في ظل التطورات المتسارعة في المنطقة، تستغل جماعة الحوثي عطلة الصيف لاستقطاب آلاف الأطفال في المناطق الخاضعة لسيطرتها، ضمن ما يُعرف بـ“المراكز الصيفية”.
وتتجاوز هذه المراكز دورها المعلن تحت غطاء الأنشطة التعليمية والثقافية، لتؤدي وظائف تعبئة فكرية وتدريب عسكري، حيث تُقدم مضامين أيدلوجية، وتعيد توظيف الخطاب الديني في سياق الصراعات القائمة، بما يعزز موقف الجماعة المنخرط في المحور الإيراني والمواجهة الإقليمية.
وخلال هذا العام، تشير التقارير إلى توسيع الجماعة دور هذه المراكز، مستغلةً التوترات بين إيران وأذرعها من جهة وأمريكا وإسرائيل من جهة أخرى، في التحشيد للقتال ضمن خطاب ديني وسياسي.
ووجدت الجماعة في شعارات “نصرة الأقصى” و“مواجهة الاستكبار” وسيلة لتبرير هذا النشاط، حيث تقوم باستقطاب الأطفال إلى برامج تدريبية ضمن خطاب تعبوي، متجاهلة التحذيرات من مخاطر ذلك على الأطفال ومستقبلهم.
في هذا التقرير، يستعرض “بران برس” طبيعة هذه الأنشطة، ويرصد آليات استقطاب الأطفال ومضامين المقدمة لهم، والمخاوف بشأن التداعيات على المجتمع والاستقرار المحلي والإقليمي.
ضغوط على أولياء الأمور
أكدت مصادر تربوية، أن جماعة الحوثي فرضت مطلع أبريل الجاري إجراءات جديدة على طلاب المدارس الحكومية في المناطق الخاضعة لسيطرتها، تربط فيها تسليم نتائج الامتحانات واستكمال إجراءات التسجيل للعام الدراسي المقبل بالمشاركة في “المراكز الصيفية” التابعة لها، وهو ما يعتبره تربويون وأولياء أمور ضغطاً مباشراً على الأسر والطلاب.
ووفقًا للمصادر، فإن إدارات المدارس تلقت تعليمات من الجماعة تقضي بعدم تسليم نتائج نهاية العام الماضي أو قبول تسجيل الطلاب للعام الجديد، إلا بعد تقديم ما يثبت مشاركة الطالب في تلك المراكز الصيفية.
كما أصدرت الجماعة تعميمًا لخطباء المساجد، تدعو فيه أولياء الأمور إلى إلحاق أبنائهم في المراكز الصيفية، وأبلغت عقال الحارات بالتوجيهات ذاتها.
قنابل بشرية
(س، ج)، 17 عاماً، أحد الأطفال الملتحقين بالمراكز الحوثية للسنة الثانية على التوالي في مدينة إب (وسط اليمن)، تحدث لـ"بران برس" عن طبيعة الأفكار التي يتلقونها في تلك المراكز.
وقال “يتم تعليمنا أن غالبية الأمة على ضلالة، وأن الجهاد هو السبيل لمواجهة الأعداء، وأن الشهادة طريق إلى الجنة والتحرر من الوصاية الأجنبية”.
وتابع: “يُقال لنا إننا مشاريع شهادة، وإن الهدف هو تطهير اليمن وبلدان عربية من الغزاة والمنافقين”، بحسب قوله.
إرهاب عابر للهوية
وحذّر مسؤول تربوي يعمل وكيلًا لأحد المدارس الحكومية بمدينة إب من الآثار الإنسانية والتربوية للمراكز الصيفية الحوثية، واصفًا إياها بأنها “معسكرات لتجنيد الأطفال وتفخيخ عقولهم بأفكار طائفية متطرفة”.
وأشار المسؤول التربوي، في حديثه لـ“بران برس”، مفضّلًا عدم كشف هويته لأسباب أمنية، إلى أن هذه الأفكار لا تقتصر على تهديد مستقبل اليمن، بل قد تمتد آثارها إلى الأمن الإقليمي والدولي.
وأكد أن ما يحدث في هذه المراكز يتجاوز النشاط التعليمي إلى إعادة تشكيل الهوية والتأثير على وعي جيل كامل، مضيفًا أن الجماعة تستغل براءة الأطفال وظروف أسرهم لدفعهم نحو تبني خطاب قائم على العنف، بما قد ينعكس على سلوكهم ومستقبلهم.
وذكر أن هؤلاء الصغار يتخرجون مشبعين بشعارات الموت والكراهية، ويدفع بالعديد منهم إلى معارك غير وطنية تخدم الأجندة الإيرانية، مشيرًا إلى أن تلقين الأطفال مفاهيم تمجد العنف جريمة تفصلهم عن احتياجات طفولتهم الطبيعية وتخلق فجوات عميقة بين الأجيال.
وأضاف أن الجماعة تستثمر التوترات الإقليمية لتقديم هذه المراكز كمسار للتعبئة وتصويرها كطريق وحيد لتحرير القدس، بما يعزز الارتباط بخطاب سياسي وعقائدي مرتبط بالمرشد الأعلى في طهران.
وختم المسؤول التربوي حديثه بالقول: “نحن أمام إرهاب عابر للهوية يرتكب جريمة جسيمة بحق الطفولة وتنتهك حقوق القصر بممارسات لا إنسانية تفوق الوصف لصناعة ألغام بشرية تهدد السلم الاجتماعي والأمن القومي العربي برمته”.
مخاطر نفسية واجتماعية
من جانبه، حذّر أستاذ علم النفس بجامعة تعز، الدكتور جمهور الحميدي، في حديثه لـ“بران برس” من المخاطر النفسية والاجتماعية الجسيمة التي يواجهها الأطفال الملتحقون بالمراكز الحوثية، مؤكدًا أن هذه المراكز تحولت إلى “فخاخ” تستهدف تدمير التوازن النفسي السليم للنشء.
وأوضح الحميدي أن أبرز المخاطر والآثار النفسية تتمثل في: تجريف الهوية الوطنية والوعي، وزرع ثقافة العنف والكراهية، وحدوث صدمات نفسية طويلة الأمد، واضطرابات في الشخصية والانفصال عن الواقع، إضافة إلى غسيل أدمغة الأطفال.
وأكد أن هذه المراكز تعمل كمعسكرات مغلقة تهدف إلى “إعادة تشكيل وعي” الأطفال واستبدال هويتهم الوطنية بأجندات أيديولوجية وطائفية ضيقة، وغرس أفكار عنصرية وقيم قائمة على "التمييز السلالي"، مما ينمّي لدى الطفل مشاعر العداء تجاه المجتمع ويحوله إلى أداة للهدم.
وأشار إلى أن هذا الأمر يمس المجتمع بشكل عام والفرد في كافة جوانب شخصيته، لافتاً إلى أن هذه الجماعة تحمل انحرافات فكرية وسلوكية وأخلاقية وسياسية، وينعكس ذلك على أفراد المجتمع بشكل واسع.
وقال إن ذلك ينعكس بشكل كبير على الأطفال سواء من الجانب النفسي أو الاجتماعي أو الصحي، مشيرًا إلى أن الأسر وصلت إلى مستويات مرتفعة من الفقر والعوز، مما يجعل الطفل محور هذه المعاناة؛ إذ يعاني في المنزل والشارع والمدرسة، كما أن المعلم، في ظل الضغوط الاقتصادية والاجتماعية، يواجه بدوره تحديات نفسية، وكل ذلك ينعكس أثره على الأطفال.
وأضاف: “الأب والأم أيضا يعانون من مشاكل نفسية ومشاكل اقتصادية ومشاكل اجتماعية، ينعكس أثرها على الأطفال، في ظل ترابط هذه العوامل، ما أدى إلى تدهور كبير في الوضعين النفسي والاجتماعي، وتراجع في القيم والعلاقات الاجتماعية، وظهرت أنماط سلوك وجرائم لم تكن مألوفة، وأشكال من السلوكيات والشائعات وأساليب التعامل غير المنطقية، وكل ذلك يؤثر بشكل كبير على الأطفال وتربيتهم”.
وتابع: “الفكر في مناطق سيطرة الحوثيين تضرر، والجانب النفسي تراجع، والمشكلات متعددة، ونحن أمام وضع يستدعي تدخل الجهات المعنية، ونحتاج إلى جهود كبيرة لإعادة بناء الوعي وترميم الآثار التي حلت بهذا الشعب بسبب وجود هذه الجماعة.
ودعا الحميدي إلى ضرورة إبقاء الأطفال بعيداً عن بيئات التعبئة الفكرية التي لا تناسب نضجهم العقلي والعاطفي، وتوفير بيئة آمنة تشجع على قيم التسامح والحوار بدلاً من التحريض، ورفع مستوى الوعي بمخاطر هذه المراكز التي تستغل العطلة الصيفية لزج الأطفال في مسارات مرتبطة بالصراع والقتال.
واجهة مضللة
في المقابل، تواصل الجماعة الترويج لهذه المراكز باعتبارها أنشطة تعليمية، غير أن تسجيلًا مصورًا بثته وسائل إعلام تابعة لها كشف جانباً من الأنشطة التي تنفذ في محافظتي ذمار وعمران تحت مسمّى “المراكز الصيفية”، حيث أظهر خضوع عشرات الأطفال لتدريبات عسكرية.
وتعليقًا على ذلك، قال وزير الإعلام اليمني، معمر الإرياني، في تدوينة بحسابه على منصة “إكس” إنها تؤكد مجدداً أن ما تروج له الجماعة الحوثية كأنشطة صيفية، ليس سوى واجهة مضللة لمشروع ممنهج يستهدف تجنيد الأطفال، وإعادة تشكيل وعيهم، وزرع مفاهيم العنف والتطرف في عقولهم منذ سن مبكرة.
وأضاف الارياني، أن إخضاع الأطفال لتدريبات قتالية داخل هذه المخيمات يكشف بوضوح حجم الاستغلال الذي تمارسه المليشيا بحق الطفولة، وتحويلهم إلى وقود لحروبها العبثية، دون أي اعتبار لمستقبلهم أو لحقوقهم الأساسية في التعليم والحياة الآمنة.
وحذر من استمرار هذه الممارسات التي تحول الأطفال إلى أدوات في مشروع عنف طويل الأمد، وتغذي بؤر التطرف وتفاقم عدم الاستقرار، بما يجعل هذه المراكز قنبلة موقوتة تهدد أمن واستقرار اليمن، وتمتد تداعياتها لتطال الأمن الإقليمي والدولي.
مخاطر جسيمة
وفي سياق المخاوف المتزايدة من تأثير هذه المراكز على العملية التعليمية، حذّرت نقابة المعلمين اليمنيين مما وصفته بـ"المخاطر الجسيمة" للمراكز الصيفية الحوثية، مؤكدة أنها تمثل تهديدًا مباشرًا لهوية النشء اليمني، بالتزامن مع استمرار انقطاع مرتبات المعلمين منذ سنوات، التي اعتبرتها "جريمة مركبة" تستهدف التعليم والمجتمع.
وأوضحت النقابة، في بيان لها، أن اليمن يواجه مسارين متوازيين من الاستهداف، يتمثل الأول في “تجريف الوعي والهوية الوطنية عبر أدوات فكرية وطائفية ممنهجة”، والثاني في “استهداف الكرامة المعيشية للمعلم من خلال قطع المرتبات”.
ودعت نقابة المعلمين اليمنيين المجتمع الدولي والأمم المتحدة والمنظمات المعنية إلى التدخل العاجل لوقف ما وصفته بـ“تسييس التعليم”، ومنع استغلال الأطفال، والضغط من أجل صرف المرتبات في مناطق سيطرة الحوثيين وفق القوانين والأعراف الدولية.
تنويه: هذا الخبر تم نقله تلقائياً من مصدره (بران برس) ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع.