بثت مؤسسة “برّان” الإعلامية، اليوم الخميس 13 أغسطس/آب، حلقة جديدة من “بودكاست برّان” استضافت فيها أستاذ الاثار وإدارة التراث المشارك الدكتور علي مبارك طعيمان، نائب رئيس الهيئة العامة للمحافظة على المدن التاريخية والحاصل على جائزة الآثاريين العرب لعام 2024، للحديث عن تاريخ مملكة سبأ، ونشأتها وتطورها واتساع نفوذها، وأبرز منجزاتها الحضارية، إلى جانب واقع الآثار اليمنية وجهود حمايتها وتوثيقها.

وتناولت الحلقة، التي قدمها الإعلامي “محمد الصالحي”، رحلة تاريخية امتدت من المراحل الأولى لاستقرار الإنسان في بيئة الأودية ومصباتها، مرورًا بتشكل مملكة سبأ في مأرب، وتطور نظام الري والزراعة والتجارة، وصولًا إلى التوسع السياسي والعسكري للمملكة وعلاقاتها بالممالك العربية القديمة والحضارات المجاورة.

لمشاهدة الحلقة من قناتنا على اليوتيوب اضغط

هنــــــــــــــــــــــــــــــــــــــا

لاستماع الحلقة من منصات البودكاست اضغط

هنــــــــــــــــــــــــــــــــــــــا

كما ناقشت الحلقة عددًا من القضايا التي لا تزال حاضرة في الذاكرة الشعبية حول تاريخ سبأ، بينها سد مأرب، وسيل العرم، وملكة سبأ، والكتابة المسندية، والمعابد القديمة، إلى جانب حجم الآثار اليمنية الذي لا يزال مدفونًا، ومصير المواقع المسجلة على قائمة التراث العالمي.

نواة الحضارة السبئية

يقول "طعيمان" وهو نائب رئيس الهيئة العامة اليمنية للمحافظة على المدن التاريخية، إن الحضارات لا تظهر فجأة، وإن نشأة مملكة سبأ سبقتها مراحل طويلة من الاستقرار البشري والتكيف مع التحولات المناخية.

وأوضح أن الإنسان بدأ، مع تراجع المراحل الرطبة في الجزيرة العربية (بدأت من 28,000 سنة)، في البحث عن مصادر دائمة للمياه والاستقرار حول الأودية ومصباتها، ومنها وادي ذنة الذي كان من أبرز الأودية المرتبطة بمأرب ومناطق أخرى من اليمن القديم.

وأضاف أن الاستقرار حول مصادر المياه أدى إلى اكتشاف الزراعة وتملك الحقول وازدياد الإنتاج والسكان، ثم نشوء الحاجة إلى تنظيم الري وتوزيع المياه، وهي عوامل أسهمت تدريجيًا في تكوين التجمعات والمراكز الحضارية.

وأشار إلى أن الأدلة الأثرية الحديثة تحدد تاريخ وجود الإنسان في واحة مأرب إلى ما قبل ظهور الكتابة السبئية بقرون، مستشهدًا بأعمال المعهد الألماني للآثار وتحليل مواد عضوية عثر عليها في الواحة، تعود إلى نهاية الألف الثالث وبداية الألف الثاني قبل الميلاد.

وأكد أن ظهور الكتابة السبئية في القرن التاسع قبل الميلاد لا يعني أن مملكة سبأ لم تكن قائمة قبل ذلك، بل إن التوثيق الكتابي يمثل مرحلة من تاريخها يمكن الاستدلال عليها بالنقوش، فيما تكشف المواد الأثرية عن مراحل أقدم.

سد مأرب والازدهار الحضاري

ووصف طعيمان سد مأرب القديم بأنه “أعظم منشأة ري عرفتها البشرية”، مؤكدًا أنه كان العمود الاقتصادي للحضارة السبئية ومصدرًا رئيسيًا لحياة السكان واستقرارهم.

وأوضح أن السد لم يكن منشأة منفردة، بل جزءًا من منظومة هندسية متكاملة تضم قنوات رئيسية وفرعية وشبكات لتوزيع المياه على الأراضي الزراعية، مشيرًا إلى أن نظام الري كان مرتبطًا بتشريعات تنظم توزيع المياه بين الجماعات والقبائل.

وقال إن بحيرة السد كانت تحجز كميات هائلة من المياه، فيما امتدت حولها الواحة الزراعية التي تحدثت عنها النقوش بوصفها جنتين، عُرفت إحداهما باسم “يسران” والأخرى باسم “أبين”.

وأوضح أن “أبين” الواردة في النقوش لا تعني محافظة أبين الحالية، مبينًا أن الجنة اليمنى كانت تمتد في نطاق البلق الشرقي وتضم معبد أوام وأجزاء من مدينة مأرب القديمة، بينما كانت “يسران” تمثل الجنة الشمالية، وقدّر مساحة الأخيرة بنحو أربعة آلاف هكتار، فيما قدرت مساحة “أبين” بنحو ستة آلاف هكتار وفق الدراسات التي أشار إليها.

وفيما يتعلق برواية “الفأر” الذي تسبب في انهيار السد، قال طعيمان إنه لم يجد في المصادر الموثوقة أو النقوش ما يؤكد هذه الرواية، موضحًا أن انهيار السد مر بمراحل متعددة من التصدع، كان من أبرزها أعوام 357 و450 و542م، قبل آخر تصدع وانهيار عام 632م.

وبيّن أن انهيار السد الأخير لم يكن مجرد انهيار لمنشأة مائية، وإنما أصاب شبكة القنوات المرتبطة به، وأسهم في تراجع الزراعة وتصحر الواحة وهجرة السكان الذين كانوا يعتمدون عليها.

نفوذ ممتد

وفي حديثه عن المجال الجغرافي للمملكة، أوضح طعيمان أن سبأ مرت بمراحل من التوسع والانكماش بحسب قوتها الاقتصادية والسياسية والعسكرية، وكانت نواتها الأولى في مأرب والمناطق المحيطة بها، ومن بينها صرواح وخربة سعود وغيرها من المواقع والمعابد التي ما زالت معروفة حتى اليوم.

وقال إن المملكة اتسعت لاحقًا إلى نطاق واسع، ووصلت في إحدى مراحلها إلى اللقب الملكي الطويل “ملك سبأ وذو ريدان وحضرموت ويمنت وأعرابهم في الطود وتهامة”، وهو ما يعكس اتساع نفوذها على معظم الأراضي اليمنية في تلك المرحلة.

وأضاف أن النفوذ السبئي لم يكن مقتصرًا على السيطرة السياسية المباشرة، إذ دفعت حماية طرق التجارة الملوك السبئيين إلى إرسال حملات عسكرية إلى مناطق خارج اليمن الحالية، ومنها منطقة “ماسل الجمح” وسط الجزيرة العربية.

وأكد أن التجارة كانت عنصرًا أساسيًا في قوة الممالك القديمة، وأن اليمن امتلك موانئ لعبت دورًا في حركة البخور واللبان والمر والتوابل، بينها قنأ وظفار، فيما ارتبطت المراكز التجارية اليمنية بشبكات وصلت إلى شمال الجزيرة العربية ومصر وبلاد الرافدين.

وجهان للكتابة اليمنية القديمة

وعن الكتابة اليمنية القديمة، أوضح طعيمان أن المسند كان خطًا رسميًا استخدمته الممالك اليمنية القديمة، مع اختلافات محدودة في المفردات بين السبئية والمعينية والقتبانية والحضرمية.

وبيّن أن النقوش المبكرة تعود إلى القرنين العاشر والتاسع قبل الميلاد، وأن نمط “سير المحراث” يمثل مرحلة قديمة من الكتابة، قبل أن يستقر اتجاه الكتابة لاحقًا من اليمين إلى اليسار.

كما أوضح أن “الزبور” كان خط المراسلات اليومية، ويكتب على أعواد الخشب وعسيب النخل، بينما ارتبط المسند بالنقوش الرسمية وأعمال الدولة والمنشآت العامة.

وقال إن معبد “أوام” يمثل أكبر أرشيف للنقوش السبئية المكتشفة حتى الآن، ويضم أكثر من 650 نقشًا.

مدن ومعابد وأسرار

وفي حديثه عن أبرز المعابد السبئية، قال طعيمان إن معبد أوام هو الأكبر، فيما يعود معبد بران، المعروف شعبيًا باسم “عرش بلقيس”، إلى القرن العاشر قبل الميلاد، وهو من أشهر المعابد السبئية.

وأشار إلى وجود طريق مقدس كان يربط مدينة مأرب القديمة بمعبد أوام، ويمتد لنحو أربعة كيلومترات، وكان يستخدم للمواكب والحجيج وتنصيب الملوك.

أما بشأن الملكة بلقيس، فشدد على ضرورة التمييز بين الرواية المتداولة والدليل الأثري، موضحًا أن القرآن الكريم لم يذكر اسم “بلقيس”، بل تحدث عن “امرأة تملكهم”، كما أن النقوش المكتشفة حتى الآن لم تتضمن اسم ملكة بهذا الاسم.

وأضاف أن الحفريات لم تصل بعد إلى جميع الطبقات القديمة، ما يترك المجال مفتوحًا أمام اكتشافات مستقبلية قد تضيف معلومات جديدة إلى هذا الملف.

آثار اليمن تحت الأرض

وفي حديثه خلال الحلقة، قال طعيمان إن ما ظهر من آثار اليمن لا يتجاوز نحو 15%، بينما لا يزال نحو 85% من الإرث الأثري تحت الأرض، مؤكدًا أن قيمة الآثار لا تكمن في المواد المادية وحدها، وإنما في النقوش والأحجار والمنشآت التي تمثل وثائق أصلية لتاريخ اليمن وحضاراته.

وحذر من استمرار نهب المواقع الأثرية والعبث بها، داعيًا إلى تشديد الحماية القانونية وتعديل قانون الآثار بما يواكب حجم المخاطر التي تواجه هذا الإرث.

تاريخ اليمن وقائمة التراث العالمي

وتحدث طعيمان عن مشاركته في إعداد ملف “مدن ومعالم مملكة سبأ” الذي أُدرج على قائمة التراث العالمي في يناير/كانون الثاني 2023.

وأوضح أن الملف أُعد عبر فريق وطني وبمشاركة خبراء دوليين، وبلغ نحو 400 صفحة، وشمل مدينتي مأرب وصرواح، وأربعة معابد هي أوام وبران وحرونم وأوعال صرواح، إضافة إلى سدي مأرب القديم وجفينة.

وأشار إلى أن هذه المواقع وُضعت على قائمة التراث العالمي المعرض للخطر بسبب الأوضاع الراهنة، معربًا عن أمله في استقرار البلاد وعودتها إلى القائمة الرئيسية.

وأكد طعيمان في ختام الحلقة على أن تاريخ اليمن القديم لا يزال يحمل مساحات واسعة لم تكشفها التنقيبات، وأن مأرب، بما تختزنه من مدن ومعابد وسدود وشبكات ري ونقوش، تمثل أحد أهم مفاتيح قراءة تاريخ الحضارة اليمنية القديمة.

 

تنويه: هذا الخبر تم نقله تلقائياً من مصدره (بران برس) ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع.