تقف اليمن أمام مرحلة مصيرية يتجاوز فيها التصعيد الراهن حدود جولة جديدة من الحرب أو محاولة لتغيير موازين القوى، ليصبح مستقبل الدولة وشكل المجتمع والجهة التي تملك حق تحديد هذا المستقبل على المحك.

وعلى مدى أكثر من عقد، حُرم اليمنيون من اختيار من يحكمهم. فلم يختاروا الحوثيين الذين سعوا إلى إعادة تشكيل المجتمع على أساس أن الحكم امتياز حصري لجماعة بعينها، وأن الانتماء السلالي أو العقائدي معيار للحقوق والمكانة. ورغم القمع ومحاولات فرض أيديولوجيا الجماعة على الأجيال الجديدة، لا يزال اليمنيون متمسكين بفكرة الجمهورية والمساواة أمام القانون، ويرفضون التحول إلى رعايا لجماعة مسلحة تفرض سيطرتها على تفاصيل حياتهم.

وتختبر المرحلة الحالية قدرة المشروع الحوثي الشمولي على الصمود أمام إرادة اليمنيين، بعدما أنفقت الجماعة موارد كبيرة على التعبئة الطائفية والفكرية التي باتت حاضرة في الشوارع والمدارس والجنائز والأعراس والمؤسسات العامة. غير أن سياسات فرض الامتثال وبث الخوف لم تنجح في كسب احترام الناس أو قلوبهم، فيما يظل السخط الداخلي أحد أكبر التهديدات المستدامة للحوثيين.

وأجبرت أسر على تسليم أبنائها لتلبية حاجة الجماعة المتواصلة إلى المقاتلين، إذ يُدفع كثيرون، وبينهم أطفال لم يتلقوا تدريبًا عسكريًا، إلى الجبهات في أنساق بشرية متتالية، حيث يواجهون موتًا شبه محتم ويمهّدون بأجسادهم الطريق أمام مقاتلي الحوثيين. وتستغل الجماعة الفقر المدقع، خصوصًا في القرى الريفية المحيطة بصنعاء وعمران وذمار وغيرها، لحشد مزيد من المقاتلين.

وفي المقابل، يواصل المدنيون دفع ثمن حرب لا يملكون التأثير في مسارها، بعدما تحولت البلاد إلى ساحة لصراعات تُدار قراراتها من عواصم أخرى، وتُستغل فيها الجغرافيا الاستراتيجية والديموغرافيا والمظالم المتراكمة بما يتعارض مع المصالح الوطنية اليمنية. وقد ارتكب الحوثيون انتهاكات جسيمة طوال سنوات الحرب، تصاعدت خلال الأسابيع الأخيرة في الحجرية بريف تعز وعلى الساحل الغربي، ما يستوجب إخضاع الجماعة للمساءلة عن هذه الانتهاكات وتبعات المشروع الذي فرضته على اليمن.

ولا يمكن تفسير استمرار قبضة الحوثيين على مناطق سيطرتهم بقوة الجماعة وحدها؛ فقد أسهم ضعف الحكومة، وانقسام القوى المناهضة للحوثيين، وإخفاق التحالف بقيادة السعودية في تحقيق أهدافه، وسوء إدارة الملف اليمني عمومًا، في تمكينهم من مواصلة مشروعهم.

ولم يعد بوسع الحكومة وحلفائها مواصلة إدارة الحرب بالنهج نفسه أو إهدار مزيد من الوقت في الخلافات الداخلية التي أضعفت سلطة الدولة. فالكثير من اليمنيين يقاتلون خارج التشكيلات العسكرية على خطوط المواجهة دفاعًا عن مدنهم وقراهم، وقد باع بعضهم ما يملك، رغم قلته، لشراء السلاح والالتحاق بالمقاومة الشعبية، لكن كثيرين تُركوا لمصيرهم بلا إسناد حكومي كافٍ أو جرى التضحية بهم في صراعات النفوذ وتصفية الحسابات بين القيادات العسكرية الموالية للحكومة.

وتتحمل الحكومة مسؤولية صون النظام الدستوري وحماية الحقوق المتساوية والحفاظ على وحدة الجمهورية، لا مجرد إدارة المؤسسات وتوزيع المناصب. ويستدعي ذلك استراتيجية مختلفة تضع مصلحة اليمنيين وأمنهم واستقرارهم في مقدمة الأولويات، وتحدد أهدافًا واضحة وقابلة للتحقيق تتناسب مع قدرات الحكومة والدور الواقعي لحلفائها. أما التصريحات والبيانات التي ترفع آمال الناس ثم تحبطها، فتقوض المعنويات ولا تخدم القضية التي يفترض بالحكومة الدفاع عنها.

كما تحتاج الحكومة إلى توحيد الجهود العسكرية والسياسية بين مكوناتها، لأن التنافس على النفوذ والموارد يعرقل أي جهد دفاعي منسق ويضاعف كلفة التضحيات على خطوط المواجهة. ويتعين عليها أيضًا حشد المجتمع الدولي لمواجهة الاحتياجات الإنسانية المتزايدة، ولا سيما بعد موجة النزوح الأخيرة التي طالت أكثر من 200 ألف شخص، واتخاذ خطوات عملية لدعم المجتمعات الواقعة في مناطق سيطرتها.

ولا ينسجم التعامل مع حرب وأزمة بهذا الحجم من خلال حكومة تضم 32 وزيرًا مع متطلبات المرحلة؛ فالظرف الراهن يحتاج إلى حكومة أصغر وأكثر انضباطًا وتقشفًا، تتناسب مع حالة الطوارئ، وتوجه مواردها إلى حماية المدنيين وتعزيز صمود المناطق الخارجة عن سيطرة الحوثيين.

ويجب أن يبقى قرار الحرب والسلام بيد اليمنيين، وأن تتعامل الحكومة مع حلفائها بوصفهم شركاء في دعم مسار تقوده الأطراف اليمنية، لا أوصياء يتخذون القرارات نيابة عنها. فالقوى الإقليمية والدولية التي تتأثر بتحركات الحوثيين تتحرك وفق مصالحها الوطنية، وليس من المفترض أن تتطابق تلك المصالح تلقائيًا مع مصالح اليمنيين، ما يضع على الحكومة مسؤولية جعل المصلحة الوطنية أساسًا لقراراتها وتحركاتها.

وعلى السعودية أن تدرك أن أمنها واستقرارها مرتبطان بأمن اليمن واستقراره، وأن تتجنب تكرار أخطاء الماضي، بما في ذلك الغارات الجوية التي طالت المدنيين وأججت استياء اليمنيين، فضلًا عن عدم منح الحوثيين شرعية أو اعترافًا ضمنيًا وهم يسعون إلى فرض حكمهم بالقمع والإكراه.

كذلك يجب على القوات الحكومية وحلفائها الالتزام بقوانين الحرب والقانون الدولي، لأن الانتهاكات لا تمثل إخفاقًا أخلاقيًا وقانونيًا فحسب، بل تقوض مشروعية الحكومة وتضعف موقفها السياسي والعسكري، وتوفر لخصومها مادة للدعاية والتجنيد. وقد أثبتت سنوات الحرب أن استهداف المدنيين والعقاب الجماعي يغذيان التجنيد ويعمقان الانقسامات ويمددان أمد الصراع.

وبدأت الحرب قبل أكثر من 12 عامًا صراعًا داخليًا ذي أبعاد إقليمية، قبل أن تتحول إلى حرب إقليمية شاملة تتغذى على الانقسامات والتصدعات الداخلية. ولا تقتصر كلفتها على أعداد القتلى والدمار والنازحين، بل امتدت إلى النسيج الاجتماعي، فعَمّقت الشروخ بين اليمنيين وأضعفت روابط التضامن ومقومات الصمود التي ساعدتهم طويلًا على تجاوز الأزمات والحفاظ على تماسكهم كشعب واحد. كما تراجع دور اليمنيين في اتخاذ القرارات التي تحدد مسار الحرب ومآلاتها، وأصبحوا أكثر عرضة لواقع تفرضه حسابات إقليمية ودولية تتجاوز إرادتهم.

وتتطلب استعادة اليمنيين زمام المبادرة في قرارات الحرب والسلام عملًا منسقًا بين الحكومة والقوى السياسية والمجتمع المدني، لحماية مصالح البلاد وضمان بقاء مستقبل الدولة قرارًا يمنيًا. فقد دفع اليمنيون ثمنًا باهظًا لهذه الحرب، وينبغي أن تعكس نتائجها تطلعاتهم إلى مستقبلهم ومستقبل أبنائهم، وشكل الدولة التي يريدونها، وطبيعة علاقتها بمحيطها الإقليمي.

تنويه: هذا الخبر تم نقله تلقائياً من مصدره (الرصيف برس) ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع.