قد يبدو النوم تحت البطانية في ليلة صيفية حارة سلوكًا متناقضًا؛ فكيف يمكن لشخص أن يشغّل مكيف الهواء على درجة منخفضة ثم يسحب الغطاء فوق جسده، رغم أنه لا يشعر بالبرد؟ لكن هذه العادة لا ترتبط بالضرورة بالحاجة إلى التدفئة، وإنما يمكن تفسيرها بتفاعل تنظيم حرارة الجسم مع العادات السلوكية والإحساس بالراحة والأمان.
ومع تكرار استخدام البطانية لسنوات، قد تتحول إلى جزء من طقوس النوم التي يتعرف الدماغ إليها باعتبارها إشارة على اقتراب موعد الاسترخاء والنوم.
كيف يستعد الجسم للنوم؟
لا يبدأ النوم بمجرد إغلاق العينين، بل تسبقه سلسلة من التغيرات الفسيولوجية التي تنظمها الساعة البيولوجية. وقبل موعد النوم بنحو ساعتين، تبدأ درجة حرارة الجسم الداخلية في الانخفاض تدريجيًا، بالتزامن مع زيادة تدفق الدم إلى الجلد والأطراف، بما يساعد الجسم على التخلص من حرارته الداخلية.
وتشير مراجعة علمية تناولت العلاقة بين النوم وتنظيم الحرارة إلى ارتباط تغير درجة حرارة الجلد والجسم ببدء النوم واستمراره، كما أن التعرض لبيئة شديدة الحرارة أو شديدة البرودة قد يؤدي إلى زيادة الاستيقاظ وتقليل بعض مراحل النوم العميق ومرحلة حركة العين السريعة.
وهنا تلعب البطانية دورًا يتجاوز مجرد تدفئة الجسم؛ فهي تُنشئ حول الجلد بيئة صغيرة أكثر استقرارًا، وتحد من تأثير تغيرات حرارة الغرفة وحركة الهواء.
وقد يساعد الحفاظ على دفء معتدل للجلد، خصوصًا في اليدين والقدمين، على انتقال الحرارة من مركز الجسم إلى الأطراف، بما يتوافق مع الانخفاض الطبيعي في درجة حرارة الجسم الداخلية استعدادًا للنوم.
وهذا يفسر المفارقة الظاهرية: قد يحتاج الجسم إلى بقاء الجلد دافئًا نسبيًا، في الوقت الذي تنخفض فيه حرارته الداخلية. لذلك قد يجد بعض الأشخاص أن غرفة باردة مع غطاء خفيف أكثر راحة للنوم من غرفة دافئة من دون بطانية.
البطانية تتحول إلى إشارة للنوم
لا يرتبط النوم بالعمليات البيولوجية وحدها، إذ تلعب العادات والإشارات البيئية دورًا في تهيئة الدماغ للنوم. فالسرير، وإطفاء الأنوار، والوسادة، ووضعية الجسم، وملمس الملاءة والبطانية، كلها عناصر يمكن أن تتكرر بالترتيب نفسه كل ليلة.
ومع مرور الوقت، يتعلم الدماغ الربط بين هذه الإشارات وبين الاسترخاء والاستعداد للنوم.
وتعتمد بعض الأساليب السلوكية المستخدمة في علاج الأرق على المبدأ نفسه، من خلال تقوية ارتباط السرير بالنوم بدلًا من اليقظة والقلق ومحاولات النوم غير الناجحة. وتشير مراجعات للتدخلات السلوكية الخاصة بالأرق إلى أهمية الإشارات البيئية والعادات المتكررة في تشكيل الاستجابة المرتبطة بالنوم.
وبذلك يمكن أن تصبح البطانية بمثابة إشارة شرطية للنوم. وعند غيابها، لا يفقد الجسم بالضرورة شيئًا ضروريًا من الناحية البيولوجية، لكن الدماغ يلاحظ اختلافًا عن الطقس المعتاد، ما قد يخلق شعورًا بأن ظروف النوم ليست مكتملة.
ولهذا قد يشعر بعض الأشخاص بأنهم لا يستطيعون النوم من دون غطاء، حتى في حال عدم شعورهم بالبرد.
هل تمنح البطانية شعورًا بالأمان؟
يمكن للبطانية أيضًا أن تمنح إحساسًا بالاحتواء، إذ تحدد مساحة الجسم وتوفر ملامسة وضغطًا خفيفًا ومستمرًا، وهو ما قد يساعد بعض الأشخاص على الاسترخاء ويقلل الشعور بالانكشاف.
لكن ذلك لا يعني بالضرورة وجود خوف دفين أو مشكلة نفسية، كما لا توجد أدلة كافية تسمح بتفسير هذه العادة لدى جميع الأشخاص على أنها مرتبطة بذكريات الطفولة أو بتجربة نفسية محددة.
وقد يكون تأثير الضغط والاحتواء أكثر وضوحًا لدى الأشخاص الذين يعانون القلق أو فرط الاستثارة أو بعض أشكال الحساسية الحسية، وهو ما ساهم في انتشار البطانيات الثقيلة التي توزع الضغط على الجسم بطريقة تشبه الإحساس بالعناق.
ومع ذلك، هناك فرق بين البطانية العادية والبطانية الثقيلة؛ فالشخص الذي يفضل تغطية جسده في الصيف لا يحتاج بالضرورة إلى وزن إضافي، وقد يكون مجرد وجود غطاء خفيف وملامسته للجسم كافيًا لتحقيق الشعور المطلوب.
وفي تجربة عشوائية أُجريت عام 2020 على 120 شخصًا يعانون الأرق إلى جانب اضطرابات نفسية مختلفة، سجل مستخدمو البطانيات الثقيلة تحسنًا في شدة الأرق وبعض أعراض التعب والقلق.
كما وجدت تجربة أولية أجريت عام 2024 تحسنًا في جودة النوم التي أبلغ عنها المشاركون بأنفسهم لدى بالغين يعانون الأرق، إلا أن بعض القياسات الموضوعية للنوم لم تُظهر فروقًا ذات دلالة.
لذلك، لا يمكن الجزم بأن الضغط الناتج عن البطانيات الثقيلة يؤدي لدى الجميع إلى تغيرات محددة في الهرمونات أو الجهاز العصبي. وخلصت مراجعة منهجية إلى أن البطانيات الثقيلة قد تساعد في تقليل القلق، لكنها أشارت في الوقت نفسه إلى محدودية الأدلة المتوفرة بشأن استخدامها لعلاج الأرق.
متى تكون البطانية في الصيف مشكلة؟
في معظم الحالات، يمثل النوم تحت بطانية خلال الصيف تفضيلًا حسيًا وعادة مكتسبة، وليس علامة على مرض أو اعتماد نفسي.
ويمكن الجمع بين الرغبة في التغطية والراحة الحرارية باستخدام ملاءة قطنية أو بطانية خفيفة تسمح بمرور الهواء، مع الحفاظ على درجة حرارة معتدلة داخل غرفة النوم.
في المقابل، قد يؤدي استخدام غطاء شديد السماكة في أجواء حارة إلى حبس الحرارة وزيادة التعرق والاستيقاظ، الأمر الذي قد يؤثر سلبًا في جودة النوم.
كما ينبغي الانتباه إذا ارتبطت الحاجة إلى البطانية بنوبات خوف شديدة أو هلع، أو إذا كان الشخص يستيقظ بصورة متكررة بملابس وفراش مبللين بالعرق رغم اعتدال حرارة الغرفة، إذ يمكن أن يرتبط التعرق الليلي المتكرر بأسباب طبية أو دوائية تستدعي التقييم.
وفي النهاية، لا تقتصر وظيفة البطانية بالنسبة إلى كثير من الأشخاص على توفير الدفء؛ فهي جزء من البيئة الحرارية المحيطة بالنوم، وإشارة مألوفة يتعرف إليها الدماغ، كما تمنح الجسم شعورًا بالحدود والاحتواء. ولهذا قد لا نحتاج في الصيف إلى ثقل البطانية، لكننا قد نظل نحتاج إلى مجرد وجودها وملامستها للجسم.
تنويه: هذا الخبر تم نقله تلقائياً من مصدره (المشهد اليمني) ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع.