يواجه عالم الأرصاد الجوية ونماذج الطقس العالمية، اليوم، أزمة بنيوية غير مسبوقة، تتمثل في الصدام العنيف بين ذكاء الآلة وبين غلاف جوي بات يتصرف بخروج تام عن المألوف الفيزيائي الذي عهدناه لعقود.
فقبل عام 2024، كانت نماذج الطقس والمناخ تعيش أزهى عصور الاستقرار؛ حيث كانت التوقعات قريبة جداً من الواقع ومبنية على معادلات فيزيائية رصينة نادراً ما تخطئ في رسم المسارات الكبرى للحالات الجوية.
إلا أن هذا المشهد تغير جذرياً منذ منتصف عام 2024 وطيلة عام 2025، مع تسارع وتيرة التغيرات المناخية ودخول كوكب الأرض في مرحلة التطرف الحراري، وهي مرحلة جعلت تلك المعادلات الرياضية التاريخية تبدو عاجزة عن مواكبة المتغيرات الجوية المتسارعة.
تخبط خرائط GFS
ومن خلال متابعة وتحليل "برّان برس" للخرائط المسجلة لنموذج GFS لتوقعاته لأواخر أبريل 2026 ومطلع مايو، يتجسد هذا الإخفاق بشكل جلي؛ حيث كانت التحديثات الأولية تبشر بحزام مطري تاريخي واسع النطاق يغطي عموم اليمن وعموم السعودية.
وفجأة، أظهرت تحديثات 21 و 22 أبريل/نيسان 2026 تراجعاً دراماتيكياً واختفاءً شبه كامل لتلك الإشارات فوق المناطق الشرقية والداخلية، مع انحسار الأمطار بشكل حاد نحو المرتفعات الجبلية الغربية فقط.
هذا التبدل السريع يعكس فشل الخوارزميات في تقدير قوة القباب الحرارية وكتل الضغط المرتفع التي أصبحت أكثر صلابة، مما يمنع المد الرطوبي من التوغل شرقاً ويحوله إلى سحب عالية جافة وغير ممطرة.
أدلة التحول المناخي
سجل عام 2024 أدلة دامغة على تحول المناخ إلى حالة من الغليان، حيث أكد مرصد كوبيرنيكوس الأوروبي أنه كان العام الأكثر سخونة في التاريخ المسجل، متجاوزاً عتبة 1.5 درجة مئوية لـ 12 شهراً متتالية، وهو الرقم الذي كانت تهدف "اتفاقية باريس" للمناخ، لتجنبه.
وشهدت المحيطات العالمية في 2024 احتراراً غير مسبوق؛ حيث سجلت درجات حرارة سطح البحر أرقاماً قياسية يومية لأكثر من 400 يوم متواصلة، مما أدى لظاهرة (ابيضاض المرجان العالمي) الأكثر شمولاً وتدميراً في التاريخ.
كما وصلت تركيزات ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي إلى مستويات قياسية بلغت 426 جزءاً في المليون، وهي أعلى مستويات يشهدها الكوكب منذ ملايين السنين، ما يفسر عنف الظواهر الجوية الناتجة عن التغيرات المناخية الحالية.
إخفاق الذكاء الاصطناعي
إن لجوء مراكز الأرصاد العالمية للذكاء الاصطناعي لم يكن ترفاً تقنياً، بل كان ضرورة ملحة لكسر جدار الزمن وحل معادلات بالغة التعقيد في دقيقة واحدة بدلاً من ساعات المعالجة الطويلة في الحواسيب الخارقة.
تهدف هذه التقنيات إلى معالجة البيانات العمياء في المناطق التي تفتقر لمحطات رصد أرضية، عبر التعلم العميق من الأنماط الجوية.
لكن هذا الاعتماد اصطدم بواقع الانفجارات المطرية؛ فالذكاء الاصطناعي يتعلم من الماضي، وبما أن التغيرات المناخية جعلت المناخ الحالي لا يشبه الماضي في شيء، فقد أصبحت التوقعات تخرج بنماذج متذبذبة تفتقر للدقة الميدانية.
لغز الانفجارات الجوية
سجلت الأعوام الأخيرة كوارث عالمية وضعت هيبة التكنولوجيا على المحك، ولم يكن الفشل فيها مجرد خطأ في التوقيت، بل كان عجزاً عن فهم ما يسمى فيزياء الانفجار الجوي المباغت.
في حالة إعصار أوتيس بالمكسيك في أكتوبر 2023، تحولت العاصفة إلى إعصار مدمر خلال أقل من 12 ساعة، لأن المحيط كان مخزناً بطاقة حرارية هائلة في أعماقه لم ترصدها النماذج.
هذا الفشل تكرر في فيضانات الخليج في أبريل 2024، التي اجتاحت دبي وسلطنة عمان، حيث نشأت سحب ركامية عملاقة استمدت قوتها من التقاء رطوبة استوائية نادرة مع رياح علوية باردة، مما أربك النماذج حتى لحظة وقوع الكارثة.
ظاهرة الجمود الجوي
في كارثة فالنسيا بإسبانيا في أكتوبر 2024، تسببت ظاهرة المنخفض المقطوع في بقاء كتلة باردة عالقة فوق بحر دافئ، مما أدى لنشوء مضخة مطرية استمرت لساعات طويلة دون توقف.
عجز الذكاء الاصطناعي عن توقع مدة بقاء هذه الكتلة، لأن برمجته كانت تتوقع تحركها كالمعتاد، لكنها تسمرت في مكانها فيما يعرف بظاهرة الجمود الجوي، مما حول الأمطار إلى طوفان غمر مدناً كاملة.
تفسر منظمة الأرصاد العالمية ذلك بأن الغلاف الجوي الأكثر دفئاً نتيجة التغيرات المناخية يحتفظ برطوبة أكثر بنسبة 7% لكل درجة احترار واحدة، مما يحول السحب العادية إلى قنابل مائية لا تستوعبها النماذج الحالية.
أزمة الثقة العالمية
في نقاشات تقنية موثقة بمجلة نيتشر عام 2025، صرح بيتر دوينيس من المركز الأوروبي للتنبؤات بأن النماذج باتت تعاني من الضجيج الرقمي الذي يلبسها حالة من العمى تجاه المتغيرات الصغيرة.
النماذج الحالية ترى الطاقة القادمة، لكنها تعجز عن رصد الرياح الهابطة الدقيقة التي قد تمنع نشوء سحابة ممطرة، أو تحولها لفيضان مدمر في منطقة مجاورة بمسافة كيلومترات بسيطة.
كما أكد خبراء في تقريرهم لعام 2025 أن الفجوة في البيانات الأرضية تحول التوقعات في كثير من المناطق إلى مجرد تخمين رقمي يفتقر تماماً للدقة الموضعية المرجوة أمام تقلبات المناخ.
العودة للخبرة الميدانية
إن التحول المناخي المتسارع الذي نعيشه في أبريل 2026 يفرض واقعاً جديداً يتطلب العودة إلى التحليل البشري الرصين، والاعتماد على الخبرة الميدانية بدلاً من التسليم المطلق لمخرجات الخوارزميات.
فالتخبط الذي يظهر في الخرائط اليوم ليس مجرد عارض تقني، بل هو نتاج صراع فيزيائي بين طاقة محيطات هائلة وبين نماذج برمجية لا تزال تحبو في فهم لغة المناخ الجديد بعد أن فقدت بوصلتها التاريخية.
ومع تكرار حالات الفشل منذ جفاف أبريل 2024 وحتى الآن، بات لزاماً على الراصدين اتباع سياسة الحذر الشديد في النشر، والتركيز على مراقبة صور الأقمار الصناعية اللحظية كأصدق مصدر لكشف زيف الخيال الرقمي في ظل التغيرات المناخية الجامحة.
تنويه: هذا الخبر تم نقله تلقائياً من مصدره (بران برس) ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع.