في وقت تشهد فيه جبهات القتال في محافظة تعز ومحيط باب المندب اشتباكات ضارية، وتتوالى الهجمات الحوثية بالصواريخ والطائرات المسيرة نحو مدينة عدن المعلنة عاصمة مؤقتة لليمن ومنشآت مدنية حيوية في العاصمة السعودية الرياض، تخوض أطراف النزاع جولة موازية لا تقل ضراوة على رقعة الفضاء الرقمي.
وتكشف المعطيات الميدانية والتقنية أن جماعة الحوثيين كثفت خلال شهر أكتوبر 2026 من استراتيجية “حروب الجيل الخامس”، معتمدة على بنية تحتية منظمة من “المطابخ الإعلامية” والجيوش الإلكترونية لترويج أخبار “زائفة” ومقاطع مصممة بالذكاء الاصطناعي؛ بهدف كسر الروح المعنوية، وإرباك الحاضنة الشعبية، وصناعة انتصارات عسكرية دعائية تفتقد لأي رصيد على الأرض.
يتتبع هذا التحقيق الاستقصائي الموسع، عبر أدوات التحليل الجنائي للوسائط الرقمية وفحص الطوابع الزمنية وصور الأقمار الاصطناعية، مسار أبرز الشائعات التي اجتاحت المنصات منذ مطلع الأسبوع، كاشفاً الخيوط التقنية والشبكات المنسقة التي تقف وراءها، والأثر الإنساني والاقتصادي المباشر الذي تخلفه على ملايين المدنيين.
شكل (1): النموذج الانسيابي لدورة حياة الشائعة ومراحل عمل المطابخ الإعلامية الرقمية.
1. أرتال تعز.. دبابات من صحراء ليبيا إلى جبال اليمن
كانت أولى وأوسع الحملات التضليلية انتشاراً في 12 أكتوبر، حين ضخت حسابات رقمية مقطعي فيديو حظيا بأكثر من 400 ألف مشاهدة خلال ساعات معدودة على منصة “
X
”.
روجت الحسابات الأولى أن المشاهد توثق تحرك أرتال عسكرية ضخمة ومدرعات حديثة من مأرب نحو تعز لفك الحصار وحسم المعركة، فيما سارعت حسابات موازية محسوبة على الحوثيين إلى استغلال المقطعين ذاتهما برواية عكسية تماماً، زاعمة أنهما يوثقان “فرار وانسحاب قوات العمالقة والحكومة من جبال الصبيحة باتجاه القرى السكنية”.
ما الذي كشفه التحقيق الجنائي البصري؟
قاد التتبع العكسي للإطارات الثابتة للفيديو عبر وحدة المصادر المفتوحة بشبكة الجزيرة إلى تفكيك كامل للروايتين وإثبات زيفهما:
تحديد الناشر الأول (Patient Zero):
بدأ ضخ المقطع الأول في اليمن عبر حساب يحمل اسم عبد الله علي شعلان (
@hnd38093
)، بينما نشر المقطع الثاني حساب باسم الملازم نايف بن حمد النمران (
@nayif_bin_hamd
) وحساب (
@eaglegoogl
)، قبل أن تتلقفهما العناقيد الحوثية لتوليد سردية الفرار والانهيار.
المصدر الحقيقي للقطات:
أثبت البحث العكسي وجود النسخ الأصلية منشورة قبل تداولها في اليمن بيوم كامل (بتاريخ 11 أكتوبر 2026) على منصة فيسبوك عبر حساب ضابط ليبي يحمل اسم “النقيب صخر”.
الموقع والمناسبة الفعلية:
المشاهد لا تمت لليمن بصلة، بل توثق وصول وحدات من “جهاز دعم المديريات” و“الكتيبة 462 مشاة” لتنفيذ تمرين تعبوي سنوي في “معسكر الدوفان” داخل الأراضي الليبية.
البصمة الجنائية في الثانية 25 والثانية 10:
أظهر التدقيق المجهري في الثانية 25 من المقطع الأول علماً أبيض يرفرف فوق دبابة ضمن الموكب يحمل الشعار الرسمي لـ“ركن حرس الحدود والأهداف الحيوية” التابع للجيش الليبي. وفي الثانية 10 من المقطع الثاني، ظهر بوضوح شعار “جهاز دعم مديريات الأمن بالمناطق” الليبي على إحدى المركبات.
تقنية الاقتطاع المتعمد:
عمدت الغرف التي أعادت تدوير الفيديو إلى قص 90% من مدته الأصلية (عُشر الطول الحقيقي فقط)، مع كتم الصوت الأصلي لطمس اللهجة الليبية وإخفاء اللوحات المعدنية للشاحنات.
2. مطار الرياض.. خلط الذكاء الاصطناعي بمشاهد دبي القديمة
بالتزامن مع إعلان الحوثيين إطلاق طائرات مسيرة وصواريخ باتجاه مطار الملك خالد الدولي بالرياض يومي 10 و11 أكتوبر، تدفقت على منصات “
X
” و“
إنستغرام
” و“
فيسبوك
” مقاطع فيديو تزعم توثيق لحظة سقوط مقذوف داخل صالة المسافرين وحدوث انفجار كارثي وحرائق هائلة. ولإضفاء بعد دولي على الشائعة، جرى ترويج المقاطع مصحوبة بترجمات باللغتين الإنجليزية والصينية لإيهام الرأي العام العالمي بشلل المطار.
كيف فكك المحققون “الخدعة الهجينة”؟
أثبت الفحص التقني الذي أجرته مؤسسة Full Fact البريطانية وفريق التدقيق في وكالة AFP أن الفيديو المتداول يمثل نموذجاً متطوراً لما يُعرف بـ “التضليل الهجين” (Information Blending) عبر دمج ثلاثة مقاطع غير مترابطة في شريط واحد مدته 22 ثانية:
الثواني الأربع الأولى (توليد بالذكاء الاصطناعي):
مشهد يظهر ركاباً يركضون في هلع قبل وقوع انفجار، وهو مقطع مفبرك بالكامل بالذكاء الاصطناعي ومتداول على الإنترنت منذ مارس 2026.
وكشف الفحص البصري في الثانية العاشرة من النسخة الكاملة للمقطع عيوباً تقنية صارخة، أبرزها ظهور يد بشرية تحمل هاتفاً ذكياً تطفو فجأة في الهواء بجانب رأس رجل دون وجود ذراع أو جسد متصل بها، كما صُنّف المقطع كمحتوى اصطناعي عبر أداة الكشف التابعة لشركة
Meta
.
الثواني السبع الوسطى (الحدث الواقعي المحدود):
لقطات حقيقية قصيرة أظهرت غباراً وحطاماً خفيفاً في إحدى الصالات نتيجة سقوط شظايا الاعتراض، وقد حُشرت هذه الثواني في المنتصف لإقناع المشاهد العادي الذي يتعرف على تصميم الصالة بصحة الفيديو كاملاً.
الثواني الأخيرة (المشهد الإماراتي القديم):
خُتم الفيديو بلقطات حرائق ودمار لا علاقة لها بالرياض، بل تعود لهجوم سابق استهدف مطار دبي الدولي في فبراير 2026، وجرى اقتطاعها ودمجها للإيحاء باحتراق مطار الملك خالد.
شكل (2): بطاقة التحقق الجنائي البصري ومقارنة الأدلة في فبركات تعز ومطار الرياض.
3. سرقة الأختام الدولية.. فبركة منسوبة لـ “AP” و“فرانس برس”
عندما تفشل الفيديوهات المركبة في إقناع المتابعين والنخب الإعلامية، تنتقل مطابخ التضليل إلى تكتيك “استعارة الموثوقية” (Authority Hijacking)، عبر تصميم بطاقات إخبارية مزورة تسرق الهوية البصرية والخطوط المعتمدة لوكالات الأنباء العالمية:
روجت حسابات وقنوات موالية للحوثيين خبراً عاجلاً منسوباً لوكالة الأنباء الأمريكية يزعم أن السعودية فتحت تحقيقاً في فشل منظوماتها الدفاعية، وأنها طلبت دعماً عاجلاً بصواريخ الدفاع الجوي من مصر وفرنسا وبريطانيا وباكستان إثر تراجع مخزوناتها.
شائعة تعليق الدراسة في الرياض (AFP):
بالتوازي، انتشرت بطاقة إخبارية مفبركة تحمل شعار وكالة الصحافة الفرنسية (AFP) تزعم صدور قرار رسمي بتحويل الدراسة في مدارس العاصمة الرياض إلى نظام “التعليم عن بُعد” لمدة أسبوع، وهو ما نفته الجهات التعليمية السعودية والوكالة الفرنسية، مع استمرار الدوام الحضوري في كافة مدارس العاصمة بصورة طبيعية.
4. قصر معاشيق بعدن.. اختلاق الفراغ السياسي والمضاربة الاقتصادية
في 15 أكتوبر، شنت جماعة الحوثي هجوماً صاروخياً استهدف مجمع قصر معاشيق الرئاسي في مدينة عدن المعلنة عاصمة مؤقتة للبلاد. وخلال دقائق من الضربة، ضخت الغرف الإعلامية شائعات منسقة تزعم “مقتل رئيس الوزراء الدكتور شائع الزنداني، وتصفية وزراء وقادة عسكريين بارزين كالمحرمي والصبيحي، ودخول عدن في فراغ أمني ودستوري شامل”.
غير أن التحقق الميداني والبيانات الرسمية التي وثقتها شبكة CNN بالعربية وقناة العربية وقناة الحدث أكدت سلامة رئيس الوزراء وجميع أعضاء الحكومة، موضحة أن الصواريخ طالت مباني خدمية ومواقع حراسة وأسفرت عن مقتل 5 من أفراد الحماية وإصابة 16 آخرين، دون توقف العمل الحكومي.
5. الأثر الواقعي للشائعات.. نزوح قسري وحرب نفسية على المدنيين
لا تتوقف خطورة هذه الشائعات عند حدود الفضاء الافتراضي، بل تترجم مباشرة إلى أزمات إنسانية واقتصادية خانقة على الأرض:
تفاقم موجات النزوح في الساحل الغربي وتعز:
تسببت الحملات الدعائية التي تروج لاقتحام وشيك لمدينة تعز وسقوط مناطق الساحل الغربي في بث الذعر بين الأسر المدنية؛ حيث وثق تحقيق بالأقمار الاصطناعية أجرته شبكة الجزيرة في 14 أكتوبر توسعاً غير مسبوق في مخيمات النزوح لاستقبال الفارين من مناطق الاشتباكات، في وقت يواجه فيه أكثر من مليون مدني داخل تعز حصاراً خانقاً يهدد المستشفيات بنفاد الإمدادات الطبية.
إغلاق 66 حساباً مضللاً:
في مواجهة هذه الحرب النفسية، أعلن مركز الإعلام الرقمي التابع لوزارة الإعلام في الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا عن رصد وإغلاق 66 حساباً رئيسياً من الحسابات المروجة للشائعات التي تستهدف إرباك الجبهة الداخلية في تعز، محذراً من اعتماد الحوثيين على حسابات تحمل أسماء وهمية بصبغة وطنية أو مناطقية لضرب الثقة بين القوات الميدانية والحاضنة الشعبية.
إرباك الأسواق في عدن:
استهدفت شائعات اغتيال أعضاء الحكومة في قصر معاشيق ضرب الاستقرار المالي وإثارة الهلع في أسواق الصرف والتجارة بالعاصمة المؤقتة.
6. التشريح التقني وعقيدة التزييف.. من “آيزنهاور” إلى “معركة تعز”
ويُظهر الفحص الجنائي لبيانات منصة “X” خلال الأسبوع الجاري أن “المطبخ الإعلامي” يعمل وفق هيكلة مؤتمتة من ثلاث طبقات:
غرف التوليد والزرع (Telegram Seeding):
تبدأ الشائعة في مجموعات تليغرام مغلقة، حيث يتم قص الفيديوهات أو معالجتها بالذكاء الاصطناعي وتجريدها من بياناتها الوصفية (EXIF Metadata).
الخلايا المستيقظة والترجمة الآلية:
تبين أن أكثر من 65% من الحسابات المضخمة للشائعات أُنشئت حديثاً بين أغسطس وأكتوبر 2026، وتعمل بنظام النشر الكثيف (أكثر من 250 تفاعلاً في الساعة) مع استخدام حسابات رديفة باللغتين الإنجليزية والصينية للإيحاء بوجود تفاعل عالمي.
شكل (3): خريطة التشريح التقني لشبكات البوتات والسلوك غير الأصيل المنسق (CIB).
كيف تكشف فبركات الحروب في دقيقة؟
لوضع حد لانتشار هذه الأنماط التضليلية في غرف الأخبار ولدى الجمهور، يوصي خبراء المصادر المفتوحة باتباع أربع خطوات فحص أساسية قبل تداول أي مادة عسكرية:
الأداة التقنية
وظيفتها الجنائية لكشف التزييف
الدليل القاطع الذي تستخرجه
إضافة InVID-WeVerify
تقطيع الفيديو المشبوه إلى إطارات ثابتة والبحث عنها عكسياً في 6 محركات بحث.
كشف أصل الفيديو وتاريخ نشره الحقيقي قبل اقتطاعه (مثل فيديو معسكر ليبيا).
مطابقة الأعلام، الشعارات العسكرية، التضاريس، ولوحات المركبات.
تحديد الدولة والوحدة العسكرية الحقيقية التي تنتمي إليها الآليات.
فحص التشوهات البصرية (AI Check)
تدقيق الأطراف البشرية، الأصابع، وانعكاسات الإضاءة عند الحركة السريعة.
رصد العيوب التوليدية (مثل اليد العائمة في فيديو مطار الرياض).
مراجعة السجل البرقي للوكالات
الدخول المباشر لمواقع AP وAFP بدلاً من الاعتماد على الصور المتداولة.
إثبات تزوير القوالب الإخبارية وخلو الأرشيف الرسمي من التصريحات المزعومة.
(أُعدّ هذا التحقيق بالاعتماد على تقارير الفحص الجنائي الصادرة عن وحدة المصادر المفتوحة بشبكة الجزيرة، ومنصة Full Fact البريطانية، وفريق التحقق بوكالة فرانس برس AFP، ووكالة أسوشيتد برس AP، والبيانات الرسمية للحكومة اليمنية).
تنويه: هذا الخبر تم نقله تلقائياً من مصدره (بران برس) ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع.