قد يبدأ اليوم بتفقد مواقع التواصل الاجتماعي، ثم الانتقال إلى البريد الإلكتروني والرد على رسالة، قبل العودة إلى عشرات علامات التبويب المفتوحة لإنجاز العمل، لتأتي رسالة أو إشعار جديد يقطع سلسلة التركيز من جديد.

ومع تكرار هذا النمط يوميًا، قد يبدو الإنسان وكأنه أصبح أكثر قدرة على أداء مهام متعددة في الوقت نفسه، لكن الدماغ لا يعالج هذه المهام جميعًا بالتوازي كما قد نتصور، بل ينتقل بسرعة من مهمة إلى أخرى، وفي كل مرة يحتاج إلى إعادة توجيه انتباهه.

ومع الاعتياد على هذا التدفق المستمر من المحفزات، قد تصبح الأنشطة التي تحتاج إلى تركيز ممتد، مثل قراءة كتاب أو مشاهدة فيلم كامل دون تفقد الهاتف أو خوض محادثة عميقة، أقل جاذبية مقارنة بمحتوى يقدم معلومة أو صورة أو تنبيهًا جديدًا كل بضع ثوانٍ.

ويُطلق على هذه الظاهرة أحيانًا تعبيرا دماغ تيك توك و تعفن الدماغ ، لكنهما ليسا مصطلحين طبيين رسميين، وإنما تعبيرات شائعة تصف المخاوف المرتبطة بالإفراط في استهلاك المحتوى الرقمي والتنقل المتكرر بين التطبيقات وعلامات التبويب، وما قد يصاحبه من تشتت وصعوبة في الحفاظ على الانتباه.

لكن لماذا أصبح التركيز أكثر صعوبة في العصر الرقمي؟ وهل يمكن تدريب الدماغ على استعادة قدرته على التركيز؟

وفرة المعلومات.. ومحدودية الانتباه

قبل عقود من انتشار الهواتف الذكية، تنبه الخبير الاقتصادي وعالم النفس هربرت سيمون إلى مفارقة ما تزال حاضرة بقوة اليوم، وهي أن وفرة المعلومات يمكن أن تؤدي إلى ندرة الانتباه.

وتحولت هذه الفكرة مع مرور الوقت إلى أحد الأسس التي يقوم عليها مفهوم اقتصاد الانتباه ، حيث أصبح انتباه الإنسان موردًا تتنافس عليه المنصات والتطبيقات والخدمات الرقمية.

ومع انتشار الهواتف الذكية ووسائل التواصل الاجتماعي والمحتوى المتجدد باستمرار، أصبح الانتقال بين المحفزات جزءًا من الحياة اليومية.

وتشير أبحاث عالمة النفس غلوريا مارك، التي درست العلاقة بين الانتباه والتكنولوجيا لسنوات، إلى أن وتيرة الانتقال بين المهام في البيئات الرقمية ارتفعت بمرور الوقت. ففي عام 2004، كان متوسط الوقت الذي يقضيه الشخص في مهمة قبل الانتقال إلى أخرى نحو دقيقتين ونصف، وانخفض إلى نحو 75 ثانية عام 2012، بينما تشير بيانات أحدث إلى أن المدة أصبحت أقرب إلى 45 ثانية.

ولا يعني ذلك أن الإنسان فقد القدرة على التركيز بالكامل، لكنه يشير إلى تغير في نمط توزيع الانتباه داخل البيئات الرقمية كثيرة المحفزات.

وترى مارك أن الإرهاق الرقمي والإشعارات المتواصلة والمحتوى الذي توجهه الخوارزميات يمكن أن تسهم في زيادة التوتر وتشتت الانتباه وتعزيز بعض السلوكيات القهرية، وهي عوامل قد تؤثر في التركيز والرفاهية.

كل انتقال بين المهام له تكلفة

قد يبدو الانتقال من البريد الإلكتروني إلى الهاتف ثم إلى صفحة أخرى على الإنترنت والعودة إلى المهمة الأصلية طريقة لتوفير الوقت، لكن عملية التنقل المتكرر تفرض على الدماغ إعادة توجيه الانتباه في كل مرة.

ومع تكرار هذه العملية، قد يتباطأ إنجاز المهام وتزداد احتمالية الأخطاء، فضلًا عن استنزاف الموارد الذهنية، بدلًا من تحقيق الكفاءة التي قد يوحي بها أداء عدة أشياء خلال الفترة نفسها.

لهذا، فإن المشكلة ليست بالضرورة في استخدام التكنولوجيا ذاتها، وإنما في نمط الاستخدام المستمر الذي يبقي العقل في حالة استعداد دائم للمحفز التالي.

التكنولوجيا ليست المتهم الوحيد

لا يعني تراجع التركيز أن التكنولوجيا وحدها مسؤولة عن المشكلة. فخبراء الانتباه يشيرون إلى أن العادات والبيئة المحيطة يمكن أن تؤدي دورًا مهمًا في تشكيل طريقة استخدامنا للانتباه.

وتوضح الاختصاصية النفسية جو ستيوارت، لموقع هامبستيد لعلم النفس ، أن الانتباه يتأثر بدرجة كبيرة بالبيئة والعادات التي يعيش فيها الإنسان.

وبالتالي، فإن قضاء ساعات يوميًا في الانتقال بين رسائل البريد الإلكتروني وتطبيقات التواصل الاجتماعي ومنصات المحتوى قد يجعل الدماغ أكثر اعتيادًا على البحث المستمر عن كل ما هو جديد ومثير.

ومن هنا، فإن تغيير العادات والبيئة الرقمية يمكن أن يساعد على استعادة قدر أكبر من السيطرة على الانتباه، من خلال إبعاد المشتتات ومنح الدماغ فترات راحة حقيقية من التدفق المستمر للمعلومات.

كيف تستعيد قدرتك على التركيز؟

لا تحتاج استعادة التركيز بالضرورة إلى التخلي عن التكنولوجيا، وإنما يمكن البدء بمجموعة من التغييرات العملية في طريقة استخدامها.

1. أوقف الإشعارات غير الضرورية

يمكن تقليل مصادر المقاطعة بإيقاف الإشعارات التي لا تحتاج إليها، وتخصيص أوقات محددة لتفقد البريد الإلكتروني والرسائل بدلًا من متابعتها طوال اليوم.

كما يمكن استخدام وضع عدم الإزعاج خلال فترات العمل أو وضع الهاتف بعيدًا عن مكان العمل عندما تكون هناك حاجة إلى تركيز عميق.

2. راقب عاداتك الرقمية

قد يكون من المفيد مراقبة السلوك الرقمي لمدة أسبوع: متى تميل إلى تفقد هاتفك؟ وهل يحدث ذلك عندما تشعر بالملل أم التوتر أو ضغط العمل؟

ويمكن تسجيل ما تشعر به قبل استخدام تطبيق معين وبعده، الأمر الذي قد يساعد على اكتشاف الأنماط التي تقود إلى التمرير التلقائي والتنقل المتكرر بين التطبيقات.

3. اسمح لعقلك ببعض الملل

أصبح وقت الفراغ في كثير من الأحيان فرصة أخرى لاستخدام الهاتف. فعند الشعور بالملل، يبدأ التصفح، وقبل النوم قد ينتقل المستخدم من فيديو إلى آخر دون توقف.

لكن منح العقل فترات لا يتعرض خلالها لهاتف أو محتوى جديد قد يوفر فرصة للهدوء بعيدًا عن التدفق المستمر للمعلومات، بدل إبقائه في حالة استعداد دائم للمحفز التالي.

4. جرّب تقنية بومودورو

يمكن تقسيم العمل إلى فترات تركيز محددة، مثل 25 دقيقة من العمل تتبعها 5 دقائق من الراحة، ثم تكرار الدورة.

لكن هذه المدة ليست قاعدة إلزامية للجميع، إذ تختلف القدرة على التركيز من شخص إلى آخر.

والفكرة الأساسية هي تدريب العقل على البقاء مع مهمة واحدة لفترة محددة، ثم منحه فرصة للراحة. وخلال الاستراحة، قد يكون من الأفضل الابتعاد عن منصات المحتوى القصير مثل تيك توك ويوتيوب شورتس وإنستغرام ريلز، حتى لا تتحول فترة الراحة إلى جولة جديدة من المحفزات الرقمية.

الطبيعة قد تساعد الدماغ على استعادة انتباهه

قد لا يكون الحل دائمًا أمام الشاشة؛ إذ تشير تجارب بحثية إلى أن قضاء وقت في الطبيعة أو حتى النظر إلى صور لها قد يساعد في استعادة الانتباه.

وفي تجربتين أجراها علماء النفس مارك بيرمان وجون جونيدس وستيفن كابلان من جامعة ميشيغان، خضع المشاركون لاختبارات تتعلق بالانتباه والذاكرة قبل وبعد المشي في بيئة حضرية أو طبيعية.

وأظهرت النتائج أن المجموعة التي شاهدت صورًا للطبيعة حققت أداءً أفضل في إعادة الاختبار مقارنة بالمجموعة التي تجولت وسط المدينة.

ويربط الباحثون ذلك بطبيعة البيئات المختلفة؛ فالبيئة الحضرية تفرض عددًا كبيرًا من المحفزات التي تتطلب انتباهًا واعيًا، مثل حركة المرور وأصوات السيارات والإعلانات، بينما تسمح الطبيعة للانتباه بالعمل بصورة أقل إجهادًا.

وبذلك، قد يوفر الابتعاد عن التدفق الرقمي المستمر، إلى جانب تغيير البيئة والعادات اليومية، فرصة لاستعادة قدر من التركيز الذي أصبح يتعرض للاختبار باستمرار في العصر الرقمي.

وفي النهاية، لا يبدو أن المشكلة تكمن في وجود الهاتف أو وسائل التواصل الاجتماعي بحد ذاتها، بقدر ما ترتبط بالطريقة التي نسمح بها لهذه الأدوات بتقسيم انتباهنا طوال اليوم. فكلما أصبح الانتقال بين المحفزات عادة تلقائية، زادت الحاجة إلى تدريب أنفسنا على العودة إلى مهمة واحدة، وإعطاء الدماغ فرصة للهدوء بعيدًا عن سيل الإشعارات والمحتوى المتجدد.

تنويه: هذا الخبر تم نقله تلقائياً من مصدره (المشهد اليمني) ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع.