتجا عن اللكمة الموجعة، في إصابةٍ تُنذر بعواقبَ وخيمةٍ قد تُهدد بصره مستقبلاً.
ولم تكن هذه المرة الأولى التي يتعرض فيها محمود لمضايقات هذه المجموعة، إذ أكدت الأسرة أن الاعتداءات السابقة كانت تتكرر كلما خرج الطفل إلى البقالة أو تجول في الشارع، حيث كان الشبان يحاولون انتزاع مصروفه بالقوة، في سلوكٍ يُنذر بتحولهم إلى عصابةٍ صغيرةٍ تستبيح الأعراض وتسلب الأمان.
وفي منشورٍ تحول إلى قضية رأي عامٍّ واسعة، حمل الإعلامي رشيدي محمود أولياء الأمور المسؤولية الكاملة عن سلوك أبنائهم، محذراً من تنامي ظاهرة البلطجة بين صفوف الشباب، وداعياً إلى ضرورة المراقبة الحثيثة لتصرفات الأبناء داخل المنزل وخارجه، قبل أن تتفاقم النتائج إلى كوارث لا يمكن تداركها.
وأعلنت الأسرة تحويل القضية إلى قضية رأي عامٍّ، بالتوازي مع المسار القانوني الذي انطلق بتحرير البلاغات واتخاذ الإجراءات اللازمة، مؤكدةً ثقتها الكاملة بقيادة وشرطة خورمكسر التي تعاملت مع الواقعة منذ اللحظة الأولى، وشددت على ضرورة استرداد حق محمود ومحاسبة كل المتورطين.
وأعرب رشيدي محمود عن شكره العميق لجهود قيادة شرطة خورمكسر ومتابعتها الحثيثة للقضية، مؤكداً ثقته بأن العدالة ستأخذ مجراها، وأن حق الطفل محمود لن يضيع بين أروقة القضاء.
تنويه: هذا الخبر تم نقله تلقائياً من مصدره (المشهد اليمني) ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع.