في الوقت الذي ما تزال فيه القبيلة تمثل أحد أهم مراكز التغيير في البلاد، يمكن فيه لخلافٍ فردي عابر أن يتحول سريعاً إلى أزمة سياسية وأمنية واسعة، بمجرد أن يكتسب بُعداً قبلياً، هذا تماماً ما تجسده أزمة "مطارح الكرامة" في منطقة الريان بمحافظة الجوف (شمالي شرق اليمن)، الأزمة التي انطلقت من مظلمة لامرأة تسعى لاستعادة منزلها في صنعاء، سرعان ما تدحرجت ككرة ثلج لتتحول إلى حشد قبلي واسع، ووساطات متلاحقة، ومواجهة مفتوحة بين أحد أبرز مشايخ الجوف والحوثيين.

وخلال أسابيع قليلة، انتقلت القضية من الفضاء الافتراضي ومنصات التواصل الاجتماعي إلى عمق الساحات القبلية، مستقرة في "المطارح"، وهي تجمعات قبلية مسلحة تُقام في حالات "النكف العام" للضغط من أجل انتزاع الحقوق أو إنصاف المستجيرين وفق الأعراف والأسلاف المتوارثة.

ومع اتساع رقعة المشاركة القبلية، تراجعت أهمية النقاش حول هوية المرأة أو مدى صحة ادعائها بأنها ابنة الرئيس العراقي الراحل صدام حسين، لتتحول القضية، بحسب تأكيدات الشيخ حمد بن راشد بن فدغم الحزمي، إلى قضية "ربيعة" (امرأة استجارت بقبيلته)، وهو ما يفرض وفق "العُرف القبلي" الصارم واجب النصرة والحماية حتى استعادة الحقوق المسلوبة.

وفي مقابل الرواية القبلية، تقف جماعة الحوثي المصنفة دولياً في قوائم الإرهاب، لتصف القضية بأنها مبنية على ادعاءات مضللة وغير صحيحة، بينما يرى مراقبون أن هذه الأزمة تجاوزت العقار المتنازع عليه، لتصبح اختباراً حقيقياً لمدى قدرة الجماعة على إدارة علاقتها المعقدة مع القبائل، والتي شكلت لعقود طويلة الارتكاز الأهم لخرائط النفوذ والسيطرة في شمال اليمن.

في هذا التقرير، يسرد "برّان برس" التسلسل الزمني للأحداث، كيف بدأت الأزمة؟ وكيف تطورت إلى "مطارح الكرامة" في صحراء الريان بمحافظة الجوف؟

كيف بدأت القصة؟

بدأت "القضية" عندما ظهرت امرأة عرّفت نفسها باسم "ميرا صدام حسين"، وقالت في تسجيلات مصورة إنها ابنة الرئيس العراقي الراحل صدام حسين، وإنها كانت تعيش في صنعاء باسم مستعار منذ سنوات، قبل أن تستولي شخصيات نافذة تابعة للحوثيين على منزلها وممتلكاتها.

وفي المقابل، سارعت وزارة الداخلية في حكومة الحوثيين (غير معترف بها) إلى نفي هذه الرواية، مؤكدة أن المرأة مواطنة يمنية تُدعى "سمية الزبيري" وتنحدر من مديرية أرحب، وأن ادعاءها النسب إلى صدام حسين لا أساس له.

لكن الشيخ "حمد بن فدغم"، وهو أحد مشائخ قبائل "دهم" العريقة أعلن أن الخلاف بالنسبة إليه لا يتعلق بإثبات نسب المرأة، وإنما بحقها في طلب الجوار والنصرة، مؤكدًا أن القضية أصبحت "قضية شرف قبلي" بعد أن استجارت به.

وفي بداية الأزمة، حاول "الشيخ بن فدغم" معالجة القضية عبر القنوات القبلية التقليدية، وأجرى اتصالات مع شخصيات قبلية ووسطاء لإعادة المنزل والممتلكات وإنهاء الخلاف بعيدًا عن التصعيد.

غير أن تلك الجهود لم تحقق نتائج، بحسب تصريحات الشيخ، لتبدأ الأزمة في الانتقال من إطار الوساطة إلى مرحلة "النكف القبلي"، حيث مثّل احتجاز المرأة والشيخ بن فدغم، وفق رواية الأخير، نقطة التحول الأبرز في القضية.

فبعد هذه التطورات، لم تعد المطالب مقتصرة على إعادة الممتلكات، بل شملت أيضًا الإفراج عن المرأة وتسليمها إلى قبيلتها، وهو ما دفع الشيخ إلى الدعوة إلى نكف قبلي عام.

تسلسل زمني للأحداث 

7 مايو 2026

بدأت القضية عندما لجأت "ميرا صدام حسين"، التي تقول إنها ابنة الرئيس العراقي الراحل صدام حسين، إلى الشيخ حمد بن فدغم الحزمي، متهمةً قيادات في جماعة الحوثي بالاستيلاء على منزلها في صنعاء ونهب ممتلكاتها، وطالبت بإنصافها وفق الأعراف القبلية.

مايو 2026

تبنى الشيخ حمد بن فدغم القضية، وقاد مساعي ووساطة قبلية للمطالبة بإعادة المنزل والممتلكات إلى "ميرا".

12مايو 2026

أقدمت جماعة الحوثي على اعتقال الشيخ حمد بن فدغم ومعه ميرا لمدة 50 يوماً.

19 يونيو 2026 

أفرجت الجماعة عن الشيخ حمد بن فدغم بعد قرابة خمسين يوماً من الاحتجاز، فيما بقيت ميرا رهن الاعتقال، بحسب مقربين من القضية وتقارير إعلامية.

24 يونيو 2026

أعلن الشيخ حمد بن فدغم من محافظة الجوف إطلاق “نكف الكرامة”، داعياً قبائل اليمن إلى النفير العام، ومعتبراً القضية قضية عرض وشرف قبلي حتى إطلاق سراح ميرا وإعادة حقوقها.

25 يونيو 2026

بدأت القبائل اليمنية بالتوافد إلى مطارح الريان شرق مدينة الجوف إيذاناً بانطلاق النكف القبلي، مع وصول أولى الوفود من قبائل الجوف ومأرب.

26–30 يونيو 2026

اتسعت دائرة المشاركة، ووصلت وفود قبلية من محافظات عدة، بينها صنعاء، وعمران، وذمار، والبيضاء، وشبوة، وحضرموت، وأبين، وتعز، وإب، والحديدة، والضالع، وغيرها، بالتزامن مع صدور بيانات تأييد من مشايخ ووجهاء وشخصيات اجتماعية.

1–5 يوليو 2026

تواصل توافد القبائل إلى مطارح الريان، وأُقيمت لقاءات وفعاليات قبلية وشعبية، مع إعلان عدد من القبائل انضمامها إلى النكف، واستمرار نصب المخيمات واستقبال الوفود.

6 يوليو 2026

أعلن الشيخ حمد بن فدغم انتهاء المهلة التي سبق منحها للوساطات، مؤكداً استمرار مطارح الكرامة والتصعيد القبلي حتى الإفراج عن ميرا واستعادة حقوقها، فيما لا تزال الوفود القبلية تتوافد إلى الريان.

لماذا تثير الأزمة قلق الحوثيين؟

لا تكمن حساسية القضية في شخص المرأة بقدر ما تكمن في طبيعة الحشد القبلي، فمنذ سيطرة الحوثيين على صنعاء عام 2014، عملت الجماعة على إعادة تشكيل العلاقة مع القبائل عبر بناء تحالفات جديدة وإضعاف مراكز النفوذ التقليدية.

لكن "مطارح الكرامة" أعادت إظهار قدرة القبائل على الحشد المستقل، خصوصًا مع مشاركة وفود من مناطق خاضعة لسيطرة الحوثيين وأخرى تقع ضمن نفوذ الحكومة المعترف بها دوليًا.

أين وصلت القضية؟

حتى اليوم 6 يوليو/ تموز ما تزال المطارح قائمة في منطقة الريان، مع استمرار وصول وفود قبلية جديدة، فيما يؤكد القائمون عليها أن أي تحرك لاحق سيُحدد بعد اكتمال وصول القبائل وفشل الوساطات، وفي المقابل، لم يعلن الحوثيون قبولهم بالمطالب المطروحة، كما لم يصدر عنهم موقف يشير إلى تسوية وشيكة.

أبعاد المواجهة

عن خطورة "مطارح الكرامة" في صحراء الريان، يرى مراقبون أنها تتجاوز بكثير سردية قضية "ابنة صدام"، وتكمن أهميتها في ثلاثة أبعاد رئيسية، أولها أن محافظة الجوف، تمثل الخاصرة الشمالية الشرقية لليمن، وتتصل بشريط حدودي بري طويل مع السعودية ومحاذية لمأرب، معقل الحكومة الشرعية، وأي اهتزاز أمني واسع فيها يهدد خطوط إمداد الحوثيين الخلفية.

كما أن القبائل تعيش حالة غليان منذ سنوات بسبب مساعي الحوثيين السطو على مساحات شاسعة من الأراضي والمزارع في الجوف تحت مسمى "أراضي الأوقاف"، وتعيين مشرفين سلاليين لإدارة المحافظة، مما جعل قضية السيدة بمثابة "القشة التي قصمت ظهر البعير".

وترى القبائل أن الحوثيين يتعمدون تفكيك "العرف القبلي" الذي يمنح الشيخ سلطة الحل والعقد، وبالتالي فإن الصمود في "المطارح" غدا معركة وجودية للحفاظ على استقلالية القبيلة أمام توحش "الدولة الأمنية الحوثية".

أكثر من قضية فردية

ورغم أن الشرارة الأولى للأزمة انطلقت من مطالبة امرأة باستعادة منزلها، فإن تطورات الأسابيع الماضية أظهرت أن "مطارح الكرامة" تجاوزت حدود القضية الشخصية، لتصبح اختبارًا للعلاقة بين سلطة الأمر الواقع في صنعاء والمنظومة القبلية، التي لا تزال تحتفظ بقدرتها على التعبئة وفرض نفسها لاعبًا رئيسيًا في المشهد اليمني.

ولهذا، فإن مآلات هذه القضية لن تتحدد فقط بملف "ميرا"، وإنما بقدرة الأطراف المختلفة على احتواء واحدة من أكثر الأزمات القبلية تعقيدًا منذ سنوات.

تنويه: هذا الخبر تم نقله تلقائياً من مصدره (بران برس) ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع.