أكدت دراسة قانونية محكّمة للباحث اليمني الدكتور فيصل علي أن استعادة دولة جنوب اليمن السابقة بعد إعادة تحقيق الوحدة اليمنية عام 1990 تواجه، وفق قواعد القانون الدولي، عوائق قانونية متعددة، أبرزها مبدأ سلامة أراضي الدولة القائمة، وانقضاء الشخصية القانونية الدولية للدولتين السابقتين عقب اندماجهما في الجمهورية اليمنية.
ونُشرت الدراسة حديثًا باللغة الإنجليزية في "المجلة الدولية متعددة التخصصات للأبحاث"، الصادرة عن دار لندن للنشر الأكاديمي في المملكة المتحدة، تحت عنوان: "تقرير المصير والانفصال وفك الارتباط في القانون الدولي العام: الاندماج الطوعي وإشكالية إحياء الشخصية القانونية الدولية المنقضية في اليمن".
وتناولت الدراسة التي نُشرت في 12 أغسطس 2026، مفاهيم تقرير المصير والانفصال وفك الارتباط واستعادة دولة الجنوب والجنوب العربي، في سياق الجدل السياسي والقانوني المتصل بالقضية الجنوبية ومستقبل الدولة اليمنية.
وترى الدراسة أن هذه المفاهيم، رغم تقاربها في الخطاب السياسي والإعلامي، تختلف من حيث آثارها القانونية في القانون الدولي، مشيرة إلى ضرورة الفصل بين مشروعية التعبير عن المطالب السياسية وبين قدرة تلك المطالب على إحداث أثر قانوني يفضي إلى الانفصال أو استعادة السيادة.
وتطرح الدراسة سؤالًا محوريًا بشأن طبيعة المطالبة الجنوبية: هل تتعلق بانفصال إقليم عن دولة قائمة، أم بمحاولة إحياء شخصية قانونية دولية سابقة انتهت عند اندماج الدولتين السابقتين في الجمهورية اليمنية في 22 مايو/أيار 1990؟
وبحسب الدراسة، فإن إعادة تحقيق الوحدة اليمنية أفضت، من منظور القانون الدولي، إلى قيام دولة واحدة معترف بها دوليًا هي الجمهورية اليمنية، وهو ما يعني انتهاء الشخصية القانونية الدولية المستقلة لكل من الدولتين السابقتين، وعدم بقائهما ككيانين قانونيين منفصلين قابلين للاستعادة بصورة تلقائية.
ووصفت الدراسة هذا الوضع بـ"الحاجز القانوني المضاعف"، موضحة أن المطالب القائمة على استعادة دولة الجنوب تصطدم، من جهة، بمبدأ سلامة أراضي الدولة القائمة، ومن جهة أخرى، بالأثر القانوني لانقضاء الشخصية الدولية السابقة نتيجة الاندماج الطوعي.
وأشارت إلى أن استدعاء أسماء الدول السابقة أو حدودها أو رموزها السياسية لا يكفي، بمفرده، لإحياء شخصية قانونية دولية انتهت وفق الترتيب القانوني الذي نشأ عقب الوحدة.
وفي ما يتعلق بحق تقرير المصير، تميز الدراسة بين تقرير المصير الداخلي وتقرير المصير الخارجي. وترى أن الأول يمثل الإطار الأوسع في الدول المستقلة، من خلال المشاركة السياسية، والتمثيل، وعدم التمييز، والضمانات الدستورية، واللامركزية والحكم المحلي الفعال.
أما تقرير المصير الخارجي، فتوضح الدراسة أنه ارتبط بصورة أساسية بسياقات الاستعمار والاحتلال الأجنبي، فيما تناقش إمكانية الاستناد إلى الحرمان الجسيم والممنهج من تقرير المصير الداخلي كأساس لأطروحة "الانفصال العلاجي"، مع التأكيد على أن هذه الأطروحة لا تزال موضع خلاف ولم تتحول إلى قاعدة عامة مستقرة في القانون الدولي.
وقارنت الدراسة الحالة اليمنية بعدد من النماذج الدولية، من بينها كيبيك وكوسوفو وإريتريا وجنوب السودان وتفكك الاتحاد السوفيتي، إلى جانب تجارب اتحادات طوعية انتهت، مثل الجمهورية العربية المتحدة واتحاد مالي والسنغامبيا.
وخلص الباحث إلى أن الحالة اليمنية لا تتطابق مع تلك النماذج، بسبب خصوصية الوحدة التي تحققت عام 1990، واستمرار الاعتراف الدولي بالجمهورية اليمنية، وعدم وجود ترتيب قانوني يترك الشخصية الدولية للدولة الجنوبية السابقة قائمة أو قابلة للعودة بصورة منفردة.
كما تناولت الدراسة مفهومي "فك الارتباط" و"استعادة دولة الجنوب" و"الجنوب العربي"، باعتبارها مفاهيم حاضرة في الخطاب السياسي، لكنها تؤكد أن القيمة القانونية لأي منها تتوقف على مدى استنادها إلى مصادر القانون الدولي والقانون الدستوري، وليس على حضورها في الخطاب السياسي أو الإعلامي.
وأقرت بوجود مظالم سياسية وإدارية واقتصادية مرتبطة بالقضية الجنوبية، خصوصًا في أعقاب حرب عام 1994، لكنها تفرق بين الاعتراف بهذه المظالم وبين تحويلها بصورة مباشرة إلى حق قانوني في الانفصال.
وأرت أن المعالجة الأكثر اتساقًا مع القانون الدولي والقانون الدستوري المقارن تتمثل في تعزيز تقرير المصير الداخلي، والعدالة الانتقالية، وجبر الضرر، ووضع ضمانات دستورية، وتحقيق توزيع أكثر عدالة للسلطة والثروة داخل دولة يمنية واحدة.
وتولي الدراسة أهمية لمخرجات مؤتمر الحوار الوطني، ولا سيما وثيقة الحل العادل للقضية الجنوبية، معتبرة أنها تمثل إطارًا داخليًا يمكن تطويره لمعالجة القضية الجنوبية ضمن الدولة الواحدة، شريطة تحويلها إلى ضمانات دستورية ومؤسسية قابلة للتنفيذ.
كما تخلص إلى أن السيطرة الفعلية على أجزاء من الإقليم، أو إصدار إعلانات سياسية أو دستورية من قوى غير معترف بها دوليًا، لا يكفي بمفرده لاكتساب صفة الدولة أو الحكومة أو حركة التحرر الوطني.
وتوصلت الدراسة كذلك إلى أن الدعم الخارجي قد يؤثر في الوقائع وموازين القوى، لكنه لا ينشئ، بمفرده، مركزًا قانونيًا دوليًا أو تفويضًا سياديًا.
وتكمن أهمية الدراسة، وفق طرحها، في إعادة توصيف القضية القانونية المرتبطة بالمطالبة باستعادة دولة الجنوب باعتبارها محاولة لإحياء شخصية قانونية دولية انقضت نتيجة اندماج طوعي كامل، مع تقديم إطار قانوني مقارن لفهم مفاهيم تقرير المصير والانفصال وفك الارتباط وآثارها المحتملة في الحالة اليمنية.
تنويه: هذا الخبر تم نقله تلقائياً من مصدره (بران برس) ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع.