تكثّف إيران تحركاتها الدبلوماسية واتصالاتها مع الأطراف الإقليمية الفاعلة، في مسعى لاحتواء تداعيات تصعيد جماعة الحوثي المصنفة في قوائم الإرهاب، ذراع طهران المسلح في اليمن، وتأمين مخرج سياسي للجماعة، في ظل الاتهامات لطهران بالوقوف وراء الهجمات التي تشنها الجماعة على السعودية.

وتكشف الاتصالات الإيرانية مع السعودية وسلطنة عُمان وباكستان، بالتزامن مع عرض الوساطة بين الرياض وجماعة الحوثي، عن تحرك إيراني حثيث لإعادة تعويم الجماعة سياسيًا، وتقديم طهران وسيطًا في أزمة هي أحد أطرافها وأبرز أسبابها، في مفارقة تثير تساؤلات حول حقيقة أهداف هذه التحركات وحدود الدور الإيراني في مستقبل الصراع اليمني.

خارطة التحركات

واليوم الأربعاء 14 أكتوبر/تشرين الأول، بحث وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي ونظيره العماني بدر بن حمد البوسعيدي، خلال اتصال هاتفي، التطورات في اليمن والقضايا الإقليمية.

وبحسب تدوينة نشرتها الحسابات الرسمية لوزير الخارجية الإيراني على مواقع التواصل الاجتماعي، رصده "برّان برس"، تناول الاتصال القضايا الإقليمية، وآخر التطورات في اليمن، والسبل اللازمة لتحقيق السلام والاستقرار في المنطقة.

في السياق، أكد وزيرا خارجية باكستان وسلطنة عُمان أهمية تكثيف الجهود الدبلوماسية لمواجهة التحديات الإقليمية وخفض التوترات، وذلك خلال اجتماع اللجنة الوزارية المشتركة بين البلدين في إسلام آباد، الأربعاء.

وقال نائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية الباكستاني، محمد إسحاق دار، إن الجانبين تبادلا وجهات النظر بشأن التطورات في مضيق باب المندب والأوضاع في غزة، إلى جانب قضايا إقليمية أخرى، مشيراً إلى تقارب مواقفهما وأهمية العمل على إعادة السلام والاستقرار إلى المنطقة.

من جانبه، شدد وزير الخارجية العُماني البوسعيدي على أهمية الحوار والانخراط البنّاء في معالجة التحديات وتسوية الخلافات بما يحول دون مزيد من التصعيد، مثمناً دور باكستان في دعم المساعي الدبلوماسية وبناء الثقة والدفع نحو حلول سلمية.

والاثنين الماضي، أجرى وزير الخارجية الإيران عباس عراقجي، اتصالًا هاتفيًا بنظيره السعودي الأمير فيصل بن فرحان آل سعود، بحثا خلاله التصعيد الأخير في المنطقة، والجهود المبذولة بشأنها، وفق وكالة الأنباء السعودية (واس).

وقال عراقجي، في تدوينة بحسابه على منصة إكس، إنه عرض الوساطة بين السعودية واليمن (جماعة الحوثي).

تذاكي سمج

وأثار هذا الموقف الإيراني انتقادات يمنية وعربية واسعة، حيث رأى فيه سياسيون وخبراء وكتاب محاولة إيرانية لتقديم نفسها وسيطًا في أزمة هي أسهمت في تأجيجها من خلال دعم جماعة الحوثي.

وقال سفير اليمن لدى المملكة المتحدة، ياسين سعيد نعمان، إن إيران تحاول التغطية على جرائم جماعة الحوثي عبر تقديم نفسها وسيطًا لحل الأزمة، في الوقت الذي تقتل فيه صواريخها المدنيين والمعتمرين في المطارات السعودية.

وانتقد "نعمان" مساعي وزير الخارجية الإيراني لتصوير الصراع باعتباره مشكلة بين الحوثيين والسعودية، وتجاهل جهود السلام السابقة، بما فيها الجهود السعودية.

من جانبه، قال سفير اليمن في منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) إن إيران ترسل صواريخها البالستية للحوثيين الذين يستخدمونها لاستهداف المنشآت المدنية السعودية، ثم تكون لدى وزير الخارجية الإيراني الوقاحة الكافية لعرض الوساطة على وزير الخارجية السعودي، واصفا هذا الموقف بأنه “تذاكي سمج”.

وفي السياق ذاته، قال الصحفي والخبير في الشأن اليمني، أنور العنسي، في برنامج حواري على التلفزيون العربي، إن “إيران تتذاكى على العرب وتعتقد أنهم بلا ذاكرة، وأنه يمكن استغباؤهم واللعب على أعصابهم. مضيفًا: أن طهران تعرض الوساطة في وقت يكثف وكلائها الحوثيين هجماتهم على السعودية.

وتساءل "العنسي "عن دوافع استمرار الهجمات، معتبرًا أن الحديث عن تسوية مع السعودية يتناقض مع التصعيد الميداني، وقال إنه من غير المنطقي أن يتفاوض الحوثيون مع دولة بحجم السعودية لأنهم ليسوا دولة أو حكومة أو جيشًا نظاميًا.

وأكد أن مشكلة الحوثيين ليست مع السعودية، وإنما مع الداخل اليمني الذي ذهبت لتجتاح باب المندب وتأخذه من سلطة الحكومة اليمنية، وذهبت إلى محافظة صعدة لشن حملة على سكانها الريفيين المزارعين البسطاء، وقصفهم بالمدفعية والدبابات والآر بي جي، وذهبت إلى مأرب التي كانت تقدم النقط والغاز والكهرباء بالمجان لعموم اليمن.

وانتقد "العنسي" تبرير الحوثيين تصعيدهم بأنه يهدف إلى رفع الحصار عن الشعب اليمني، معتبرًا أن الجماعة تتجاهل مسؤوليتها عن اندلاع الصراع وتداعياته، كما تتجاهل الأسباب التي دفعت السعودية إلى التدخل في اليمن، ومنها سيطرة الحوثيين على العاصمة صنعاء والانقلاب على السلطة المعترف بها دوليًا.

وخلص إلى أن عرض الوساطة الإيرانية يتناقض مع استمرار الهجمات الحوثية، مشددًا على أن جوهر الأزمة يتمثل في الصراع بين الجماعة والحكومة اليمنية، وليس في خلاف ثنائي بين الحوثيين والسعودية.

لعب مكشوف

بدوره، قال الكاتب والأديب اليمني علي المقري إن “إيران تستغبي اليمنيين وجيرانهم” حين تعلن استعدادها للمساعدة في بدء محادثات بين الحوثيين والسعودية، موضحًا أنها بهذا المسعى “تعمل على الاعتراف بالحوثيين كممثلين لليمن مقابل دولة هي السعودية، وهو هدف دأبت عليه إيران بدلًا من دعوتها إلى حوار الحوثيين مع اليمنيين”.

وأكد أن “إيران تهرب بهذه الدعوات من حقيقة مؤكدة كونها داعماً أساسياً لهذه الجماعة من خلال تسليحها وتجهيزها لتكون أداتها في الاعتداء على دول الخليج وفي مقدمتها السعودية كأسلوب ضغط يتوافق مع الاعتداءات الإيرانية على دول الخليج”.

وأضاف: “يعرف اليمنيون جميعاً أن هذه الجماعة لا شيء بدون إيران وأن سر قوتها هو هذا الدعم الهائل الذي تتلقاه من هذه الدولة، حيث صار اليمن يعيش بسبب هذا الدعم، منذ 12 سنة، في أحلك فتراته التاريخية المعاصرة”.

واختتم قائلًا: “هكذا تسعى إيران من أجل أن تحكم هذه الجماعة اليمن بالقوة ولكي تكون شوكة دائمة على حدود السعودية تخضع بها هذا البلد ودول الخليج لابتزازاتها وطموحاتها في التوسع والسيطرة. الأمر صار مكشوفاً فكل الدعوات الإيرانية لا تهدف في حقيقتها سوى مواصلة الدعم لهذه الجماعة عبر كل الطرق المباشرة وغير المباشرة”.

من جهته، قال الكاتب الصحافي ومقدم البرامج السعودي داوود الشريان، إن “إيران تطرح وساطة بين السعودية والحوثيين، ويسميها متحدث خارجيتها حوارًا بين اليمن والسعودية، متجاهلًا الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا. 

واعتبر "الشريان" أن هذا التوصيف "يوظف الوساطة سياسيًا لمنح الحوثيين صفة تمثيل اليمن، ويجعل من العمل الدبلوماسي وسيلة لتكريس مشروعهم على حساب شرعية الدولة اليمنية”.

دوافع متعددة

من جانبه، رأى الكاتب الصحفي والباحث السياسي ياسين التميمي أن عرض الوزير الإيراني يعكس اعتقاد طهران أن الهجمات الحوثية على المطارات السعودية كافية لتقديم التنازلات المنتظرة لذراعها في اليمن.

وقال "التميمي" إن إيران تريد أن “تضع بلدنا ضمن مجال نفوذها الحيوي، ليكون منصة لحرب لا نهاية لها بدوافع جيوسياسية وطائفية وأوهام تاريخية تراه بوابة للدخول إلى الحرمين وخوض معركة الانبعاث الشيعي.

وأضاف: “لطالما حذر العقلاء والحريصون والمخلصون من خطأ التنازلات التي فرضها المجتمع الدولي على الشرعية عبر الرياض”. 

وأكد "التميمي" أن “خيار الحرب لم يكن عبثاً بل ضرورة لاجتثاث الخطر الذي يفتك باليمن ويهدد مستقبل المنطقة الذي يمثله عدو لديه قابلية للتحالف مع الشيطان لتحقيق أهدافه العقائدية الباطلة”.

بين التهدئة والقبول بالمرجعية

وفي قراءة لموقف الرياض المحتمل، استبعد الخبير العراقي في سياسات الدفاع والشؤون الاستراتيجية والأمنية الدكتور فراس إلياس أن تتعامل السعودية مع عرض الوساطة الإيرانية للتهدئة مع الحوثيين من موقع الحاجة إلى طهران، بل من موقع دولة تدرك وزنها الاستراتيجي، وقال إن المملكة تمتلك القدرة على تحديد شروط أمنها القومي بعيداً عن محاولات فرض المعادلات الإقليمية عليها. 

وقال إلياس إن “الرياض قد تنفتح على أي جهد حقيقي لوقف التصعيد، لكنها تدرك أن هناك فارقاً كبيراً بين قبول التهدئة، والقبول بتحويل إيران إلى مرجعية أمنية تتحكم بمستقبل الاستقرار على حدود المملكة الجنوبية. 

وأوضح أن السعودية لا تبحث عن تهدئة مؤقتة تمنح الحوثيين فرصة لإعادة ترتيب صفوفهم، ولا عن تفاهمات تجعل أمنها رهينة للحسابات الإيرانية، وإنما عن استقرار مستدام ينهي التهديدات العابرة للحدود، ويحفظ سيادة اليمن، ويمنع توظيف أراضيه منصة للضغط على المملكة. 

وساطة أم حماية نفوذ

ووفق الخبير إلياس، فإن “أي وساطة إيرانية ينبغي أن تُقاس بما تقدمه من ضمانات فعلية، لا بما تمنحه لطهران من مكاسب سياسية. والأهم أن إيران، في ظل الضغوط الإقليمية وتطورات الميدان اليمني، قد تكون معنية بالوساطة لحماية ما تبقى من نفوذها، أكثر من رغبتها في معالجة جذور الأزمة. 

ولذلك، قال إن “الرياض تدرك أهمية عدم منح طهران مكافأة سياسية مقابل المساعدة في احتواء تهديد ساهمت علاقاتها العسكرية والسياسية بالحوثيين في تعقيده”.

وخلص إلى أن جدية الوساطة الإيرانية ينبغي أن تقاس بمدى استعداد طهران لوقف ما يسهم في تعقيد الوضع في اليمن، ومنع تحويله إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية، وليس من مطالبة الرياض بالاعتراف بدور إيراني دائم في اليمن. 

وأكد أن السعودية تعتبر أن أمنها لا يمكن أن يكون ورقة تفاوضية مع طهران، واستقرار اليمن لا ينبغي أن يتحول إلى امتياز سياسي لطهران خلال الفترة القادمة”.

سياق

ومنذ يوليو/ تموز الماضي، بدأت جماعة الحوثي المصنفة عالميًا بقوائم الإرهاب هجومًا بريًا واسعًا بمحافظتي الحديدة وتعز تمكنت خلاله من السيطرة على مناطق واسعة وصولًا إلى باب المندب، ثم اتجهت شرقًا لتشديد الحصار على مدينة تعز من كل الجهات.

وجاء التصعيد بعد سلسلة تصريحات لمسؤولين وقيادات عسكرية إيرانية منذ يونيو/حزيران الماضي، تهدد بإغلاق مضيق باب المندب في سياق صراعها مع الولايات المتحدة.

وفي 16 يوليو/تموز الجاري، قالت وكالة "رويترز" إن إيران طلبت من الحوثيين رفع مستوى الجاهزية لإغلاق مضيق باب المندب في حال تعرضت منشآتها النفطية لهجمات أمريكية، مشيرة إلى أن الرسالة نُقلت إلى قيادة الجماعة ضمن مشاورات داخلية في طهران. 

ورفعت الجماعة الحوثية مستوى التصعيد الميداني ضد السعودية والحكومة اليمنية عقب منع الأخيرة طائرة "ماهان" الإيرانية من دخول الأجواء والهبوط في مطار صنعاء لعدم حصولها على التصاريح الرسمية.

وفي سبتمبر الماضي، استكملت الجماعة سيطرتها على محافظة الحديدة الساحلية، وصولًا إلى السيطرة على مدينة المخاء وجزر تشرف على مضيق باب المندب، وتوغلت شرقًا باتجاه تعز ولحج.

وردًا على التصعيد الحوثي، أعلن رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي في 5 أكتوبر/ تشرين الأول، إطلاق عملية "فجر اليمن" لاستعادة مؤسسات الدولة وتحرير العاصمة صنعاء وكافة الأراضي اليمنية، وإنهاء انقلاب جماعة الحوثي المصنفة دولياً ضمن قوائم الإرهاب، بعد استنفاد فرص الحل السياسي.

 

تنويه: هذا الخبر تم نقله تلقائياً من مصدره (بران برس) ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع.