يضع صمود مدينة تعز المعركة اليمنية في إطار يتجاوز المواجهة العسكرية المحلية، إذ يحول دون تحويل مكاسب جماعة الحوثي، المصنفة على قوائم الإرهاب، إلى نفوذ سياسي مستقر، ويحافظ على حضور المشروع الوطني الجمهوري وفرص استعادة الدولة، وفق تحليل نشره مركز تعز للدراسات اليمنية الخليجية للكاتب وسام محمد.
وتعيش تعز حصارًا خانقًا منذ الرابع من أكتوبر/تشرين الأول، عقب سيطرة الحوثيين على الطريق الحيوي الذي يربطها بمحافظتي لحج وعدن، وهو المنفذ الذي اعتمدت عليه المدينة لتأمين احتياجاتها الأساسية طوال أحد عشر عامًا. ورغم الهجمات المتكررة، فشلت الجماعة في إخضاع مركز المحافظة المكتظ بالسكان، بينما تمكنت من التغلغل في بعض مناطق الريف الجنوبي.
ويربط التحليل بين نقل الحوثيين ثقل عملياتهم إلى مرتفعات تعز وسيطرتهم على مناطق في باب المندب، معتبرًا أن الجماعة تدرك صعوبة تأمين نفوذها في الممر المائي من دون السيطرة على المرتفعات الحاكمة. وشكل الهجوم على جبل هان، في الجبهة الغربية للمدينة، مثالًا على ذلك؛ إذ استمر أكثر من 12 ساعة من مساء 13 أكتوبر/تشرين الأول حتى صباح اليوم التالي، وانتهى دون تحقيق أهدافه.
وعقب فشل الهجوم، لجأت الجماعة إلى نشر الإشاعات وتنظيم حملات إعلامية توحي بأن سقوط تعز بات محسومًا، بالتزامن مع إطلاق صواريخ وطائرات مسيرة على قصر معاشيق في العاصمة المؤقتة عدن. ويرى الكاتب أن هذه التحركات تؤكد أهمية تعز في حسابات الحوثيين، باعتبار السيطرة عليها مدخلًا لفرض معادلة سياسية وعسكرية جديدة.
ويمنح استمرار مقاومة المدينة الشرعية قوة سياسية وشعبية، ويدعم فرص إعادة بناء مؤسسات الدولة وإجراء تغييرات في بنيتها السياسية. كما تتجاوز أهمية تعز بعدها العسكري، إذ تؤدي دورًا في حماية الهوية الوطنية والجمهورية وتعزيز التماسك اليمني في مواجهة المشروع الحوثي الطائفي السلالي.
وأشار التحليل إلى أن المعارك الأخيرة في ريف تعز أسهمت في تراجع الخطاب المناطقي والنبرة الانفصالية في الجنوب، مع إعلان قطاعات من الجنوبيين دعمهم للمقاومة في تعز، بعدما كانت موضع سخرية لدى بعضهم خلال السنوات الماضية. واعتبر الكاتب ذلك انعكاسًا لتنامي الإحساس بالتهديد المشترك، ولا سيما أن صمود تعز يمثل، وفق تقديره، حماية لعدن وإعادة ترتيب للأولويات على أساس مواجهة الأخطار التي تهدد اليمن.
كما يبقي بقاء مركز المحافظة خارج سيطرة الحوثيين الأمل قائمًا لدى المجتمعات الرافضة للمشروع الطائفي، بما فيها المناطق الخاضعة للجماعة منذ سنوات. واستدل الكاتب بمحدودية الاستجابة لدعوات التجنيد الحوثية في مناطق من الريف الجنوبي، ومديريات شرعب وماوية وخدير، معتبرًا أن استمرار صمود مركز المحافظة يعزز تمسك قطاعات اجتماعية برفض الجماعة. وبوصفها أكبر المحافظات اليمنية من حيث عدد السكان، تمثل تعز خزانًا بشريًا مهمًا لاستعادة الدولة، وقد يشكل تحريرها نقطة انطلاق نحو بقية البلاد.
وفي المقابل، شدد التحليل على أن الحراك السياسي والاجتماعي في تعز، رغم كونه مصدرًا لقوة المجتمع وقدرته على المواجهة خلال الحرب والحصار، لا يزال عفويًا، وأن الصراعات والتنافسات البينية استنزفت جزءًا من طاقته على حساب الاستعداد للمعركة الحاسمة. ودعا الكاتب إلى الانتقال نحو بناء مؤسسات قوية، وجيش وأجهزة أمن احترافية، وآليات تنظيم وبنية تقنية تواكب طبيعة التهديدات، بما يحول الحيوية الشعبية إلى قوة منظمة ومستدامة.
إقليميًا، يربط التحليل بين معركة تعز والصراع على باب المندب، معتبرًا أن سيطرة الحوثيين على الممر في 11 سبتمبر/أيلول الماضي مثلت تحولًا حادًا في مسار الصراع، خصوصًا مع التهديدات التي طالت السفن السعودية والمنشآت النفطية. ويرى الكاتب أن السيطرة على باب المندب تمنح إيران ورقة ضغط جيوسياسية في مواجهة دول المنطقة، على غرار التداعيات الاقتصادية والأمنية التي قد يسببها إغلاق مضيق هرمز أمام الملاحة الدولية.
ويأتي نقل المعارك إلى ريف تعز ومحيط المدينة، بحسب التحليل، ضمن مساعي الجماعة لتأمين مكاسبها عند مدخل البحر الأحمر ومنع تهديدها. لذلك فإن استمرار مقاومة تعز يبقي السيطرة الحوثية على الممر المائي هشة وقابلة للضغط، ويحد من قدرة الجماعة على تحويل توسعها العسكري إلى نفوذ مستقر. كما يتكامل ذلك مع رفض السعودية الاعتراف بالأمر الواقع الذي تحاول الجماعة فرضه، في ظل ترابط المسارين اليمني والإقليمي.
ويتناول التحليل كذلك التناقض بين خطاب الحوثيين بشأن نصرة غزة وممارساتهم تجاه سكان تعز، مشيرًا إلى أن الجماعة وظفت التعاطف العربي والإسلامي مع الفلسطينيين لتحقيق مكاسب سياسية وإعلامية وتقديم نفسها بوصفها تتحرك بدوافع إنسانية وعروبية وإسلامية. غير أن الحرب والحصار المفروضين على تعز يضعان هذا الخطاب أمام اختبار سياسي وأخلاقي، ويكشفان الفجوة بين الشعارات المعلنة والممارسات الفعلية.
ويرى الكاتب أن صمود المدينة يحولها إلى منصة لكشف حقيقة المشروع الحوثي أمام الرأي العام العربي والدولي، ويعزز حضور القضية في الإعلام الدولي، بما يحد من قدرة الجماعة على توظيف شعاراتها لتحقيق مكاسب سياسية.
ولتدعيم صمود تعز، يدعو التحليل إلى منع تطبيع الأوضاع في ريف المحافظة مع السيطرة الحوثية، والحفاظ على المقاومة المجتمعية والمدنية، ووضع استراتيجية متكاملة تشمل الجوانب العسكرية والسياسية والاجتماعية والإعلامية، بمشاركة السلطة المحلية والأحزاب والنخب الثقافية والاجتماعية ووسائل الإعلام.
كما يوصي بتفعيل الجبهات في صعدة وحجة والحديدة والبيضاء ومأرب والجوف، ومواصلة المعارك في الوازعية، وتعزيز التحرك من لحج والضالع باتجاه إب وخطوط الإمداد الحوثية في مناطق تعز، إلى جانب استمرار الدعم العسكري لتحالف دعم الشرعية، مع التركيز على الخطوط الخلفية للجبهات المحيطة بالمدينة ومراكز القيادة والسيطرة والتعزيزات العسكرية.
ويخلص التحليل إلى أن صمود تعز، الممتد منذ سنوات رغم حصارها من ثلاث جهات، لا يمثل مجرد بقاء جبهة عسكرية محاصرة، بل يشكل ركيزة للمشروع الوطني الجمهوري وعاملًا مؤثرًا في توازنات الصراع اليمني والإقليمي. فاستمرار المدينة في المقاومة يحافظ على الأمل لدى المناطق الخاضعة للحوثيين، ويصون فرص استعادة الدولة، بينما قد يؤدي انهيارها إلى تبديد مكاسب وطنية واسعة وفتح الطريق أمام تثبيت الهيمنة الحوثية على اليمن والممرات البحرية الحيوية.
تنويه: هذا الخبر تم نقله تلقائياً من مصدره (بران برس) ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع.