يقدم تاريخ الجنوب العربي، الممتد من عدن إلى حضرموت والمهرة وظفار، شواهد على قيام ممالك قوية لعبت أدوارًا سياسية واقتصادية وثقافية بارزة في شبه الجزيرة العربية قبل نحو 3 آلاف عام، ولم تكن مجرد قبائل متناثرة أو هامشًا في تاريخ اليمن.
كانت أوسان، وعاصمتها هجر يحر في وادي مرخة بشبوة، وتعرف اليوم بحجر أسفل، من أبرز ممالك الجنوب. امتد نفوذها من عدن وخليج عدن إلى لحج وأبين وشبوة، وجعلت ميناء عدن مركزًا دوليًا لفرض الضرائب على قوافل اللبان القادمة من حضرموت. وانتهت المملكة بعد أن هاجمها الملك السبئي كرب إل وتر عام 500 قبل الميلاد، وفق نقش النصر RES 3945، الذي يذكر إحراق مدنها وقتل 16 ألفًا من سكانها وهدم قصرها الملكي مسور.
أما قتبان، فكانت عاصمتها تمنع، المعروفة اليوم بحجر كحلان في بيحان، دولة للتجارة وتنظيم الأسواق. ويعد النقش RES 3858 من أبرز شواهدها، إذ يتضمن قواعد للبيع والشراء والضرائب، كما يصفها النص بأنها دولة اتحادية ضمت مشيخات وادي بيحان ومرخة، وعُرفت باسم اتحاد أبناء عم.
وفي حضرموت، نشأت مملكة امتد نفوذها من شبوة إلى المهرة وظفار، واستمرت، وفق الرواية الواردة، نحو ألف عام. كانت شبوة عاصمتها، فيما شكل ميناء قنا في بئر علي مركزًا رئيسيًا لتصدير اللبان. ووصف كتاب الطواف حول البحر الأريثري، الصادر نحو عام 60 ميلادية، الميناء بأنه من أعظم موانئ تصدير اللبان في العالم. كما تنسب إلى المملكة عملات ذهبية تحمل صورة قصرها الملكي شقر، وتوجد نماذج منها في المتحف البريطاني ومتحف أشمولين ومتحف عدن. ولم تسقط حضرموت إلا أمام حمير عام 300 ميلادية.
وترجع بدايات حمير، بحسب النص، إلى جبال يافع، قبل أن تتحول من كيان صغير إلى قوة وحدت الجنوب والشمال تحت لقب «ملك سبأ وذي ريدان وحضرموت ويمنت». وينسب إلى ملوكها بناء قصر غمدان، فيما يذكر أن أسعد الكامل الحميري كان أول من كسا الكعبة. وتضم مناطق يافع والضالع وردفان مهد صعود حمير، بينما ارتبطت عدن وأبين ولحج بمملكة أوسان، وشكلت شبوة مركزًا لقتبان وحضرموت.
سياسيًا، امتلكت هذه الممالك جيوشًا وعواصم وقصورًا وأنظمة حكم وراثية. اتسم نظام أوسان بالقوة العسكرية، وحمل حاكمها لقب مكرب ثم ملك، بينما اتخذت قتبان نظامًا اتحاديًا. وكانت حضرموت دولة مركزية قوية، في حين تحولت حمير من دولة قبلية صغيرة إلى إمبراطورية موحدة.
اقتصاديًا، اعتمدت ممالك الجنوب على اللبان والتجارة البحرية والزراعة. وسيطرت حضرموت وقتبان، وفق النص، على 90 بالمئة من إنتاج اللبان في العالم القديم، الذي كان يباع في روما بسعر الذهب، فيما عُدّ ميناء قنا في شبوة مركزًا رئيسيًا لتجارته. كما ارتبط ميناء عدن في عهد أوسان بحركة السفن القادمة من الهند وشرق أفريقيا، بينما وفرت أودية بيحان ومرخة وميفعة الغذاء عبر السدود والمدرجات وأنظمة الري.
وكان المجتمع منظمًا في طبقات شملت الملوك والأقيال، والكهنة ورجال المعابد، والتجار وأصحاب القوافل، ثم المزارعين والحرفيين. وتذكر النقوش وجود تاجرات يمتلكن قوافل للبان، كما كان النظام القبلي قائمًا تحت سلطة الدولة والقانون، بما في ذلك تنظيم الغرامات على الغش في الأسواق وفق قانون قتبان RES 3858.
ثقافيًا، استخدمت الممالك خط المسند، الذي ظهرت نقوشه في عدن وبيحان وشبوة وحضرموت قبل 3 آلاف عام. وارتبطت معتقداتها بعبادة الإله عم والقمر، والإله سين في حضرموت، والإله ود، قبل انتقال حمير إلى اليهودية ثم المسيحية. كما شيدت معابد وقصورًا، من بينها معابد تمنع وقصر شقر في شبوة وقصر مسور في مرخة وقصور ظفار في يافع، باستخدام الحجر الجيري الأبيض.
وتحدثت هذه الممالك العربية الجنوبية القديمة، التي لا تزال بعض مفرداتها حاضرة في لهجات أبين وحضرموت والمهرة، ومنها «شري» و«حيد» و«برح». ويخلص النص إلى أن ممالك الجنوب لم تكن مستعمرات لصنعاء أو مأرب، بل كيانات مستقلة أسهمت في تأسيس الدولة والتجارة البحرية والقانون في المنطقة.
تنويه: هذا الخبر تم نقله تلقائياً من مصدره (البعد الرابع) ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع.