أثار اغتيال مراسل قناتي “العربية” و“الحدث” في محافظة حضرموت (شرقي اليمن)، محمد عيضة، الأربعاء 24 يونيو/حزيران 2026، إثر انفجار عبوة ناسفة استهدفت سيارته في مدينة المكلا، صدمة واسعة في الأوساط الصحفية والحقوقية.
وأعلنت الإدارة العامة لأمن وشرطة ساحل حضرموت، أن اغتيال عيضة نُفذ بعبوة ناسفة محلية الصنع زُرعت أسفل مقعد السائق، وفُجّرت عن بُعد أثناء وجوده داخل السيارة. وقالت، في بيان، إنها أحرزت تقدماً في تعقب منفذي الجريمة، مؤكدة أنها استمرار جهودها حتى ضبط جميع المتورطين وإحالتهم إلى القضاء.
ويُعد الصحفي "محمد عيضة" من أبرز المراسلين الميدانيين في شرقي اليمن، إذ عمل مصوراً ومراسلاً متعاوناً مع شبكة العربية منذ عام 2019، وغطى معظم الأحداث والتطورات السياسية والتنموية والأمنية في ساحل ووادي وصحراء حضرموت، إضافة إلى محافظة المهرة.
وربط حقوقيون ونشطاء الجريمة بموجة تحريض وتهديدات علنية تصاعدت منذ يناير/كانون الثاني الماضي، خصوصًا من جهات وشخصيات تابعة للمجلس الانتقالي الجنوبي (المنحل)، لافتين إلى أن عيضة كان قد تلقى عدّة تهديدات وتحذيرات، بينها تنبيه أمني، مطلع الشهر الجاري، يفيد باحتمال تعرضه للاستهداف.
وفيما تتواصل التحقيقات الرسمية في الجريمة، استطلع “برّان برس” آراء عدد من الصحفيين والباحثين والحقوقيين حول دلالات الجريمة وتوقيتها ومكانها والجهات المستفيدة منها.
من الجهة المستفيدة؟
يرى الكاتب والباحث في الفكر السياسي، نبيل البكاري، أن الجهة المستفيدة هي التي تبنّت خطابًا تحريضيًا واضحًا ضد الصحفيين وضد القناة التي يعمل فيها الزميل عيضة.
وقال البكاري لـ“برّان برس”: “هناك عدّة مؤشرات وتغريدات على منصة إكس وغيرها لقيادات الانتقالي، كهاني بن بريك، الذي حرض فيها على قناة العربية بالاسم، وعلى العاملين فيها”.
وأضاف أن “هناك أيضاً خطابًا معلنًا لبعض عناصر الانتقالي المنحل يتعلق بخطاب الكراهية الذي يمارس ضد الصحفيين وضد آخرين يرونهم خصومًا لهم”.
دلالات التوقيت والسياق
من جانبه، اعتبر عضو الهيئة الادارية لدى نقابة الصحفيين اليمنيين، نبيل الأسيدي، اغتيال الزميل عيضة “محاولة دموية لخلط الأوراق وإرباك المشهد في حضرموت”.
وأوضح، في حديثه لـ“برّان برس”، أن الجهات والأطراف المستفيدة من الجريمة هي “التي يزعجها نقل الحقيقة، وتسعى جاهدة لإبقاء اليمن ساحة مفتوحة للفوضى والانتهاكات، والتي ترى في وجود إعلام مهني ومحايد يكشف الحقائق عائقاً أمام طموحاتها التدميرية”.
وأشار إلى أن استهداف مراسل لشبكة إعلامية إقليمية بحجم “العربية” و“الحدث” يحمل “رسالة سياسية واضحة تهدف إلى ترهيب الإعلام الدولي وصرف الأنظار عن الملفات الحيوية في حضرموت”.
وقال إنه “لا يمكن قراءة توقيت هذه العملية الغادرة بمعزل عن السياق العام والتصعيد الإعلامي والميداني المكثف الذي تشهده المحافظات الجنوبية، وتحديداً في عدن وحضرموت، من قبل الأطراف الساعية لفرض واقع جديد بالقوة”.
وأضاف أن “تزامن هذا الاغتيال مع حالة الشحن والتحشيد يثبت أن الجريمة لم تكن عشوائية، بل خُطط لها بدقة كأداة ضغط ميدانية وسياسية، مستغلة حالة التوتر القائمة لتمرير أجندات دموية تحت غطاء التصعيد العام”.
دعوة لانتظار نتائج التحقيق
بدوره، قال الصحفي والمحلل السياسي، عبدالله دوبله، إن جريمة اغتيال عيضة تحمل طابعاً سياسياً، مشدداً على أن هوية الطرف الذي يقف وراء العملية لا يزال مجهولًا حتى اللحظة.
ودعا في حديثه لـ“برّان برس”، إلى إناطة الأمر بالكامل للأجهزة الأمنية في حضرموت، لا سيما بعد الأنباء التي تحدثت عن ضبط عدد من المشتبهين، محذرًا الأطراف السياسية من “الانزلاق إلى مربع تبادل الاتهامات المتسرعة في هذه الظروف الحساسة”، مؤكدًا أن “تقاذف التهم لا يخدم سوى الطرف الفعلي الذي يقف وراء الاغتيالات”.
وقال: “من الأفضل للجميع انتظار نتائج التحقيقات الرسمية، وما ستسفر عنه جهود السلطات الأمنية في حضرموت”.
وأضاف أن جماعة الحوثي، إلى جانب أطراف أخرى، تستفيد من حالة الخلافات السياسية الراهنة، مضيفًا أن “ملف الاغتيالات شائك وخطير للغاية، ويتطلب أعلى درجات الحذر والتريث في التناول، وعدم الاستهانة بأبعاده”.
ودعا دوبلة القوى السياسية إلى “ضبط النفس وترك المجال للأجهزة الأمنية والقضائية لتحديد الجهات الفاعلة”، مؤكداً أن “تبادل الاتهامات السياسية يمنح الفاعل الحقيقي طوق نجاة للإفلات من العقاب، ويمنحه فرصة لمواصلة ارتكاب مزيد من الانتهاكات والتصفيات الجسدية”.
دلالات المكان
ويرى الأسيدي أن هناك “ارتباطًا وثيقًا ومباشرًا بين اغتيال عيضة ومحاولات إرباك المشهد في حضرموت”، التي قال إنها “ظلت لسنوات تمثل نموذجاً للاستقرار ومؤسسات الدولة مقارنة بمناطق أخرى”.
وأشار إلى أن “اختيار مدينة المكلا لتنفيذ هذه العملية بالعبوة الناسفة يهدف بوضوح إلى ضرب رمزية الأمن في هذه المحافظة الاستراتيجية، ويبعث رسالة مفادها أنه لا توجد منطقة آمنة، مما يدخل المحافظة في دوامة من التوجس الأمني والاضطراب الاجتماعي والسياسي”.
وأكد أن “هذا التوقيت يعكس بوضوح رغبة جامحة من قِبل جهات معينة لخلط الأوراق وإدخال المشهد اليمني في تعقيدات جديدة”.
وطالب الأسيدي بـ“ضرورة التحرك الحازم والسريع لضبط الجناة”، مشددًا على أن “الصمت أو التراخي في مثل هذه الجرائم السياسية الممنهجة يمنح الضوء الأخضر للمجرمين للاستمرار في تصفية الأصوات الحرة”.
تنديد محلي ودولي
وأعقبت جريمة الاغتيال إدانات محلية ودولية واسعة، فيما شهدت منصات التواصل الاجتماعي موجة تنديد كبيرة من مختلف الشرائح والمكونات الاجتماعية والسياسية والفكرية في عموم اليمن.
وأكد عضو مجلس القيادة الرئاسي، محافظ حضرموت، سالم الخنبشي، خلال لقائه بأسرة عيضة، استمرار الجهات المختصة في ملاحقة الجناة والعمل على كشف ملابسات الجريمة، مشددًا على عدم إفلات المتورطين من العقاب وتحقيق العدالة.
ووصف الخنبشي استهداف الصحفيين بأنه “اعتداء سافر على حرية الإعلام والحقيقة”، مؤكدًا الحرص على حماية الصحفيين وتوفير بيئة آمنة تُمكّنهم من أداء رسالتهم الإعلامية بحرية ومسؤولية.
كما أدان المبعوث الأممي إلى اليمن، والبعثات الدبلوماسية، والاتحاد الدولي للصحفيين، الجريمة، وسط مطالبات محلية ودولية بتحقيق مستقل وسريع وشفاف، يكشف ملابسات الجريمة ويحدد الجناة ويقدمهم إلى العدالة.
تنويه: هذا الخبر تم نقله تلقائياً من مصدره (بران برس) ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع.