تهدر الشركات جزءاً كبيراً من وقت موظفيها في مهام متكررة، مثل نقل البيانات بين النماذج والملفات، وإرسال التذكيرات، ومتابعة الموافقات، وتحديث الطلبات، وإعداد التقارير من مصادر متعددة. ورغم أن كل مهمة قد تستغرق دقائق، فإن تأثيرها يتضاعف مع ارتفاع عدد الطلبات والموظفين والفروع.
تتيح أتمتة العمليات تحويل الخطوات المتكررة والقابلة للتعريف إلى مسارات تديرها الأنظمة تلقائياً، مع إبقاء التدخل البشري في القرارات والاستثناءات. ولا تستهدف الأتمتة استبدال الموظفين، بل تقليل أعمال النقل والمتابعة اليدوية، بما يتيح لهم التركيز على المهام التي تتطلب الخبرة والحكم البشري.
ويبدأ تطبيق الأتمتة بفهم العملية كاملة، من تقديم الطلب حتى إغلاقه، مع تسجيل خطوات التنفيذ وفترات الانتظار وإعادة العمل والأنظمة المستخدمة. فقد يستغرق تنفيذ المهمة عشر دقائق، بينما ينتظر الطلب يومين بسبب غموض الموافقة أو عدم وصول الرسالة إلى الشخص المناسب.
وتناسب الأتمتة في مراحلها الأولى العمليات ذات الحجم المرتفع والقواعد الواضحة والبيانات الرقمية، مثل معالجة طلبات الإجازات، وتسجيل العملاء المحتملين، وتوجيه تذاكر الدعم، والتنبيه إلى انخفاض المخزون، ومطابقة المستندات المتكررة. أما العمليات النادرة أو شديدة التغير فقد لا تكون أولوية مناسبة في البداية.
ومن الضروري تبسيط العملية قبل أتمتتها، لأن تحويل مسار معقد إلى نظام آلي يجعله أسرع من دون أن يحسنه. لذلك ينبغي مراجعة كل خطوة، وحذف ما لا يضيف رقابة أو معلومة، وتوحيد النماذج والتعريفات، إلى جانب توثيق قواعد القرار والاستثناءات. فإذا لم تكن حدود الخصم محددة مثلاً، فلن يستطيع النظام توجيه الطلبات بدقة.
ويقلل البدء بتجربة محدودة من المخاطر ويسهل قياس النتائج. ويمكن أن تشمل التجربة استقبال نموذج خدمة، والتحقق من بياناته، وإنشاء تذكرة، وإسنادها حسب النوع، ثم إرسال إشعار إلى العميل، مع بقاء الموظف مسؤولاً عن الحل. وقبل التشغيل، يجب تحديد خط أساس يتضمن متوسط زمن المعالجة، وعدد مرات إعادة إدخال البيانات، ونسبة الطلبات الناقصة، وعدد الاستفسارات عن حالة الطلب.
لا يكفي قياس عدد الرسائل التي يرسلها النظام لإثبات نجاح الأتمتة، بل ينبغي مقارنة النتائج بالمؤشرات الأساسية نفسها. وتشمل مؤشرات القيمة زمن الدورة من البداية إلى النهاية، ونسبة المعالجة دون تدخل، ومعدل الأخطاء، وعدد الطلبات المتأخرة، ووقت الموظفين المستعاد، ورضا المستخدمين أو العملاء. كما يساعد تحليل الاستثناءات في كشف أسباب تكرارها، مثل نقص البيانات أو حاجة فئة معينة من العملاء إلى مسار مختلف.
ويمنع ربط الأنظمة الأساسية إنشاء جزر جديدة للمعلومات. لذلك يجب تحديد المصدر المعتمد لكل بيان؛ فقد تأتي بيانات العميل من نظام إدارة علاقات العملاء، وحالة الفاتورة من النظام المالي، وصلاحية الموظف من نظام الموارد البشرية. كما ينبغي تحديد آلية التعامل مع فشل الاتصال وتكرار الطلبات، وتسجيل العمليات غير المكتملة، وتوفير لوحة متابعة أو تنبيهات للاستثناءات، لأن الخطأ الآلي قد يتكرر على عدد كبير من السجلات إذا لم يُكتشف مبكراً.
ويمكن للذكاء الاصطناعي توسيع نطاق الأتمتة في التعامل مع النصوص والمستندات غير المنظمة، مثل تصنيف رسائل العملاء، واستخراج البيانات من الوثائق، واقتراح الردود، وتلخيص الحالات. غير أن مخرجاته الاحتمالية تحتاج إلى ضوابط ومراجعة تختلف عن القواعد الثابتة. ويمكن اعتماد النتائج عالية الثقة في الحالات منخفضة المخاطر، وتحويل الحالات الأخرى إلى موظف، مع الاحتفاظ بسجل للمصدر والنتيجة والتعديل البشري.
وتتطلب الأتمتة حماية بيانات العملاء والموظفين والمعلومات المالية التي قد تمر عبر مساراتها. وينظم نظام حماية البيانات الشخصية معالجة بيانات الأفراد في المملكة، مؤكداً أهمية تحديد الغرض والشفافية والحفظ والحقوق. لذلك يجب تقليل البيانات المستخدمة إلى الحد الذي تحتاجه العملية، وتحديد صلاحيات الاطلاع وفترة الاحتفاظ.
كما تشير ضوابط الأمن السيبراني الصادرة عن الهيئة الوطنية للأمن السيبراني إلى أهمية الحوكمة وحماية الأصول وإدارة مخاطر الأطراف الخارجية. وعند استخدام منصة سحابية أو مزود لخدمات التكامل، ينبغي مراجعة موقع البيانات، والصلاحيات، والتشفير، والسجلات، والنسخ الاحتياطي، وخطة إنهاء الخدمة.
وتحتاج أتمتة عمليات الأعمال إلى توزيع واضح للمسؤوليات بين مالك للعملية يعرف أهدافها واستثناءاتها، وفريق تقني يتولى بناء التكامل ومراقبته، ومستخدمين يختبرون السيناريوهات الفعلية. كما يجب تحديد مسؤول عن متابعة المؤشرات والاستثناءات، ووضع مسار لتعديل القواعد، لأن أي تغيير في سياسات الخصم أو الموافقات أو حقول النماذج قد يتطلب تحديث التدفق واختباره قبل نشره.
ومن الأخطاء الشائعة أتمتة عملية غير مستقرة، أو توسيع التجربة قبل إثبات نجاحها، أو تجاهل تدريب المستخدمين، أو الاعتماد على حسابات مشتركة، أو عدم الاحتفاظ بسجل للتغييرات. وقد تختار الشركة عملية سهلة لا تحقق قيمة حقيقية، فتنجح التجربة من الناحية التقنية من دون أن يظهر أثرها على العمل. كما لا ينتهي المشروع عند الإطلاق، إذ تحتاج التدفقات إلى مراقبة وصيانة عند تحديث الأنظمة أو تغيير الحقول والصلاحيات، إلى جانب اختبار حالات مثل الطلب المكرر، والملف التالف، وغياب صاحب الموافقة.
ويجب تقييم الأتمتة من منظور الموظف والعميل أيضاً، لأنها قد توفر وقت الإدارة لكنها تزيد العبء على المستخدم إذا فرضت حقولاً كثيرة أو أخفت وسائل الوصول إلى الدعم. لذلك ينبغي قياس عدد الخطوات والوقت ونسبة الانسحاب، وتقديم رسائل واضحة عند الخطأ أو التأخير، مع إشراك مجموعة محدودة من المستخدمين في الاختبار قبل التعميم. وقد يكشف هؤلاء اختلاف المستندات بين الفروع أو الحاجة إلى تفويض مؤقت أثناء الإجازات.
وبعد نجاح التجربة الأولى، يمكن إعداد قائمة بالعمليات المرشحة وتقييم كل منها وفق القيمة والحجم والوضوح والتكامل والمخاطر. وعادةً ما تتقدم العمليات ذات الحجم المرتفع والقواعد المستقرة والقيمة الواضحة على العمليات النادرة أو شديدة الحساسية. ويساعد هذا الترتيب على تجنب اختيار المشاريع بناءً على نفوذ إداري أو جاذبية تقنية، كما يتيح توزيع قدرة الفريق ومنع إطلاق تدفقات كثيرة في وقت واحد على حساب الاختبار والدعم.
ويمكن تطبيق المشروع عبر خمس مراحل: اختيار العملية وقياس خط الأساس، تبسيط الخطوات وتوثيق القواعد، بناء تجربة محدودة، اختبار الأمن والاستثناءات، ثم التشغيل والمراقبة. وبعد استقرار التجربة، يمكن استخدام نموذج موحد لترتيب العمليات التالية وفق القيمة وسهولة التنفيذ والمخاطر، مع اعتماد أسلوب موحد للتوثيق والأمن والمراقبة وإعادة استخدامه.
وتوضح مبادرات وزارة الصناعة والثروة المعدنية في الرقمنة الأساسية أن رقمنة الإجراءات والتخطيط ونظم الاتصال والتحكم تمثل أساساً للحلول المتقدمة ورفع الكفاءة التشغيلية. وينطبق ذلك خارج المصانع أيضاً، إذ تمنح العمليات الرقمية المنظمة الأتمتة بيانات ومسارات واضحة يمكن الاعتماد عليها.
تنجح الأتمتة عندما تعالج سبباً محدداً داخل عملية قابلة للقياس، لا عندما تضيف منصة جديدة إلى بيئة مزدحمة. ويبدأ ذلك برسم سير العمل، وحذف الخطوات غير الضرورية، وربط الأنظمة، وضبط الصلاحيات، وإسناد القرارات والاستثناءات إلى الموظفين، مع قياس الوقت والجودة معاً قبل توسيع التطبيق إلى عمليات أخرى.
تنويه: هذا الخبر تم نقله تلقائياً من مصدره (عدن نيوز) ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع.