كشف تحقيق ميداني أجرته مؤسسة أبحاث تسليح النزاعات (CAR)، ومقرها لندن، عن مؤشرات على سعي مليشيات الحوثي التابعة لإيران إلى تطوير قدرات محلية لتصنيع وتجميع مكونات صواريخ باليستية متوسطة المدى، بدعم من شبكات توريد خارجية، بما قد يمثل تحولًا من استيراد المنظومات المكتملة إلى إنتاج بعض أجزائها داخل اليمن.
واستند التحقيق، الصادر في أكتوبر/تشرين الأول 2026، إلى فحص أربع حاويات شحن اعترضتها السلطات اليمنية أثناء توجهها إلى ميناء الحديدة الخاضع لسيطرة المليشيات. وكانت الحاويات قد وصلت إلى المنطقة الحرة في العاصمة المؤقتة عدن خلال يونيو/حزيران وأكتوبر/تشرين الأول 2025، على متن سفينتين قادمتين من الصين، قبل نقلها إلى وجهتها النهائية في الحديدة. ووثقت السلطات محتوياتها في يوليو/تموز 2026.
وعثرت السلطات داخل الحاويات على سبعة مكونات معدنية متخصصة يُرجح ارتباطها بعائلة الصواريخ الباليستية الإيرانية «خيبر شكن»، إضافة إلى مواد صناعية ومعدات قياس وفحص ومراقبة جودة. وشملت المضبوطات مواد يمكن استخدامها في تصنيع طبقات الحماية الحرارية، وهي تطبيقات تدخل في بعض الأنظمة الصاروخية، إلى جانب معدات قد تُستخدم مدنيًا، لكن وجودها مع المكونات ذات الخصائص الصاروخية عزز احتمال توظيفها في التصنيع والتجميع والاختبار.
وأشارت المؤسسة إلى أن أهمية المضبوطات لا تقتصر على طبيعتها المعدنية، بل تشمل تصميمها ودقة تصنيعها، إذ توحي بعض خصائصها بإنتاجها وفق مواصفات فنية محددة لاستخدامات متخصصة. غير أنها شددت على أن الأدلة لا تثبت امتلاك الحوثيين منشآت قادرة على تصنيع صواريخ «خيبر شكن» كاملة، ولا تؤكد قدرتهم على إنتاجها بكميات كبيرة أو بصورة مستقلة.
وتعمل صواريخ «خيبر شكن» الإيرانية بالوقود الصلب، ويبلغ المدى المعلن للنسخة الأولى منها نحو 1450 كيلومترًا، فيما يصل مدى النسخة الثانية إلى نحو 1800 كيلومتر. وسبق أن عرض الحوثيون طرازات مرتبطة بهذه المنظومات تحت تسميات محلية، بينها «حاتم» و«فلسطين» و«فلسطين-2».
ويرى الباحثون أن العثور على مكونات متوافقة مع هذه العائلة قد يشير إلى توجه يتجاوز إعادة تجميع صواريخ مستوردة، لأن تصنيع الصواريخ الباليستية متوسطة المدى يتطلب قدرات هندسية وصناعية أكثر تقدمًا من إنتاج الصواريخ والمدفعية الصاروخية الأبسط. ومع ذلك، لا يجزم التقرير بأن المكونات كانت مخصصة حتمًا لصناعة صواريخ مكتملة، ولا يقدم دليلًا على امتلاك المليشيات قدرة مستقلة على إنتاج هذه المنظومات.
وأثارت وثائق الشحن تساؤلات حول دور موردين صينيين، بعدما أشارت إلى شركة متخصصة في تصنيع الأجزاء المعدنية الدقيقة حسب الطلب، بما يشمل مكونات للصناعات المتقدمة. ووفق التقرير، قد تعكس خصائص بعض القطع تصنيعها وفق مواصفات محددة، ما يرجح احتمال اعتماد الجهة المستفيدة على موردين خارجيين لإنتاج أجزاء يصعب تصنيعها محليًا بالدقة المطلوبة.
لكن مؤسسة أبحاث تسليح النزاعات أكدت أنها لم تتمكن من ربط المكونات المضبوطة مباشرة بالشركة المصنعة، كما لم تتحقق بصورة مستقلة من جميع البيانات الواردة في وثائق الشحن. وأوضحت أن ذكر مورد صيني لا يثبت مسؤولية الحكومة الصينية عن تسليح الحوثيين، ولا يؤكد علم الشركة بالاستخدام العسكري النهائي للمكونات. وقد تعكس الشحنات توسع شبكة مشتريات المليشيات لتشمل موردين خارج الشبكات التقليدية المرتبطة بإيران، من دون أن يعني ذلك انتهاء اعتمادها على الدعم الإيراني.
وقارن التحقيق الشحنات الجديدة بنتائج فحص شحنة «الزهرة 1» عام 2024، التي احتوت على مكونات معدنية مرتبطة بصواريخ «بدر» الأقصر مدى والأقل تعقيدًا. وخلص الباحثون إلى أن المقارنة قد تشير إلى انتقال اهتمام الحوثيين من أجزاء مرتبطة بمنظومات أبسط إلى مكونات أكثر دقة يمكن استخدامها في صواريخ متطورة.
كما أشار التقرير إلى معلومات أمنية منفصلة بشأن محاولات استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي في مشاريع بحث وتطوير صاروخية انطلقت من شمال اليمن، بينها مشاريع مرتبطة بصواريخ بعيدة المدى. لكنه لم يقدم هذه المعلومات دليلًا على نجاح المليشيات في تطوير منظومة جديدة أو بدء إنتاجها، بل مؤشرًا إضافيًا على اتساع طموحاتها التقنية.
وبحسب تقييم المؤسسة، قد تسعى المليشيات إلى استيراد مكونات مصنعة وفق مواصفات محددة، ثم تنفيذ عمليات تجميع وتكامل وفحص داخل اليمن، بما في ذلك احتمال العمل على هياكل الصواريخ ومحركاتها ومواد الحماية الحرارية. وقد يتيح هذا النهج زيادة التصنيع المحلي وتقليل الاعتماد على تهريب الصواريخ المكتملة، لكنه لا يلغي الحاجة إلى التقنيات والمواد المتخصصة والخبرات الأجنبية، كما لا يثبت امتلاك قدرة مستقلة على تصنيع جميع أجزاء الصاروخ.
وتأتي هذه المؤشرات وسط مخاوف من تطوير الحوثيين قدراتهم الصاروخية والطائرات المسيّرة، في ظل هجماتهم على منشآت حيوية في السعودية وتهديداتهم للملاحة في البحر الأحمر وباب المندب. وقد يؤدي إنتاج مكونات أكثر تقدمًا داخل مناطق سيطرة المليشيات إلى تعزيز ترسانتها، وتعقيد جهود الحد من وصول الأسلحة والتكنولوجيا العسكرية إليها، خصوصًا إذا جرى استيراد الأجزاء بصورة متفرقة وتجميعها واختبارها محليًا.
وكانت تقارير سابقة قد تحدثت عن حصول الحوثيين على مكونات وتقنيات عسكرية عبر شبكات توريد خارجية، مع استمرار الحديث عن الدور الإيراني في نقل الخبرات والتكنولوجيا المتخصصة. وفي المقابل، نفت السفارة الصينية في الرياض اتهامات بتوريد أجزاء صينية تستخدمها المليشيات في تصنيع الصواريخ، ووصفتها بأنها ادعاءات لا أساس لها، مؤكدة أن بكين تنظم صادراتها العسكرية والسلع ذات الاستخدام المزدوج وتلتزم بقرارات مجلس الأمن ذات الصلة.
ولا يحدد التحقيق عدد الصواريخ التي يمكن للحوثيين تصنيعها محليًا، أو ما إذا كانوا يمتلكون خط إنتاج متكاملًا، كما لا يقدم تقديرًا لحجم الإنتاج الفعلي أو مدى استقلالهم عن المكونات والخبرات الأجنبية. وترى المؤسسة أن مواصلة فحص الشحنات المضبوطة وبقايا الأسلحة المستخدمة في الهجمات ستكون ضرورية لتحديد مستوى تقدم البرنامج الصاروخي، والتمييز بين امتلاك مكونات مخصصة للتصنيع والقدرة الفعلية على إنتاج صواريخ باليستية متوسطة المدى بصورة متكاملة.
تنويه: هذا الخبر تم نقله تلقائياً من مصدره (المشهد اليمني) ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع.