أعلنت الولايات المتحدة للمرة الأولى امتلاكها قدرات عسكرية مدارية مخصصة للسيطرة على الفضاء والدفاع عن قواتها ضد التحركات المعادية، في خطوة تعكس انتقال التنافس العسكري بين القوى الكبرى إلى خارج الغلاف الجوي.
وأكد وزير القوات الجوية الأمريكي تروي مينك وجود هذه القدرات، مشيراً إلى أن صياغة التصريح اختيرت بعناية، من دون الكشف عن طبيعة الأسلحة أو أعدادها أو مواقع انتشارها، وما إذا كانت خضعت لاختبارات ميدانية. وبذلك حمل الإعلان رسالة ردع سياسية، مع استمرار التكتم على المواصفات الفنية والعملياتية للبرنامج.
وتتجاوز عقيدة «السيطرة على الفضاء» الأمريكية حماية الأقمار الاصطناعية، لتشمل تطوير وسائل تدميرية وغير تدميرية قادرة على تعطيل قدرات الخصوم الفضائية أو شلها ضمن عمليات هجومية ودفاعية متكاملة.
ويأتي الإعلان بعد سلسلة خطوات أمريكية متدرجة؛ ففي أبريل/نيسان 2023، ألمح قائد العمليات الفضائية الجنرال تشانس سالتزمان أمام الكونغرس إلى تطوير «قدرة مدارية كبيرة» بحلول عام 2026، بدعم من تمويلات سرية ضمن ميزانية القوة الفضائية. وفي أبريل/نيسان 2025، نشرت القوة الفضائية وثيقة عقائدية بعنوان «الحرب في الفضاء: إطار للمخططين»، تضمنت خيارات للضربة المدارية واعتراض الاتصالات الفضائية.
وفي ديسمبر/كانون الأول 2025، وقع الرئيس الأمريكي دونالد ترمب أمراً تنفيذياً لتعزيز «التفوق الأمريكي في الفضاء»، موجهاً بتطوير أدوات لرصد التهديدات ومواجهتها من المدارات المنخفضة حتى الفضاء المحيط بالقمر. كما أعلن قائد قيادة الفضاء الأمريكية الجنرال ستيفن وايتنغ، في أغسطس/آب 2026، أن الردع الفضائي يتطلب إعلاناً واضحاً عن وجود خيارات قتالية موثوقة، لأن السلاح المجهول لا يحقق الردع.
وتستهدف هذه التحركات، خصوصاً، شبكة الاستخبارات والمراقبة والاستطلاع الصينية. وتشير تقديرات استخبارات القوة الفضائية الأمريكية إلى امتلاك جيش التحرير الشعبي الصيني أكثر من 510 أقمار اصطناعية متخصصة في المراقبة ورصد الإشارات، بزيادة تتجاوز 660% في أصول بكين المدارية خلال العقد الماضي.
وتندمج هذه الأقمار ضمن «سلسلة القتل» الصينية، إذ توفر رصداً لحظياً لتحركات القوات وحاملات الطائرات الأمريكية، بما يساعد على توجيه الضربات الصاروخية إلى الأهداف البحرية والبرية. لكن خبراء عسكريين يشككون في قدرة السلاح المداري وحده على شل هذه المنظومة، نظراً إلى تكرار بنيتها وإمكان تعويض الأقمار المتضررة سريعاً، ما يجعل تدمير قمر أو اثنين غير كافٍ لإسقاط الشبكة بأكملها.
وتفرض القيود الفيزيائية للمدارات حدوداً على استخدام الأسلحة المباشرة؛ فرغم قدرتها على الوصول إلى نقاط بعيدة والاقتراب من الأهداف مع عنصر المباغتة، فإنها تستهلك كميات كبيرة من الوقود وتتحرك ببطء بين المدارات، ما يجعلها أقرب إلى «بندقية قنص» تستهدف هدفاً واحداً في كل مرة.
في المقابل، تعتمد واشنطن أيضاً على وسائل أرضية وسيبرانية. ويُعد التشويش الإلكتروني الأرضي خياراً أقل كلفة وغير تدميري، وأثبت فاعليته ميدانياً، لكنه يتطلب قرب الأجهزة من المحطات أو الأهداف وقد يؤثر في الملاحة التجارية المدنية. أما الهجمات السيبرانية، فتتيح تعطيل شبكات واسعة وأسراب كاملة عبر استغلال ثغرات المحطات الأرضية والمودمات، وبسرعة وكلفة أقل، مع صعوبة أكبر في إسنادها المباشر مقارنة بتحركات الأقمار المدارية.
وتفرض الأسراب الحديثة المؤلفة من مئات الأقمار تحولاً في مفهوم المواجهة الفضائية، من «قمر ضد قمر» إلى التعامل مع السرب باعتباره منظومة قتالية متكاملة. لذلك يتطلب تعطيل شبكة مدارية واسعة دمج النيران الفضائية والتشويش المداري والعمليات السيبرانية، بدلاً من الاعتماد على أسلحة حركية قد تنتج حطاماً فضائياً يهدد الأصول العسكرية لجميع الأطراف.
ويحمل الإعلان الأمريكي، في جوهره، رسالة ردع سياسية وعسكرية، إذ أصبح الاعتراف بوجود السلاح نفسه عاملاً مؤثراً في معادلة التوازن الدولي، حتى مع استمرار الغموض بشأن ما تخفيه الولايات المتحدة في المدارات.
تنويه: هذا الخبر تم نقله تلقائياً من مصدره (المشهد اليمني) ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع.